الفصل 59: حارس الأبعاد و النبوءة.

وقف جيمس وسط مقبرة المدينة الموحشة، حيث تصفر الرياح بين الشواهد الصامتة. كانت عيناه مثبتتين على قطعتين من الرخام البارد، نحت عليهما اسمان كانا يمثلان عالمه السابق بالكامل.

القبر الأول يحمل اسم "هيلين روهان"، وتتوسطه صورة صغيرة لها، تبتسم فيها تلك الابتسامة الدافئة التي انطفأت للأبد.

وبجانبه تماما، القبر الثاني.. قبره هو. "جيمس روهان". مع صورة لشاب بريء، بعيون عسلية لم ترَ الدماء بعد، وملامح لم يقسها الزمن والحرب.

لم تحتمل ساقا زارا حمل هذا الثقل الهائل من الذكريات والألم. خارت قواها وسقطت على ركبتيها في التراب الرطب، وانفجرت في نوبة بكاء مريرة، تدفن وجهها بين كفيها، وكأنها تعيد عيش لحظة الفقد مرة أخرى، غير مصدقة أن "صاحب القبر الثاني" يقف بجانبها الآن بجسد وحش وقلب محطم.

كان جيمس يحمل باقة من الورود البيضاء في يده، يضغط على سيقانها بقوة كادت تسحقها.

تقدم خطوة واحدة وثقيلة باتجاه قبر أمه. بدا وكأنه يجر جبالا من الذنوب خلفه. انحنى ببطء، ووضع الورود برفق شديد يتناقض مع طبيعته القاتلة، فوق التراب الذي يغطي جسد هيلين.

رفعت زارا رأسها الدامع، وتوقفت عن النحيب للحظة، تراقب ظهر أخيها العريض، تتساءل عما يدور في خلد هذا الغريب المألوف.

انتصب جيمس واقفا، وسلط نظره بعمق، بتركيز مخيف، على صورة أمه المثبتة على الشاهد.

في تلك اللحظة، تلاشى صوت الرياح من أذنيه، وعاد صوت الكابوس يتردد في عقله، صوتها وهي تصرخ في وجهه في ذلك الفراغ الأسود: "أنت لست ابني.. أنت مسخ.. لا تناديني أمي".

نظر إلى الصورة، وكأنه يخوض حوارا صامتا مع روحها:

"لقد لعنتني في أحلامي يا أمي.. تبرأت مني وأنا في غيبوبتي.. وقلتِ إنني تركتك وتركت زارا."

مرر بصره ببرود إلى قبره هو وابتسم ابتسامة مكسورة ولكنها مليئة بالجبروت:

"جيمس روهان.. ذلك الفتى الضعيف الذي مات هنا.. هو من خذلك لأنه لم يكن يملك القوة.. لأنه كان يكتفي بالقليل."

لمس الرخام البارد بيده الشاحبة وعيناه تلمعان ببريق الجشع السلطوي:

"أما أنا.. فأنا لم أعد لكي أحرق العالم يا أمي.. الحرق وسيلة الحمقى الذين لا يعرفون قيمة الأشياء. أنا عدت لكي أمتلكه.. سأضع يدي على كل شيء.. سأحكم البشر والشياطين والأسياد.. سأجعل هذا الكون كله حديقة خلفية لمنزلي."

اشتعلت عيناه بنظرة تملك مخيفة وهو يكمل همسه للصورة:

"لن أسمح لأي قوة في الوجود أن تأخذ مني شيئا مرة أخرى.. سأسيطر على الأقدار نفسها.. سأكون المالك الوحيد والآمر الناهي.. ومن يملك العالم يا أمي.. لا يجرؤ أحد على إبكاء نسائه."

بقيت عيناه معلقتين بعيني أمه في الصورة نظرة لا تحمل اعتذارا بل تحمل وعدا مرعبا بالهيمنة المطلقة وعدا بأن يركع العالم عند قدمي قبرها.

...

سار جيمس بجانب أخته، يده تحيط بكتفها في حركة حماية، متجهين مباشرة نحو المنزل.

توقفا عند إشارة المرور الحمراء، واستغلت زارا لحظة الصمت لتطرح السؤال الذي كان يؤرقها منذ أيام، وعيناها تراقبان الرصيف بتوتر.

"أخي.. ماذا فعلت لصاحب العمارة؟" همست بصوت مرتجف: "رأيتك تخنقه وتطرده، ولكن بعد ذلك.. وجده الجيران في شقته مقتولا بطريقة مرعبة تتجاوز حدود العقل."

بلعت ريقها بصعوبة وأكملت وصف الكابوس الذي سمعته من الجيران والشرطة:

"لقد وجدوه مبتور الرجولة تماما.. وعيناه.. عيناه لم تكونا في محجريهما، بل تم اقتلاعهما بطريقة سلسة ونظيفة تتجاوز دقة الليزر الطبي، وكأنها اختفت بالسحر. والأفظع من ذلك، وجدوا صدره فارغا، قلبه وكامل أعضائه الداخلية اختفت دون أثر لشق جراحي واضح. الشرطة في حالة ذهول، لم يجدوا بصمة واحدة ولا قطرة دم في غير مكانها."

نظرت إليه بخوف: "هم يبحثون عن الفاعل الآن.. هل.."

قاطعها جيمس وهو يربت على رأسها بابتسامة دافئة ومطمئنة، وكأنه يهدئ طفلة خائفة من الظلام:

"لم أفعل أي شيء يستحق القلق.. ارتاحي يا زارا، ربما كانت تصفية حسابات بينه وبين أشخاص سيئين."

تنهدت زارا بارتياح، فقد أرادت تصديق أن أخاها ليس وحشا.

لكن في أعماق عقل جيمس، كانت الحقيقة مختلفة تماما.

ارتسمت في مخيلته صورة صاحب العمارة وهو يصرخ صرتا صامتة بينما كان جيمس يستخدم طاقته لشفاء جروحه وإعادة أعضائه، ثم اقتلاعها مجددا، ثم شفائه، ثم تعذيبه.

"المسكين.. تم شفاؤه مئة مرة قبل أن أسمح له بالموت."

قالها في نفسه، وابتسامة مرعبة وغير مرئية تداعب زوايا روحه، بينما كانت قدمه تقطع ممر الراجلين بثقة.

بعد يوم آخر - الشقة

"لقد مرت أربعة أيام يا زارا.. وأنا لدي مهلة خمسة أيام فقط."

وقف جيمس من على الكرسي، ونظر إلى أخته التي كانت تجلس محاطة بكتب وأوراق.

طوال الأيام الماضية، كان يشرح لها طبيعة العالم الآخر.

الطاقة الداخلية، الوحوش، وعائلته الجديدة هناك، زوجته وابنيه.

لم تجد زارا صعوبة كبيرة في الاستيعاب، فقد كانت قارئة نهمة للروايات الإلكترونية وقصص الفانتازيا في العامين الماضيين هربا من واقعها البائس، لذا كان المفهوم مألوفا لها، وإن كان مرعبا في واقعيته.

"سننتقل اليوم يا زارا.. سننسى هذا العالم البائس، وسنأخذ رفات أمي معنا لتدفن في أرض تليق بها." قال جيمس بحزم وهو يواجهها.

وافقت زارا بلا تردد.

لم يعد لها شيء هنا سوى الألم.

أخرج جيمس اللفافة الزرقاء المشعة من جيبه، وفعلها بطاقة روحه.

بدأت اللفافة تتوهج بضوء أزرق كثيف غمر الغرفة.

"لا تبتعدي عني أبدا"

حضن جيمس أخته بطريقة مرعبة في قوتها، كاد يدخلها إلى داخل جسمه ليحميها من تمزق الأبعاد، وفعلت زارا المثل بتشبث يائس.

زييييييك

صدر صوت حاد، واختفى الاثنان من الغرفة فجأة.

اختفت آثارهما من العالم، ولم يبق في الشقة المظلمة سوى صدى أنفاسهما الأخيرة.

فجأة، ودون أن يفتح باب، اشتعلت أنوار خافتة وذهبية في زوايا الغرفة.

تموج الهواء فوق الأريكة، وجلس شخص هناك بكل أريحية.

"جيمس روهان.. همم"

نطق الشخص بصوت موسيقي هادئ.

كان شابا يمتلك وجها جميلا بشكل خارق، محاطا بطاقة ذهبية ناعمة تلفه كالهالة.

كان صغيرا في المظهر، لكن خلف ظهره امتدت أجنحة بيضاء كبيرة وريشية كأجنحة الملائكة، وعيناه تلمعان بلون الذهب الخالص.

"بارك.. هذا الشخص ليس بشريا"

جاء صوت أنثوي ناعم من خلفه، وخرجت شابة فاتنة الجمال من العدم، تمتلك جناحين ذهبيين يلمعان في الظلام.

وضع المدعو "بارك" يده على ذقنه بتفكير عميق:

"هل تعتقدين يا لصانا أنه تجسيد لأحد لوردات النجوم الشيطانين؟"

"لا أعتقد.. ولكن أتعرف الشيء المرعب حقا؟" نطقت لصانا بنبرة جدية، والتف بارك إليها باهتمام.

تقدمت لصانا خطوة وأكملت بصوت يحمل شيئا من الرهبة:

"طوال السنوات الست الماضية، كنا نراقبه وهو راقد في غيبوبته فوق الحجر اليشمي. اخترقنا وعيه لنسرق أسراره.. ولكننا لم نر شيئا."

عقد بارك حاجبيه: "ماذا تعنين لم نر شيئا؟"

"لم نر ذكرياته، ولم نر كوابيسه، ولم نعرف ما الذي كان يعذبه بتلك القسوة." قالت لصانا وهي تسترجع المشهد: "كل ما رأيناه في وعيه كان جيمس واقفا وحيدا.. ومحيطا لا نهائيا من السواد المطلق يحيط به. سواد كثيف وثقيل حجب عنا كل شيء، رأينا فقط الظلام يأكله، ورأيناه هو يبتسم لذلك الظلام."

توقفت للحظة، ثم أضافت القنبلة الحقيقية:

"والأرعب من ذلك يا بارك.. أنه بينما كنا ننظر إليه وسط ذلك السواد في عقله الباطن.. رفع رأسه ونظر إلينا. لقد رآنا ونحن نراقبه داخل غيبوبته، وعرف بوجودنا."

ما إن قالت ما قالته، حتى قفز بارك من مكانه بسرعة جنونية، وتراجع للخلف وعيناه متسعتان برعب حقيقي.

"إذن.. هو يعرف؟"

"أجل.. يعرف كل شيء. سنخبر السيد بكل ما نعرفه. عائلة زينوس يجب أن تدعم هذا الجيمس بكل قوتها." هزت رأسها بتأكيد: "إنه قوي للغاية، وشخص استطاع ترويض ذلك السواد الذي رأيناه سيفعل أي شيء للحصول على ما يريد."

كان بارك لا يستمع جيدا، فالرعب كان يسري في عروقه.

"هل كل هذا الوقت كنا مكشوفين؟.. يا إلهي، من هذا الشخص؟"

كان بارك يدرك يقينا أن مراقبة شخص ما داخل نطاقه العقلي أو الروحي لا تفضي إلا إلى مصيرين لا ثالث لهما:

إما أن يقتل على يد الكيان الذي يراقبه، أو أن يتلاشى وجوده كليا، فيسحب إلى أعماق ذلك النطاق، عالقا فيه إلى الأبد، بلا جسد ولا خلاص.

"لماذا سمح لنا بالعيش إذا؟" سأل بارك، وقد انخفض صوته كمن يخشى أن توقظ كلماته شيئا نائما.

"يبدو أنه كان يعلم بوجودنا منذ زمن بعيد، حتى قبل دخوله في الغيبوبة… ويعرف كذلك سبب وجودنا هنا." أجابته لصانا، والرعب يتسرب من نبرتها، حتى إنها هي نفسها لم تكن تصدق ما تنطق به.

"المهمة… اللعنة!" زمجر بارك وهو يجوب الغرفة بخطوات مضطربة.

"لعشرات آلاف السنين ونحن نبحث عن جسد مثالي، جسد سماوي. وحين وجدنا أخيرا جسد التجسد السماوي… تبين في النهاية أنه لورد نجميّ شيطاني. تبّا… اللعنة!"

قالت لصانا بصوت خافت، كأنها تخشى أن يسمعها الفراغ نفسه:

"ليس لوردا نجميا فحسب… بل آكل النجوم. تلك هي النبوءة يا…"

لم تكمل كلماتها. فجأة، اهتز الفضاء بعنف.

زوووووووووم

انشق سقف الغرفة بضوء ساطع.

"تبا! حراس الأبعاد! اهرب بسرعة!" صرخت لصانا، وفتحت بوابة ذهبية صغيرة وقفزت داخلها بسرعة مرعبة، وتبعه بارك فورا دون تفكير، هاربين كالفئران المذعورة.

"تبا لفئران عائلة زينوس! أغغغغغ! أقسم أنني إن أمسكت شخصا منكم لن يعود إلى عائلته إلا وهو مبتور الأجنحة!"

دوى صوت هادر وعميق ملأ الغرفة والحي بأكمله، لكنه لم يسمعه البشر العاديون.

تجسد شخص عملاق، طوله يناهز العشرة أمتار، يخترق سقف وجدران العمارة بجسده الشفاف الذي يسطع بضوء أزرق سماوي. كان يرتدي درعا ثقيلا يغطي كل شبر منه، منقوشا برموز كونية قديمة، ويحمل

سيفا ضخما يكفي لقطع مبنى إلى نصفين.

رغم ضخامته، لم يدمر الشقة، فقد كان جسده في بعد مكاني مختلف، لكن هالته كانت تضغط على الواقع.

2025/12/31 · 77 مشاهدة · 1416 كلمة
Moncef_
نادي الروايات - 2026