الفصل 60: أسطورة آكل النجوم

تجسد شخص عملاق، طوله يناهز العشرة أمتار، يخترق سقف وجدران العمارة بجسده الشفاف الذي يسطع بضوء أزرق سماوي.

كان يرتدي درعا ثقيلا يغطي كل شبر منه، منقوشا برموز كونية قديمة، ويحمل سيفا ضخما يكفي لقطع مبنى إلى نصفين.

رغم ضخامته، لم يدمر الشقة، فقد كان جسده في بعد مكاني مختلف، لكن هالته كانت تضغط على الواقع.

"هؤلاء الأغبياء.. كانوا سيدفعون ألف عملة نجمية وكان سيتم السماح لهم بالدخول بشكل قانوني.. لكنهم يفضلون التسلل كاللصوص إلى هذا العالم المتخلف الذي لم يبدأ فيه حتى عصر الفنون القتالية!"

زفر الحارس بغضب عارم، مما جعل الأثاث في الغرفة يهتز.

"يبدو أنهم يتبعون أثر أحد الفئران الهاربة.. تبا، ما ذنبي أنا لأطارد حشرات زينوس في هذه العوالم الدنيا؟"

رفع سيفه العملاق ولوح به في الفراغ غضبا:

"آاااااه! أقسم أنني سأنتف ريش أجنحتكم في المرة القادمة!"

فتح الحارس بوابة ضخمة بحجمه، وخطا داخلها، ليختفي الضوء والضغط، وتعود الشقة فارغة ومظلمة، وكأن حربا كونية لم تكن تدور فيها قبل ثوان.

....

في عمق الفراغ الكوني، بعيدا عن كوكب الأرض والمجرة بالكامل، كانت هناك بوابة ذهبية صغيرة تومض وتختفي، تاركة خلفها تموجات في نسيج الفضاء.

خرج بارك ولصانا من البوابة وهما يلهثان، يحومان في الفضاء الفارغ وسط حزام كويكبات مهجور.

كانت أجنحتهم الذهبية والبيضاء لا تزال ترتجف من أثر القفزة السريعة، ووجوههم شاحبة كأن الدماء سحبت منها.

"ذلك الحارس.. كاد يمسك بنا." قال بارك وهو يمسح العرق البارد عن جبينه، وينظر خلفه برعب للتأكد من عدم وجود ملاحقة: "لو تأخرنا ثانية واحدة، لكان سيفه قد شطرنا إلى نصفين."

"الحارس ليس المشكلة يا بارك.. الحارس مجرد موظف غاضب."

قاطعت لصانا كلامه بصوت جاد، وهي تضم أجنحتها الذهبية حول جسدها وكأنها تحتمي من برد الفضاء، وعيناها مثبتتان على نقطة وهمية في الفراغ:

"المشكلة الحقيقية هي ما رأيناه هناك.. في تلك الغرفة، وقبلها في تلك الغيبوبة."

نظر إليها بارك.

"أنت كنت تعرفين شيئا، أليس كذلك؟.. نظرتك لم تكن نظرة شخص تفاجأ بقوة جيمس فقط. لماذا أصررت على مراقبته لست سنوات وهو جثة هامدة؟"

"تبا، توقعت حينها أن عقله قد مات، وأن كل ما علينا فعله هو قتله ثم أخذه إلى السلف لإكمال طقوسه، لكنك منعتني… ومع ذلك، فقد فعلت الشيء الصحيح."

التفتت لصانا إليه، وفي عينيها الذهبيتين لمعت حقيقة قديمة ومرعبة:

"هل تذكر نصوص الأسلاف؟.. تلك الألواح السوداء المحرمة في مكتبة عائلة زينوس؟"

عقد بارك حاجبيه محاولا التذكر:

"تقصدين نبوءة آكل النجوم؟ تلك مجرد أساطير على ما أعتقد."

"لم تكن أساطير." قالت لصانا بصوت منخفض وعميق، يتردد صداه في الفراغ:

"النبوءة كانت تقول بوضوح: عندما يولد الألم من رحم العدم، ويتحول بياض العين إلى ليل سرمدي.. سيستيقظ الملك الذي مات ألف مرة ولم يمت. لن يكون وعاء لأحد، ولن يكون تابعا لقانون.. بل سيكون هو القانون. سيحمل في صدره قلبا انفجر وأعيد تشكيله من الحقد، وستكون خطواته نهاية لعصر الأسياد."

صمتت للحظة، ثم تابعت وهي ترتعش:

"كنا نظن أنه وعاء فارغ يمكن لسلفنا العظيم أن يحتله.. كنا نظن أن جسده القوي وروحه المحطمة ستكونان المنزل المثالي. لكننا كنا مخطئين يا بارك.. كنا نراقب وحشا ينمو."

اتسعت عينا بارك بذهول:

"هل تعنين أن السواد الذي كنا نراه طوال السنوات الست.. لم يكن عقله الميت؟"

"لا.." هزت لصانا رأسها ببطء: "ذلك السواد كان هو. جيمس لم يكن محبوسا في الظلام.. جيمس أصبح هو الظلام. عندما نظر إلينا في الغيبوبة، لم ينظر بعينين بشريتين، بل نظر بعيني آكل النجوم الذي حذرت منه النبوءة. لقد روض شياطينه، والآن.. هو قادم لابتلاع كل شيء."

نظر بارك إلى الفضاء اللامتناهي أمامه، وشعر بضآلة حجمه لأول مرة رغم قوته ومكانته في عائلة زينوس.

"إذن.. نحن لم نكن الحراس.. نحن كنا الشهود الأوائل على الكارثة."

"بالضبط." قالت لصانا وهي تفتح بوابة أخرى، وجهتها هذه المرة نحو مقر العائلة الرئيسي: "يجب أن نصل إلى السيد فورا. النبوءة بدأت تتحقق، وإذا لم تتحالف عائلة زينوس مع هذا الكيان، فسنكون أول وجبة له."

في غياهب الزمن السحيق، قبل ملايين السنين من كتابة أول تاريخ، وقبل أن ترسم خرائط المجرات التي نعرفها اليوم، كان الكون مكانا موحشا وفوضويا، يتوسع بجنون في كل الاتجاهات، يخلق ويدمر نجوما في رمشة عين.

في تلك الحقبة المنسية التي تسميها العائلات الكونية العتيقة "حقبة الفراغ الأول"، لم يكن القانون للأقوى فحسب، بل للأكثر رعبا.

في ذلك الوقت، ظهر كيان لم يولد من رحم أنثى، ولم يتشكل من غبار النجوم كباقي المخلوقات.

قيل إنه ولد من صرخة الألم التي أطلقها الكون أثناء توسعه الأول.

أطلقوا عليه اسما لم يجرؤ أحد على النطق به إلا همسا وارتعادا "آكل النجوم".

لم يكن آكل النجوم مجرد طاغية يغزو العوالم، بل كان لعنة تمشي على قدمين.

الأسطورة المحرمة التي تحتفظ بها عائلة زينوس في ألواحها السوداء تقول إنه إذا وطأت قدمه كوكبا ما، لم يكن الكوكب يتدمر بانفجارات أو زلازل، بل كان يمرض.

كانت الأرض تحت قدميه تنزف دما حقيقيا، والأنهار تتحول إلى شرايين مفتوحة، والسماء تبكي رمادا أسود.

كان وجوده يحول الواقع إلى ألم محض، حتى أن الحجارة كانت تصرخ من وطأة هالته.

كان مظهره كابوسا يتجسد. جسد طويل يكتسي بالظلام، وعينان سوداوان بالكامل، كثقبين في نسيج الوجود، لا يعكسان ضوءا ولا رحمة، تماما كتلك العيون التي يملكها جيمس الآن.

ولكن، وسط هذا الرعب المطلق، كان هناك جانب آخر جعل أسطورته أكثر تعقيدا وخلودا.

لم يكن وحشا هائجا يقتل بلا هدف.

كان حاكما.

بنى إمبراطورية امتدت عبر عشرات المجرات، وخضعت له آلاف العائلات العريقة والأعراق القديمة.

والغريب في الأمر، أنه كان حاكما محبوبا بجنون من قبل أتباعه.

كان يحمي شعبه وجنوده وعائلته بشراسة مرعبة.

بالنسبة لمن هم داخل دائرة حمايته، كان هو الأب الحنون، والسد المنيع الذي يصد عنهم فوضى الكون.

كان يطعمهم من طاقة النجوم التي يلتهمها، ويمنحهم القوة والخلود، وكان مستعدا لإبادة مجرة كاملة إذا خدش أحد أتباعه المخلصين.

كانت فلسفته بسيطة ومرعبة: "الكون قاس، وأنا أقسى منه لأحمي ما هو لي."

لكن هذا الطغيان، وهذا التحدي لقوانين الطبيعة، لم يمر دون عقاب.

لم يقتله بطل، ولم يسقطه جيش، ولم تغتله خيانة.

الذي قتله كان العالم نفسه.

تقول الأساطير إن إرادة الكون استيقظت أخيرا.

لقد أصبح آكل النجوم قويا جدا، قويا لدرجة أنه بدأ يخل بالتوازن الدقيق للوجود.

وجوده أصبح سرطانا يهدد نسيج الواقع بالتمزق.

لذا، تآمرت قوانين الفيزياء، والزمن، والمكان ضده.

في معركته الأخيرة، لم يواجه جنودا.

فجأة، توقفت الجاذبية عن طاعته، وتلاشى الضوء من حوله، وانقلب الزمن ضده.

رفضت الذرات في جسده أن تتماسك، ورفض الفضاء أن يحمله.

لقد لفظه العالم كما يلفظ الجسم شوكة سامة.

حارب آكل النجوم الكون بأسره، مزق الأبعاد، وحطم قوانين الطبيعة، لكن إرادة العالم كانت مطلقة.

في النهاية، تم سحقه ليس بسلاح، بل بضغط الوجود كله، وتفتت جسده وروحه ليتناثرا في الفراغ السرمدي، تاركا خلفه مجرات غارقة في الدم، وأتباعا يتامى، ونبوءة مخيفة حفرت على جدران المعابد القديمة:

"عندما يعود الألم ليتجسد، وتعود العينان اللتان ابتلعتا الضوء.. سيعود الملك الذي رفضه العالم، ليكمل ما بدأه، ولن يوقفه العالم في المرة القادمة، لأنه سيأتي ليأكل العالم نفسه."

هذه هي القصة التي جعلت لصانا وبارك يرتعدان رعبا وهما ينظران إلى جيمس، مدركين أن التاريخ لا يعيد نفسه فحسب.

2025/12/31 · 94 مشاهدة · 1099 كلمة
Moncef_
نادي الروايات - 2026