بينما أقف على الجانب الآخر من الشارع، انجذب نظري إلى الوهج الدافئ المنبعث من نوافذ المقهى.

كانت يوري حينها تجري مكالمة هاتفية، وقد أضاء وجهها ابتسامة مشرقة بلغت عينيها، محوِّلةً ملامحها الرقيقة. حمل ضحكها عبر الزجاج نغمة شجية تملؤها بهجة حقيقية ودفء، مما يشكل تناقضًا صارخًا مع الظلال التي بدت وكأنها تلتصق بها حين تحدثنا للمرة الأولى.

راقبتها بانبهار وهي تتحاور بحيوية، وقد كانت يدها الحرة تشير بتعبيرية أثناء حديثها. مرت الدقائق وأنا أراقبها بذهول، محاولًا التوفيق بين هذه "يوري" المفعمة بالحياة والمتحررة من الهموم، وبين تلك الروح المضطربة التي أبدعت اللوحات المقلقة. 'مع من يا تُرى كانت تتحدث؟ وما الذي أثار هذا التغيير العميق في سلوكها؟'

بينما كنت غارقًا في أفكاري، لم أكد أدرك عندما انقطع ضحك يوري فجأة. رفعت نظرها، فالتقَت عيناها بعيني عبر النافذة، وسرعان ما عبرت وجهها ومضة دهشة، ثم شيء أصعب فهمًا؛ ربما كان خوفًا أو شعورًا بالذنب. في لمح البصر، أنهت يوري مكالمتها، وجمعت متعلقاتها، ثم سارعت بالخروج من المقهى، لتتلاشى في الرصيف المزدحم قبل أن أتمكن حتى من التفكير في ملاحقتها.

'حسنًا، لقد كان ذلك غريبًا حقًا،' تمتم صوت باندي في رأسي، مختلطًا بمسحة من الفضول تحت نبرته الساخرة المعتادة.

"غريب حقًا،" تمتمتُ، وعقَدتُ حاجباي بينما أحاول استيعاب ما شهدته للتو. "لقد بدت وكأنها شخص مختلف تمامًا، متحررة للغاية وسعيدة، ثم في اللحظة التي لاحظت فيها أنني أراقبها..."

'لقد انطلقت مسرعة كالأرنب المذعور،' أكمل باندي حديثه، مع لمحة من التسلية الداكنة تلوّن كلماته.

أومأت برأسي ببطء، وقد استقر شعور ثقيل بالقلق في نفسي. 'ما الذي يمكن أن تخفيه يوري؟ وما هي الحقائق التي تكمن مدفونة تحت تلك الابتسامة المشرقة المفاجئة والضحكات السهلة؟'

'يبدو أن صديقتنا الفنانة الصغيرة باتت لغزًا أكبر مما أدركنا،' همس باندي، وشعرت بحضوره يزداد ثقلًا وإلحاحًا.

مع بزوغ أشعة الفجر الأولى التي شقت عتمة الليل الحالك، وجدت نفسي متكدسًا في مؤخرة شاحنة غير مميزة، مركونة على بُعد مسافة قصيرة من مبنى شقة يوري. كان الهواء مشبعًا بالتوتر ورائحة دخان السجائر اللاذعة، بينما كنا أنا وزملائي نستعد ليوم طويل من المراقبة المترقب.

كان وجه المفتش هان عابسًا وهو يطلعنا على تفاصيل العملية، وقد بدت عيناه حادتين ومركزتين تحت حافة قبعته. "تذكروا،" حذر بصوت منخفض ومُلح، "نحتاج إلى دليل قاطع يربط يوري بجرائم القتل قبل أن نتمكن من إلقاء القبض عليها. راقبوا كل تحركاتها، وثّقوا أي نشاط مريب، ولكن لا تشتبكوا إلا للضرورة القصوى."

أومأت برأسي موافقًا مع الآخرين، وقلبي يخفق بمزيج من الترقب والرهبة. لقد شاركت في العديد من عمليات المراقبة من قبل، لكن شيئًا ما في هذه القضية يبدو مختلفًا تمامًا. ربما يكمن ذلك في الطبيعة الملتوية للجرائم، أو في الهالة المقلقة التي تحيط بيوري نفسها. مهما كان السبب، لا أستطيع التخلص من شعوري بأننا نخطو إلى شيء أكثر شؤمًا مما ندرك.

مع انتهاء الإيجاز وتفرقنا إلى فرق، وجدت نفسي مقترنًا بضابط شاب من المركز المحلي، وهو مبتدئ يافع الوجه يُدعى لي. بدا متحمسًا لإثبات جدارته، وعيناه واسعتان ويقظتان بينما يمسح الشارع بحثًا عن أي علامة لهدفنا.

"هل تعتقد حقًا أنها هي من تقف وراء كل تلك الجرائم؟" سأل، وصوته خفيض يمتزج بالخوف والفضول المرضي. "أعني، إنها تبدو... طبيعية جدًا."

هززت رأسي، وعيناي لا تفارقان مدخل مبنى يوري. "المظاهر قد تكون خادعة،" تمتمتُ، مستعيدًا في ذهني النظرة المسكونة في عينيها عندما التقينا أول مرة، والظلام الذي بدا وكأنه يلتصق بها كجلد ثانٍ. "وفي تجربتي، غالبًا ما يكون أكثر الناس بساطةً من يخفون أعمق الأسرار."

مضت الساعات بطيئة ونحن نواصل المراقبة، وارتفعت الشمس في السماء بينما دبت الحياة في المدينة من حولنا. كنا نتناوب على مراقبة الكاميرات وأجهزة التنصت التي زرعناها، وعيوننا وآذاننا مدربة على التقاط أدنى تلميح لنشاط مريب.

لكن يوري ظلت بعيدة المنال، وتحركاتها روتينية إلى حد محبط. راقبناها وهي تغادر شقتها، مرتدية معطفًا أسود وقبعة بسيطة، وممسكة بدفتر رسم تحت ذراعها. توقفت في مقهى قريب، وطلبت الشاي والمعجنات المعتادة قبل أن تستقر عند طاولة زاوية لترسم.

مع استمرار النهار، شعرت بتركيزي يشرع في التضاؤل، وعقلي ينجرف نحو الاحتمالات المظلمة لما يمكن أن تكون يوري تخطط له، وما هي الإلهامات الملتوية التي قد تتشكل على صفحات دفتر رسمها.

فجأة، جلس لي منتصبًا في مقعده، واتسعت عيناه بينما يشير إلى إحدى الشاشات. "انظر!" همس بصوت مشدود من الإثارة. "إنها تتحرك."

بينما كنت أراقب يوري وهي تخرج من مبنى شقتها وتشق طريقها في الشارع، أومأت إلى زميلي في مقعد الراكب. "يبدو أنها تتحرك. لنرَ إلى أين تتجه."

حافظنا على مسافة آمنة بينما نتبعها عبر الشوارع المتعرجة، وعيوننا مدربة على كل حركة لها. ومما فاجأني، أنها لم تقُدنا إلى مكان مظلم منعزل أو إلى نقطة لقاء مشبوهة. بل سارت مباشرة إلى مكتب بريد مزدحم، قابضةً في يدها على ظرف صغير.

راقبتها وهي تقترب من المنضدة، وتتبادل بضع كلمات مع الموظف، ثم تُسقط الظرف في فتحة البريد الصادر. ودون أن تلقي نظرة واحدة إلى الوراء، استدارت وغادرت المبنى، متجهة عائدة نحو منزلها.

"لقد أرسلت رسالة للتو،" تمتمتُ، وعقَدتُ حاجبيّ في تفكير عميق. [ ترجمة زيوس] "علينا أن نكتشف مع من تتواصل. قد يكون ذلك خيطًا مهمًا."

أومأ زميلي موافقًا، وانتظرنا حتى اختفت يوري تمامًا عن الأنظار قبل أن نتحرك. نزلتُ من السيارة واتجهت نحو مكتب البريد، وكانت شارتي في يدي بالفعل.

رفع المدير نظره عندما اقتربت، واتسعت عيناه قليلًا وهو يتفحص زيي الرسمي. "هل يمكنني مساعدتك، ضابط؟" سأل، وصوته يرتجف قليلًا.

أظهرت شارتي بسرعة، محافظًا على تعابير وجهي حيادية. "الضابط بارك. أنا أجري تحقيقًا وأحتاج للاطلاع على محتويات رسالة أُرسلت للتو من هذا الموقع. إنها مسألة في غاية الأهمية."

شحب وجه المدير، وبدأ يهز رأسه بالنفي. "أنا آسف يا ضابط، لكن لا يمكنني السماح لك بتفتيش رسائل الناس الخاصة بهذه البساطة. لدينا سياسات صارمة لحماية خصوصية عملائنا."

انحنيت أقرب، ونظرت إلى لوحة اسمه على صدره التي كُتب عليها "جو كيتاي"، وقلت بصوت خفيض ومُلِح: "أتفهم قلقك، لكن هذا تحقيق جنائي، وقد تكون الأرواح على المحك. لا أحتاج لقراءة محتويات الرسالة، كل ما أحتاجه هو اسم وعنوان المستلم."

تردد المدير، وبدا بوضوح ممزقًا بين واجبه تجاه عملائه وإلحاح طلبي. بعد لحظة طويلة، أومأ برأسه ببطء، وهبطت كتفاه استسلامًا.

"حسنًا يا ضابط. لكنني سأحتاج لاستعادة الرسالة بنفسي. لا يمكنني السماح لك بالتعامل معها مباشرة."

أومأت موافقًا، وراقبته وهو يختفي في الغرفة الخلفية. بعد بضع دقائق، عاد وفي يده ظرف أبيض واحد، خط يوري الأنيق واضح جليًا على واجهته.

"الرسالة موجهة إلى 'هوسو' في بوسان،" قال المدير، وصوته مشدود بالقلق. "هذا كل ما يمكنني إخبارك به."

2026/02/23 · 15 مشاهدة · 1000 كلمة
ZEUS
نادي الروايات - 2026