حين أخطو داخل المقهى الهادئ الوديع، الذي يحتضن نفسه في زاوية من المدينة الصاخبة، يخفق قلبي بمزيج من الترقب والوجل. يملأ عبير القهوة الطازجة والمعجنات المخبوزة الأجواء، لكنني بالكاد ألحظه بينما أمحّص النظر في أرجاء المكان، تتنقل عيناي بسرعة من وجه لآخر حتى تستقر على هيئة امرأة منزوية في ركن الغرفة، رأسها مطرق وكتفاها منثنيان كمن يحاول التواري داخل ذاته.
حتى دون تقديم، علمت أنها هي. يوري. المرأة الغامضة التي ارتبط فنها المظلم والمقلق بشكل ما بالجرائم الملتوية التي يرتكبها القاتل سيء السمعة الملقب "الفنان"، الذي ظل يرهب المدينة لأشهر طوال.
بدت تمامًا كما وصفها معلم الفنون خلال محادثتنا الهاتفية القصيرة؛ صغيرة وهادئة، ترتدي قبعة سوداء تسدل حافتها على عينيها، وتشع منها هالة من الظلام. كانت أصابعها النحيلة تلتف حول كوب شاي متصاعد البخار، لكنها بدت غافلة عن دفئه وهي تحدق بشرود في الطاولة أمامها.
أخذت نفسًا عميقًا، مستجمعًا قواي للمحادثة المرتقبة، وشققت طريقي نحو طاولتها، متعرجًا بين عدد قليل من الزبائن الآخرين الغافلين تمامًا عن خطورة الموقف.
“يوري؟” سألتُ، بصوت خافت ولطيف بينما انزلق إلى المقعد المقابل لها، وقد أحدث الجلد البالي صريرًا خفيفًا تحت وطأة وزني. “أنا الضابط بارك. تحدثنا عبر الهاتف. شكرًا لك على موافقتك على مقابلتي في هذا الوقت الوجيز.”
رفعت بصرها إليّ، عيناها داكنتان وغامضتان تحت حافة قبعتها. عن كثب، أمكنني رؤية الظلال التي تحدد ملامحها الرقيقة، والندوب الخافتة التي تتقاطع على بشرتها الشاحبة. بدت كشخص رأى الكثير، وخبر الكثير، ومع ذلك كان بها جمال غريب ومقلق لا أستطيع تحديده تمامًا.
“ما زلت غير متأكدة مما يحدث،” قالت، بصوت بالكاد يتجاوز الهمس، كلماتها مشوبة بلحن مؤثر يبعث قشعريرة في عمودي الفقري. “لقد ذكرت شيئًا عبر الهاتف عن لوحاتي، عن قاتل...”
أومأتُ برأسي، ووجهي جاد، بينما أخرجتُ ملفًا جلديًا باليًا من حقيبتي ووضعته على الطاولة بيننا، تتلألأ مشابكه المعدنية في ضوء المقهى الخافت. “أعلم أن هذا يجب أن يكون مربكًا ومقلقًا،” قلتُ، كلماتي مختارة بعناية، مثقلة بمسؤولية شارتي والأرواح المعلقة في الميزان. “لكن لدينا سبب وجيه للاعتقاد بأن فنك قد يكون متصلًا بسلسلة من جرائم القتل الوحشية التي وقعت في أنحاء المدينة خلال الأشهر القليلة الماضية.”
فتحت الملف، كاشفًا عن سلسلة من صور مسرح الجريمة اللامعة؛ جثث ملتوية في أوضاع بشعة وغير طبيعية، مرصوفة كأعمال فنية مخيفة على خلفيات من الدماء والظلال. اتسعت عينا يوري وهي تتأمل الصور، حبست أنفاسها في حنجرتها، وارتعشت أطراف أصابعها وهي تحوم فوق الصور.
“هذه الأوضاع،” قلتُ بصوت خافت وملحّ، نقرت بإصبعي على الصور للتأكيد. “إنها مطابقة لتلك الموجودة في لوحاتك. تلك التي رسمتيها أثناء دراستك في المركز المجتمعي العام الماضي.”
للحظة طويلة، التزمت يوري الصمت، عيناها مثبتتان على الصور بحدة أرسلت قشعريرة في عمودي الفقري، وتلألأت عيناها الداكنتان بضوء غريب ومقلق.
بدأت تتلعثم قائلة، بصوت يرتعش بطاقة غريبة ومقلقة، وكلماتها تنساب باندفاع لاهث: “لم أتصور قط أن أرى رؤاي تنبض بالحياة بهذا الشكل. يبدو الأمر كأنها خرجت من أحلامي ودخلت العالم الحقيقي. كأنها اتخذت حياة خاصة بها.”
توقفت عن الكلام، عيناها لا تزالان مثبتتين على الصور بنظرة متعطشة، يكاد يكتنفها التبجيل، وأصابعها تنتفض كما لو كانت تتوق للمسها. شعرت بموجة من الانزعاج تجتاحني، إحساس بأنني أسير على أرض خطرة، وأنني أخطو إلى عالم بالكاد أستطيع استيعاب بداياته.
“يوري،” قلتُ، بصوت حازم لكنه غير قاسٍ، ومددتُ يدي لأغطي يدها بلطف، مستشعرًا برودة بشرتها على بشرتي. “أحتاج منك أن تخبريني بكل ما تعرفينه عن هذه اللوحات. من غيرك قد يكون رآها، ومن قد تمكن من الوصول إليها. هذه مسألة حياة أو موت. كل دقيقة لها ثمنها.”
نظرت إليّ، عيناها فجأة حادتان ومركزتان، يتلاشى الضوء الغريب من أعماقهما بينما يعود الواقع يرتطم بها. “لا أعرف،” قالت، كلماتها مقتضبة ودقيقة، صوتها خالٍ من أي عاطفة. “لم أرهما لأحد قط، ولم أتحدث عنهما خارج الفصل الدراسي. لقد كانت لوحات خاصة بي، شخصية. وسيلة لي لطرد شياطيني، ولأمنح شكلًا للظلام الذي يطاردني.”
أومأتُ برأسي، وعقلي يتسارع باستنتاجات كلماتها، وبتلك الأسئلة التي لا حصر لها والتي ظلت معلقة. فإذا كانت يوري صادقة، وإذا لم تعرض لوحاتها لأي أحد... فكي كيف حصل القاتل على تلك اللوحات؟ وكيف استخدمها كقالب ملتوٍ لجرائمه؟ وما هي القوى المظلمة التي تعمل هنا، وإلى أي عمق تمتد؟
أبعدتُ الأسئلة جانبًا في الوقت الراهن، مركزًا على المهمة التي بين يدي، وعلى الشابة التي أمامي والتي قد تحمل مفتاح حل هذا اللغز. “يوري،” قلتُ بصوت خافت وجاد، أقفلتُ عيناي بعينيها، دافعًا إياها لتفهم خطورة الموقف. “أعلم أن هذا كثير لاستيعابه، لكنني أحتاج منك أن تدركي حجم المخاطر هنا. الناس يموتون، وقد يكون فنك هو المفتاح لإيقاف القاتل قبل أن يضرب مجددًا، قبل أن تُزهق أرواح بريئة أخرى.”
أومأتْ رأسها، تعابيرها فجأة كئيبة ومنسحبة، وكتفاها منسدلان كأنهما يرزحان تحت وطأة حمل ثقيل. “أفهم،” قالت بصوت بالكاد يتجاوز الهمس، وعيناها تمتلئان بحزن عميق ومؤلم يشد قلبي.
وبينما نهضت من مقعدي، منحت يوري إيماءة مطمئنة، وصوتي ثابت وهادئ رغم الاضطراب الذي كان يعصف بي من الداخل. “سأتواصل معك قريبًا بخصوص اللوحات،” قلتُ، ويدي تستقر للحظة وجيزة على كتفها. “إذا تذكرتِ أي شيء آخر، أي شيء على الإطلاق، فلا تترددي في الاتصال بي.”
أومأتْ يوري رأسها، نظرتها لا تزال بعيدة ومطاردة، وأصابعها تتلوى بعصبية في حجرها. “سأفعل،” تمتمت، صوتها بالكاد مسموع فوق الطنين الهادئ للمحادثات وصليل الأطباق الذي يملأ المقهى.
بنظرة أخيرة نحو الشابة الغامضة، استدرت وشققت طريقي نحو المخرج، وعقلي يتسابق بالفعل نحو الخطوات التالية في التحقيق، والقرائن التي يجب تتبعها، والأدلة التي يجب جمعها.
حين خرجتُ من المقهى إلى وهج شمس الظهيرة القاسية، أخذتُ نفسًا عميقًا، تاركًا الهواء البارد يملأ رئتي وينقي ذهني. لكن قبل أن أخطو بضع خطوات نحو سيارتي، رنّ صوتًا مألوفًا في رأسي، همسًا ساخرًا أرسل قشعريرة في عمودي الفقري.
“مرحباً، بارك،” تمتم صوت باندي، كلماته تقطر بحقد شرير يثير غيظي. “هل تغادر بهذه السرعة؟ ظننت أنك قد ترغب في إلقاء نظرة فاحصة على صديقتك الجديدة هناك.”
تسمرتُ في مكاني، وقلبي يخفق بعنف بينما حاولتُ التخلص من الإحساس المقلق بوجود باندي في رأسي. إنه صوت طاردني لأشهر، منذ بداية أولى جرائم القتل، همسًا شريرًا يبدو أنه يعلم كل أفكاري ومخاوفي.
“عما تتحدث؟” تمتمتُ في سري، وعيناي تتجولان بسرعة في الشارع الفارغ، باحثًا عن أي أثر لذلك المجنون الذي ظل يسخر مني من الظلال. [ ترجمة زيوس] ضحك باندي، ضحكة خافتة ومهددة ترن في خبايا عقلي. “أوه، لا شيء يذكر،” قال، وصوته يقطر ببراءة زائفة. “لقد ظننتُ وحسب أنك قد تجد الأمر مثيرًا للاهتمام أن ترى ما تفعله صديقتك الفنانة الصغيرة الآن بعد أن تركتها وحيدة.”
خلافًا لقراري الأفضل، استدرت ونظرت عائدًا عبر النافذة الكبيرة المطلة على المقهى، وانجذبت عيناي على الفور إلى الطاولة حيث لا تزال يوري تجلس، رأسها مطرق وكتفاها منثنيان.
لكن بينما كنت أراقب، بدأ شيء ما يتغير. ببطء، وبشكل يكاد يكون غير محسوس في البداية، بدأت يوري تعدل وضعية جلوسها، وارتفع رأسها كأنما تجذبها قوة خفية.
وفي تلك اللحظة، شعرتُ بقشعريرة تسري في جسدي، إحساس بالرعب والاشمئزاز يهدد بأن يغمرني. وذلك لأنني رأيتُ على وجه يوري...
ابتسامة.