الفصل 64: إيلثار المقدس، الكوكب الديني، يستعد لغزو أساريلان… لقد ضاق صدري من كل هذا حقا.
مرت لحظات طويلة وثقيلة، بدأت بعدها آثار ذلك الانفجار الكوني في التلاشي ببطء، وكأن الكون يلعق جراحه.
انقشعت غيوم الطاقة الملونة تدريجيا، لتفسح المجال لضوء الشمس الأصلي ليعود بخجل إلى الساحة، كاشفا عن فراغ مخيف حيث كانت تعج الجيوش قبل قليل.
كان كوريان ومن تبقى معه في موقف لا يحسدون عليه، عالقين بين مطرقة الرعب وسندان الكبرياء.
تبادلوا نظرات يائسة؛ هل يفرون بجلودهم من هذا المصير المحتوم؟ أم يواجهون الموت بشرف؟
نظر كوريان إلى الفراغ الذي خلفه جيمس، وشد قبضته على سلاحه حتى ابيضت مفاصله.
لم يكن الهروب خيارا لقائد مثله.
"لن أعيش بقية حياتي هاربا ذليلا..." تمتم كوريان بصوت حازم، مقررا أن يقاتل ويموت موت الأبطال بدلا من العيش كجبان يطارده العار.
...
في مكان آخر، بعيدا كل البعد عن تلك المعركة، في عمق الفضاء السحيق داخل مجرة أزيمار، وتحديدا على سطح كوكب إيلثار المقدس.
كانت هناك مدينة تتحدى قوانين العمارة والمنطق، مدينة تعج بضوء خافت ومقدس وكأنه ضباب أبدي.
لم تكن مدينة للبشر العاديين، فمبانيها كانت ضخمة بحد ذاتها، عمالقة من الحجر الأبيض تناطح السحاب وتختفي قممها وسط الغيوم الكثيفة.
أسوار المدينة كانت سلاسل جبلية صناعية، مرعبة في ارتفاعها وسماكتها، مصممة لصد جيوش الأسياد لا البشر.
توسط المدينة مبنى أسطوري، صومعة هائلة الحجم تشق كبد السماء، تتضاءل أمامها باقي المباني الشاهقة.
كانت جدرانها مغطاة بنقوش ورموز غريبة، لغة قديمة لا يفهمها إلا القلة، وتطايرت حول قمتها ملايين الطيور البيضاء في حركة دائرية أبدية كأنها تحرس شيئا مقدسا.
في الساحات الشاسعة أسفل الصومعة، اصطف آلاف البشر الذين يرتدون أردية ناصعة البياض في تشكيلات هندسية دقيقة ومعقدة.
كانوا يمارسون طقوسا غريبة، حركاتهم موحدة بشكل مخيف، وأصواتهم تخرج كهدير واحد يزلزل الأرض:
"هو المختار، ونحن الأتباع..."
"هو البداية والنهاية..."
"من خانه... خان العهد."
ترددت الصدى عبر أرجاء المدينة المقدسة، وكأن الجدران نفسها تنطق معهم.
وفي الأعلى، في قلب تلك الصومعة الضخمة، كان المشهد أكثر رعبا وجلالا.
على عرش عملاق يبدو وكأنه نحت من عظام التنانين، جلس كيان لا يمت للجنس البشري بصلة.
كان حجمه هائلا، جسد عملاق يرتدي أردية بيضاء فاخرة تتدلى حوله كشلالات من الحرير.
لكن وجهه... وجهه كان لوحة من الرعب الخالص.
لم تكن ملامحه منتظمة، بل كانت كتلة من التشوهات الجلدية المتداخلة، عين واحدة كبيرة في غير موضعها، وجلد مترهل يبدو وكأنه يذوب ببطء، وفم مشقوق بطريقة بشعة.
رغم هذا القبح المرعب، كانت تنبعث منه هالة من القداسة والهيبة تجعل الناظر إليه يرتجف ويسجد خوفا لا حبا.
كان يحمل في يده العملاقة كتابا ضخما، غلافه يبدو مصنوعا من جلد مخلوق قديم، وصفحاته سميكة.
كان يقلب الصفحات ببطء، وفي كل مرة ترتفع فيها أصوات الأتباع في الأسفل بعبارات التمجيد والولاء، كان يغمض عينيه المشوهتسن ويأخذ نفسا عميقا، وكأنه يستنشق كلماتهم، وكأن تلك الهتافات وقود يغذي روحه ويزيد من قوته وجبروته.
تمتم الكيان بصوت عميق يشبه احتكاك الصخور، وهو يمرر إصبعه الضخم على سطور الكتاب، مستمتعا بنشوة القوة التي تتدفق إليه:
"نعم... أنا البداية... وأنا النهاية."
فجأة، ودون سابق إنذار، تمزق سكون الصومعة بظهور كيان غريب أمام العرش العظيم.
كان مخلوقا يبعث على الغثيان، يمتلك بشرة بيضاء شاحبة كحليب فاسد، نصفه العلوي بشري هزيل، أما نصفه السفلي فكان مسخا حقيقيا.
أطراف تشبه أرجل الطيور الجارحة ولكنها أكثر بشاعة، مكسوة بحراشف سميكة ومفاصل ملتوية بزوايا غير طبيعية، تنتهي بمخالب سوداء تقطر سما.
سجد المخلوق فور ظهوره أمام أليكوس، حاكم كوكب إيلثار المقدس، واضعا جبهته على الأرضية الباردة بوقار وخضوع تام، وبدأ يتمتم بكلمات غير مفهومة، صلاة سريعة لسيده قبل أن يجرؤ على الكلام.
دوى صوت أليكوس العميق في القاعة:
"هل وجدت شيئا؟"
رفع المخلوق المشوه رأسه قليلا، مجيبا بصوت يشبه فحيح الأفاعي:
"أجل يا سيدي... لقد وجدنا كوكبا في نفس مجرتنا، ويبدو من طاقة سكانه أنه كوكب ضعيف المستوى".
ضيق أليكوس عينه السليمة، ونظر إلى التابع بجدية حادة جعلت المخلوق يرتجف:
"وماذا عن الذريعة؟ هل لدينا سبب شرعي لاجتياحه؟"
كان السؤال جوهريا، ففي مجرة أزيمار الشاسعة، لم تكن القوة هي القانون الوحيد.
كان هناك قانون صارم يعرف بـ ميثاق العوالم الدينية، وهو من أشد القوانين صرامة وتعقيدا في المجرة بأسرها.
ينص هذا القانون بحروف من نار على أنه يمنع منعا باتا على أي سيد لكوكب ديني أن يشن حربا أو ينشر معتقده بالقوة في الكواكب التي لا تخضع لسيطرته، إلا بوجود سبب مقدس.
هذه الأسباب كانت محددة بدقة، وأهمها التدخل لإنقاذ جنس من الفناء، أو وجود مجازر جماعية تهدد توازن الحياة.
كانت الكواكب الدينية بمثابة قوى عظمى، وإذا تجرأ أحدها على خرق هذا القانون وغزو كوكب مسالم دون مبرر، فإن تحالف أسياد المجرة، سواء من الدينيين أو العلمانيين، سيتحدون لمحي الكوكب المعتدي من الوجود.
ابتسم المخلوق المشوه ابتسامة كشفت عن أسنان مدببة، وقال بنبرة انتصار:
"أجل يا سيدي، السبب موجود ومثالي. لقد رصدنا انبعات طاقة هائلة ناتجة عن شخص واحد هناك، تسبب في قتل أكثر من عشرة مليارات كائن بشري في لحظات. هذه إبادة جماعية لم يشهد مثلها حتى تاريخ الكواكب متوسطة القوة، إنه خرق لقوانين الحياة يستوجب التدخل المقدس".
للمعت عينا أليكوس ببريق مرعب، فقد حصل على المفتاح الذي يشرع له الأبواب.
"ممتاز... هذا هو العذر الذي كنا ننتظره".
أشار بيده الضخمة نحو المخلوق آمرا:
"أوصل كلامي للجنرالات فورا، أخبرهم أن لديهم أقل من ستة أشهر. أريد ذلك الكوكب راكعا بين يدي بأقصى سرعة ممكنة، لا تهاون في هذا".
اختفى المخلوق النصف بشري في ومضة، تاركا سيده وحيدا في القاعة الشاهقة.
عاد أليكوس للاسترخاء على عرشه، لكن هدوءه لم يدم طويلا.
رفع يده المرتجفة ببطء نحو وجهه المشوه، وبدأ يتلمس الجلد المترهل والندوب الغائرة بجنون وهوس.
ضغط بأصابعه الغليظة على عينه الكبيرة والجاحظة وكأنه يحاول اقتلاعها أو دفعها للداخل، متمتما بصوت يملؤه الألم والرغبة المريضة:
"بقي القليل فقط... نعم، القليل وسأصبح مثاليا... سأصبح كاملا... سأصبح جميلا أخيرا!!".
...
في سماء كوكب أساريلان التابع لمجرة أزيمار، حيث كان الصمت يسبق العاصفة، رفع جيمس رأسه ببطء ونظر إلى السفينة الحربية العائمة التي كانت بحجم مدينة كاملة وتغطي ظل مبانيها الأفق.
رفع يده اليمنى بهدوء، ثم أطبق أصابعه فجأة بقوة ساحقة.
دون سابق إنذار، أصدرت السفينة العملاقة أنين معدني مرعب يصم الآذان.
انبعج هيكلها الفولاذي الصلب وتلوى كما تتلوى ورقة رقيقة في يد عملاق.
بدأ المعدن يصرخ وهو ينضغط على نفسه، محولا التحفة إلى كرة خردة مضغوطة في ثوان معدودة.
قفز الآلاف من على متنها في حالة من الذعر الهستيري، طافين في الهواء وهم يشاهدون بقلوب ترتجف حصنهم المنيع يسحق ويختفي وكأنه لعبة في يد طفل غاضب.
نظر كوريان إلى جيمس، وشعور ثقيل بالندم يعتصر قلبه.
لقد أدرك متأخرا أنهم دخلوا عرينا لم يكن يجب أن يطأوه أبدا.
وفجأة...
اختفى جيمس من مكانه.
لم ير أحد حركته، لم يشعر أحد بهالة انتقاله، كان الأمر وكأن الزمن قد حذف لثانية واحدة.
"أتعرف أنك قد أخفت أختي؟ وضيعت علي وقتا ثمينا كان يمكن أن أقضيه في اللعب معها وتعريفها على هذا العالم؟"
جاء الصوت باردا كالموت من جانب كوريان مباشرة.
تجمد كوريان في مكانه، وبحركة بطيئة ومرتعبة، أدار رأسه ليرى جيمس واقفا هناك، ويده تطبق بقوة لا ترحم على عنق زوان الضخم، رافعا إياه في الهواء كأنه ريشة.
حدق زوان في عيني جيمس، فرأى فيهما سوادا لا نهاية له، هاوية سحيقة ليس فيها ذرة من الرحمة.
"ماذا تفعل أيها الوغد! اتركه حالا... القصف المقدس!"
صرخت إيمي بصوت مشحون بالغضب والخوف وهي ترى رفيقها يختنق.
لم تتردد لحظة، أطلقت العنان لأقوى مهاراتها.
تمزق الفراغ حولها، وانطلقت منه كرات نارية بنفسجية ضخمة، مشبعة بطاقة مدمرة قادرة على محو الجبال، متجهة بسرعة صوتية نحو جيمس لتفجيره.
لم يكلف جيمس نفسه عناء النظر إليها.
رفع يده الحرة بملل، وما إن أطبق قبضته، حتى حدث المستحيل.
اختفت الكرات النارية.
لم تنفجر، ولم تصد، بل محيت من الوجود تماما وكأنها لم تكن. تحول الهجوم المدمر إلى عدم في طرفة عين.
تسمرت إيمي في مكانها، وعيناها جاحظتان من الصدمة.
أفضل تقنياتها، فخر قوتها، تلاشى بمجرد إغلاق يد هذا الوحش.
في تلك الأثناء، كان زوان يغرق في بحر من الرعب، صوت داخلي يصرخ في عقله: "ما هذا الرعب؟ لماذا جئنا إلى هنا؟ نحن نسير بأقدامنا إلى حتفنا".
لكنه أدرك أن الاستسلام يعني الموت المحتم.
حرك لسانه بصعوبة وتمتم بتعويذة محرمة.
في جزء من الثانية، انكمش جسده الضخم، وتحول إلى هيئة شاب نحيل وصغير، مما سمح له بالانزلاق من قبضة جيمس الفولاذية.
"سووووش"
تراجع زوان للخلف بسرعة البرق، وجمع كل قطرة من طاقته الحيوية وركزها في رئتيه وصدره الذي بدأ يتوهج بلون أبيض ساطع.
"الانفجار القدسي!"
فتح فمه وأطلق زفيرا مدمرا.
خرج شعاع من الحرارة البيضاء النقية، حرارة مهولة أذابت الهواء نفسه وشوهت الفراغ، متجهة لتحرق جيمس وتحوله لرماد.
نظر جيمس إلى الهجوم القادم بنظرة تشاؤم وانزعاج.
لقد طال هذا القتال التافه أكثر من اللازم، وهو يريد العودة لأخته وابنيه بسرعة.
"ووووم"
لم يصطدم الهجوم بشيء.
اختفى جيمس مرة أخرى تاركا الشعاع يضرب الفراغ.
شهقت إيمي عندما شعرت بظل ثقيل يقع عليها.
رفعت عينيها ببطء، لتجد جيمس واقفا أمامها مباشرة، وجهه خال من المشاعر، وعيناه تنظران إليها كما ينظر الإنسان إلى حشرة مزعجة.
ابتلعت إيمي ريقها بصعوبة، وقد أدركت في تلك اللحظة، وهي ترى الموت يمد يده نحوها، أن نهايتها قد حانت.
***
الي يبون قتالات وأكشن... لسا الرواية مستمرة، الفصول القادمة في آلاف القتالات ان شاء الله.. اصبروا فقط.
زائد كل اشي هنا من وحي خيالي.. اقرأ وانت على علم تام أن كل ما تقرأه من وحي خيال الكاتب فقط... وأيضا بتعليقك نستمر والله🫂