الفصل 61: الأرض المقدسة كورفين تهاجم
بووووم
بوووووووم
اهتزت جدران القاعة الحجرية بعنف وكأن زلزالا يضرب أساسات الأرض، وتبعه دوي انفجارات مكتومة ولكنها ثقيلة جدا، كأن السماء تطرق بمطارق من حديد فوق رؤوسهم.
"ما هذا.. ماذا يحدث؟"
صرخت زارا برعب وهي تغطي أذنيها، جسدها الفاني لم يستطع تحمل ضغط الهالة المرعبة التي تتسرب من الخارج. شعرت وكأن الهواء أصبح ثقيلا كالرصاص، وصدرها يضيق مع كل انفجار.
نهض جيمس من مكانه ببطء، ونفض الغبار الوهمي عن ملابسه، وارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة وباردة:
"أهلا بك في مملكتي يا زارا.. يبدو أن هذا حفل استقبال صاخب أعده بعض المجانين خصيصا لعودتي."
مد يده وأحاط كتف أخته بهالة حماية غير مرئية عزلتها عن الضغط الخارجي، ثم سار بها نحو الشرفة الكبرى، غير مبالٍ بالجحيم المستعر في الخارج.
في سماء مدينة تشين، كان المشهد مروعا.
السماء لم تكن زرقاء، بل كانت سوداء من كثرة الوحوش الطائرة. آلاف الوحوش المجنحة تملأ الأفق، يمتطيها آلاف المحاربين من النخبة، أضعفهم كان في مستوى "ملك"، يطلقون وابلا لا ينتهي من الهجمات السحرية والجسدية على الحاجز الدفاعي للمدينة.
على الأسوار، كان ليفان، نليير، فيليب، ولينغ، يقفون كالجبال الراسية. وجوههم شاحبة من الإرهاق، ودماؤهم تغلي، يصدون الهجمات الموجة تلو الأخرى، محاولين كسب كل ثانية ممكنة قبل انهيار الدرع الكبير.
فوق هذا الجيش الجرار، كانت تطفو الكارثة الحقيقية.
سفينة حربية طائرة عملاقة، حجمها يفوق حجم مدينة تشين بأكملها، تحجب ضوء الشمس وتلقي بظلالها المظلمة على السكان المرتعبين في الأسفل. كانت حصنا طائرا من المعدن الأسود والكريستال.
على مقدمة السفينة، وقف القديس الأول "كوريان"، حاكم الأرض المقدسة كورفين. كان ينظر للأسفل بعينين باردتين كعيون الأفعى، يراقب استماتة رجال جيمس.
"سيدي.. ملك الموت لم يظهر بعد، ماذا سنفعل؟" سأل أحد المساعدين بتوتر.
ابتسم كوريان ابتسامة خبيثة:
"ملك الموت؟.. إنه مرعب بحق. يترك أتباعه وعائلته للموت ويهرب لينجو بجلده؟.. إنه شخص يعجبني، هؤلاء هم الرجال الحقيقيون الذين يفهمون أن البقاء للأقوى."
استدار كوريان بعباءته الفاخرة وقال ببرود:
"انتظر يومين آخرين. أريد أن أرى يأسهم يكتمل. إذا لم يظهر، اقتل جميع الأشخاص هنا بلا رحمة، وأرسل فرق المطاردة لتمشيط القارات بحثا عنه."
أنهى كلامه وعاد لداخل مقصورته الملكية، غير مهتم بمصير الآلاف.
على سطح السفينة، كان التوتر يغلي بين القادة الآخرين.
"في ماذا يفكر القديس الأول كوريان؟.. أليس لوريال الذي قتل هو زوج ابنته؟"
سأل زوان، حاكم القمة الثالثة، وهو رجل ضخم الجثة ذو لحية كثيفة، ينظر باستغراب لبرود قائده تجاه مقتل صهره.
"لو أنني لا أعرف جنس الرجال، لاعتقدت أنهم كلهم مثلك.. أغبياء ومجانين لا يفهمون السياسة."
جاء الرد لاذعا وحادا من إيمي، حاكمة القمة الثانية. كانت امرأة فاتنة الجمال لكن ملامحها قاسية كالجرانيت، تقف بجانب زوان والشرار يتطاير من عينيها كلما نظرت إليه.
احمر وجه زوان غضبا، وانتفخت عروق رقبته:
"ماذا؟!! أيتها العاهرة السليطة، أرجو أن تراقبي لسانك القذر. أنا سألتك سؤالا منطقيا فقط! تبا.. هل كل النساء هكذا؟ لماذا يا رب ابتليتني وتزوجت مثل هذه الشنيعة في الماضي؟"
وضع زوان يده على مقبض سيفه الضخم، وبدأ يفقد صوابه:
"لو كنت أعرف صراحة أن زوجتي ستتحول إلى كائن نكد مثلك، لتزوجت بغلة.. البغلة على الأقل تحمل المتاع وتصمت!"
لم يكمل جملته.
انفجر الهواء حول إيمي بطاقة بنفسجية مرعبة.
"أولا.. أنا لست زوجتك! كنت زوجتك في لحظة طيش، والآن أنا لست سوى كابوسك!"
صرخت إيمي بصوت جعل الجنود على ظهر السفينة يرتعدون أكثر من خوفهم من الحرب. سحبت سيفها الرقيق الذي يلمع كضوء القمر، ووجهت نصله نحو عنق زوان:
"وهل تجرؤ على مقارنتي ببغلة؟ أيها التيس العجوز!"
شينغ!
لوحت بسيفها ضربة قاطعة أفقية. لم تكن تهديدا، كانت تنوي فصل رأسه.
تدارك زوان الموقف، وسحب سيفه الضخم ليصد الضربة.
كااااانج!
اصطدم السيفان بقوة أحدثت موجة تصادمية هزت السفينة العملاقة، وأطاحت ببعض الجنود القريبين من على السطح. تشقق الخشب المعدني تحت أقدامهم.
"أيتها المجنونة! هل تريدين تدمير السفينة ونحن في حرب؟" صرخ زوان وهو يصد هجماتها المتتالية والسريعة، محاولا عدم قتلها وفي نفس الوقت حماية رأسه.
"سأقطع لسانك أولا ثم نرى الحرب!" ردت إيمي وهي تزيد من ضغط هالتها، وترسل شفرات طاقية قطعت صواري السفينة الجانبية.
"هل هذان الزوجان سيبدآن مرة أخرى؟.. سئمت من هذا القرف.. ااااااه!"
تنهد فرانك، حاكم القمة الخامسة، ووضع يده على وجهه بيأس، يشاهد معركة جانبية طاحنة بين قديسين مطلقين يتقاتلان كقطط شوارع فوق سفينة حربية.
...
على أسوار المدينة التي كانت تهتز تحت وطأة القصف المستمر، وقف لينغ، والعرق يغطي وجهه المليء باليأس والغضب. كان ينظر إلى السماء الملبدة بالوحوش، ثم التفت إلى فيليب بحدة.
"ألا تعرف أين ذهب جيمس بحق الجحيم؟.. لقد اختفى فجأة وتركنا في وجه المدفع. هل تعتقد أن ذلك الأحمق فعل شيئا بنفسه مرة أخرى؟ هل انتحر وتركنا؟" صرخ لينغ بنفاذ صبر، وهو يضرب الحجر بقبضته.
"من تنعت بالأحمق يا لينغ؟.. وألم أحذرك سابقا من الحديث من وراء ظهري؟"
جاء الصوت باردا وهادئا من العدم، مباشرة بجانب أذن لينغ اليمنى.
انتفض لينغ فزعا، وكاد يسقط من على السور، والتفت بسرعة ليجد جيمس يقف هناك بشحمه ولحمه، وبجانبه فتاة غريبة زارا تنظر حولها برعب.
"أخي!.." هتف لينغ بصدمة ممزوجة بإحراج شديد، وتلعثم لسانه: "أنا.. لم أقصد.. كنت فقط.."
تجاهله جيمس، وحول نظره الجليدي نحو فيليب الذي انحنى فورا باحترام ممزوج بالراحة لعودة سيده.
"ماذا يحدث هنا يا فيليب؟.. أريد تقريرا مختصرا وواضحا."
اعتدل فيليب وبدأ يسرد الكارثة بسرعة:
"سيدي.. لقد غبت عنا لفترة طويلة. قبل أسبوعين بالضبط، وصلت جحافل الأرض المقدسة كورفين بكامل قوتها الجوية والأرضية. حاصروا المدينة وطالبوا بتسليمك فورا لإعدامك."
نظر فيليب إلى الدرع الطاقي الأزرق الشفاف الذي يغلف المدينة ويصد الهجمات:
"عندما لم تظهر، بدأوا الهجوم الشامل. لولا مصفوفة درع السماء المطلق التي قدمتها لي قبل رحيلك بمدة وفعلتها بأمرك، لكانت المدينة قد سويت بالأرض في الساعة الأولى."
عقد جيمس حاجبيه وهو ينظر إلى السفينة العملاقة في السماء:
"إذن.. هم يهاجمون منذ أسبوعين ولم يخترقوا الدرع بعد؟"
رد فيليب بقلق:
"هذا هو الجزء المقلق يا سيدي. الدرع قوي نعم، لكنه ليس منيعا أمام أسياد القمم الثلاثة الأولى. نحن نعلم أن الأرض المقدسة تمتلك وحوشا قادرة على تمزيق هذا الدرع لو أرادوا ذلك حقا. لكنهم.. ينتظرون."
كان فيليب على دراية بمعظم الأمور المتعلقة بالأراضي المقدسة وحكام قممها، إذ جمع هو ولينغ شتى المعلومات عنها من الأراض المقدسة فليليا.
أشار فيليب إلى السفينة:
"إنهم يهاجمون بقوة متوسطة فقط لاستنزافنا، وكأنهم يلعبون معنا، أو ينتظرون شيئا ما.. أو شخصا ما. لم يتدخل القديس الأول كوريان ولا كبار جنرالاته في القتال المباشر حتى الآن. هم يحاصروننا فقط ليمنعوا هروب أي نملة، بانتظار لحظة الصفر."
فهم جيمس الموقف فورا. خمسة أيام قضاها في الأرض كانت تعادل وقتا طويلا هنا. لقد ترك لهم درعا من النظام كإجراء احترازي، وهذا ما أنقذ عائلته، لكن العدو لا يزال يملك أوراق ضغط مرعبة ولم يستخدم قوته الكاملة بعد.