الفصل 63: سوبرنوفا

"اهجموا جميعا! إنه مجرد رجل واحد! لا تتراجعوا، لابد أن ما حدث كان خدعة بصرية حقيرة!"

دوى صوت أحد القديسين ممزقا حاجز الصمت والذهول، صارخا بكل ما في رئتيه من قوة لنفض غبار الرعب عن قلوب حلفائه المرتجفة ودفعهم للقتال.

واستجابة لصرخته، تحرك الجحيم. اندفع آلاف المقاتلين، مزيج مرعب من قديسين وأباطرة وملوك، نحو جيمس كالسيل الجارف الذي لا يبقي ولا يذر.

حتى السماء لم تسلم، فقد أظلمت بظلال الوحوش الطائرة التي انقضت عليه بسرعة خاطفة.

تكالب الجميع عليه كما يتكالب النمل الهائج على قطعة سكر، محيطين به من كل حدب وصوب حتى كاد جسده يختفي وسط بحر هائج من الأعداء ونية القتل الخالصة.

في مقدمة السفينة الحربية، تجمد الزمن.

وقف كوريان وزوان وبقية قديسي الأرض المقدسة وعيونهم جاحظة من هول الصدمة.

لم تستطع عقولهم استيعاب الكارثة التي وقعت للتو.

كيف يتبخر إمبراطور عظيم من الوجود في طرفة عين بتلك الطريقة؟ كان المشهد مرعبا لدرجة شلت ألسنتهم عن النطق.

على الضفة الأخرى، كان التوتر سيد الموقف بين صفوف عائلة روهان.

وقف نلير وليفان ولوسين وليون ولينغ، ومعهم حشد من قديسي وأباطرة العائلة، يراقبون الطوفان البشري الذي يوشك أن يبتلع جيمس.

التفت نلير نحو لينغ، ويده تقبض على سلاحه بقلق، سائلا بنبرة مترددة: "هل نتدخل للمساعدة؟ الوضع يبدو خطيرا".

خيم صمت ثقيل ومقتضب، قبل أن يجيب لينغ ببرود قاطع وهو لا يحيد بنظره عن ساحة المعركة:

"لا... لا تتحركوا من أماكنكم. تدخلنا لن يكون إلا عبئا ثقيلا عليه".

كان لينغ يدرك الحقيقة المرة بوضوح؛ ففي مستوى القوة الذي وصل إليه جيمس، أي محاولة منهم للمساعدة لن تكون إلا إزعاجا، وربما يتحولون إلى عائق يمنع جيمس من إطلاق عنان قوته المدمرة، بل قد ينتهي بهم الأمر مسحوقين عن طريق الخطأ وسط فوضى هذا القتال الأسطوري.

في كبد السماء، حيث كانت الغيوم تتمزق تحت وطأة الضغط الهائل، اختفى جسد جيمس تماما عن الأنظار.

لقد ابتلعه طوفان بشري ووحشي لا يرحم.

آلاف من القديسين والأباطرة والملوك شكلوا حوله كرة عملاقة من اللحم الفولاذي والطاقة القتالية المتفجرة.

تكدسوا فوق بعضهم البعض في مشهد يبعث على الغثيان، كل منهم يقاتل بشراسة للوصول إليه، يغرسون سيوفهم ورماحهم، ويطلقون أعظم تقنياتهم المدمرة نحو المركز، بينما انقضت الوحوش الطائرة بمخالبها التي تقطع الحديد، مشكلين قبة خانقة حجبت ضوء الشمس وحولت تلك البقعة من السماء إلى قبر مظلم وضييق يغلي بنية القتل الخالصة.

ساد ظن للحظة أن جيمس قد سحق، أن عظامه قد طحنت تحت هذا الثقل الجبلي الذي لا يمكن لبشري أن يتحمله.

تداخلت صرخات الهجوم مع هدير الوحوش، مشكلة سيمفونية من الفوضى العارمة.

ولكن، في ذروة هذا الجنون، حدث شيء....

من قلب ذلك التكدس الخانق، انبعث صوت غريب... لم يكن صراخا، بل كان طنينا منخفضا، ترددا صوتيا مرعبا وثقيلا بدأ يهز العظام ويخلخل الأحشاء.

كان يشبه صوت تصدع نواة كوكب، أو أنين مفاعل كوني يوشك على الانهيار تحت ضغط لا نهائي.

توقف الزمن للحظة، وشعر المحيطون بجيمس بقشعريرة باردة تسري في أجسادهم رغم حرارة المعركة، أدركت غرائزهم متأخرة أنهم لم يحاصروا فريسة، بل تكدسوا فوق قنبلة موقوتة بحجم الكون.

وفجأة... انفتح باب الجحيم.

"سوبرنوفا"

لم يكن مجرد انفجار للطاقة، بل كان محاكاة كاملة لموت نجم عملاق.

انفجرت هالة جيمس دفعة واحدة، مطلقة عنان قوة بدائية كانت مكبوتة داخل جسده.

انشق قبر الأجساد الذي كان يحيط به من الداخل، وخرج منه عمود من الضوء الأبيض الساطع، ضوء نقي ومقدس ومرعب في آن واحد، تجاوز سطوعه سطوع الشمس بمراحل، لدرجة أن من كانوا ينظرون من الأرض شعروا وكأن سماء ثانية قد ولدت.

تمددت كرة الطاقة العملاقة بسرعة تتجاوز سرعة الصوت، مبتلعة كل شيء في طريقها. الصفوف الأولى من المهاجمين، أولئك الذين كانوا يلامسون جسد جيمس أو يقتربون منه، لم يتم دفعهم للخلف، بل محوا من الوجود تماما.

تبخرت دروعهم الأسطورية، وتفككت أجسادهم القوية، وتحولت عظامهم ولحمهم إلى ذرات غبار مضيئة في جزء من الملي ثانية، متلاشين في العدم وكأنهم لم يكونوا شيئا مذكورا.

اتسعت دائرة الدمار، وتحول الانفجار إلى موجة صادمة كونية اجتاحت السماء.

الوحوش الطائرة العملاقة التي كانت تزن أطنانا، والأباطرة الذين حكموا دولا بقوتهم، قذفت بهم الموجة كما تقذف الرياح العاتية بأوراق الشجر الجافة.

تطايرت الأجساد المحترقة والممزقة في كل اتجاه، وسقطوا من علياء السماء كالمطر الأسود.

اهتز الغلاف الجوي للكوكب بأسره، وتمزقت السحب لمسافات تمتد لآلاف الأميال، تاركة فراغا دائريا هائلا في السماء يتوسطه جيمس.

كان يقف هناك، طافيا وسط الفراغ، وجسده يشع بطاقة متبقية تتطاير منه كالشرر الكهربائي، وحوله هالة من الدمار والحرارة التي جعلت الهواء نفسه يصرخ ويحترق.

بدا وكأنه سيد الدمار الذي نزل ليعيد تشكيل العالم.

تحولت السماء في تلك اللحظة إلى لوحة فنية مرعبة رسمت بدماء القديسين، لوحة بديعة بقدر ما هي مهلكة.

لم يكن انفجارا عاديا للنيران، بل كان ولادة سوبرنوفا حقيقية في غلاف الكوكب الجوي.

انفجرت هالة جيمس لتخلق طيفا كونيا خلابا يحبس الأنفاس.

امتزج فيه اللون الذهبي الملكي الساطع مع البنفسجي العميق الذي يذكر بسديم الفضاء البعيد، وتخللتهم شرائط عريضة من اللون القرمزي الدموي، لون الفناء المحض.

كان المشهد متناقضا بشكل يثير الجنون.

جمال مطلق ودمار شامل في آن واحد.

تراقصت الألوان وتداخلت لتشكل كرة ضوء عملاقة تمددت ببطء مخادع للعين، لكنها كانت تبتلع الفراغ بسرعة الضوء.

تحولت الغيوم المحيطة إلى بخار متوهج بألوان الطيف، وبدا وكأن نجما جديدا قد ولد للتو، نجما يغار من الشمس ويريد أن يمحو وجودها بضيائه الطاغي الذي صبغ وجوه الجميع بلون الشفق الأخير.

(صورة تقريبة فقط)

على متن السفينة الحربية التابعة للأرض المقدسة، كان الزمن قد توقف تماما.

تسمر كوريان في مكانه، وقد شحب وجهه حتى صار بلون الأموات، وعيناه تعكسان برعب ذلك الضوء الكوني الساطع.

قبضت يداه على حافة السفينة المعدنية بقوة جعلت المعدن يئن تحت ضغطه، لكنه لم يشعر بذلك.

كان عقله يرفض تصديق ما تراه عيناه.

لقد رأى قديسين أقوياء من قبل، ورأى حروبا طاحنة، لكن هذا...

هذا كان شيئا من عالم آخر.

"هل... هل هذا بشري حقا؟" تمتم زوان بصوت مرتجف، وقد جف حلقه تماما.

كان ينظر إلى السماء مفتوح الفم، وقد سقط وقاره كقديس أمام عظمة هذا الجبروت.

لم يستطع استيعاب كيف يمكن لشخص واحد أن يولد انفجارا يحاكي موت النجوم، انفجارا جعل الآلاف من المقاتلين والوحوش يتبخرون وكأنهم لم يكونوا سوى ذرات غبار أمام إعصار.

تبادل القديسون النظرات، وكان الرعب هو اللغة الوحيدة المشتركة بينهم؛ لقد أدركوا للتو أنهم كانوا يقفون على حافة الهاوية حين فكروا في تحدي هذا الرجل.

وفي الجانب الآخر، حيث وقفت عائلة روهان، لم يكن الوضع أقل صدمة، رغم معرفتهم بقوة جيمس.

وقف نليير متجمدا، وقد اتسعت حدقتا عينيه لتعكسا الانفجار البنفسجي والذهبي الذي غطى الأفق. شعر بقطرات العرق البارد تنحدر على ظهره.

تذكر سؤاله للينغ قبل لحظات عن التدخل للمساعدة، وابتلع ريقه بصعوبة بالغة.

لو أنهم تحركوا، لو أنهم خطوا خطوة واحدة نحو تلك المعركة، لكانوا الآن جزءا من ذلك الرماد المتطاير.

"يا إلهي..." همس ليفان، وهو يرفع ذراعه ليحمي عينيه من شدة التوهج، غير قادر على النظر مباشرة إلى مركز الانفجار.

"كيف يمكن لقوة كهذه أن توجد في عالمنا؟ إنه يمزق السماء وكأنها ورقة رقيقة".

أما لينغ، فقد وقف صامتا، وعيناه مثبتتان على مركز الانفجار حيث كان جيمس.

رغم الهدوء الظاهري على وجهه، إلا أن قلبه كان يخفق بعنف.

كان يعلم أن جيمس وحش، لكنه لم يتخيل أن الوحش قد كسر كل القيود.

التفت ببطء نحو نليير وباقي أفراد العائلة، وقال بصوت خافت طغى عليه هدير الانفجار المستمر في الخلفية:

"هل رأيتم الآن؟ لم أكن أبالغ... مساعدتكم لم تكن لتنقذه، بل كانت لتقتلكم. هذا ليس قتالا... هذه مذبحة من طرف واحد، وهذا الرجل ليس إمبراطورا فحسب... إنه كارثة طبيعية تمشي على قدمين".

****

سوبرنوفا تحدث لما ينفجر نجم في نهاية عمره... للمعلومة فقط.

تعليــــــــــــــق...

2026/01/03 · 61 مشاهدة · 1185 كلمة
Moncef_
نادي الروايات - 2026