الفصل 66: ركوع حاكم كاثانوس للأسطورة القديمة، وتجسد النظام النجمي
التفت أردغناس، ذلك الكيان الكوني المهول، بجسده المكون من الظلام والدخان، نحو جيمس ببطء شديد.
لم يكن التفاتا عاديا، بل كان كحركة جبل يغير وجهته.
سلط الوحش تركيزه الكامل على ذلك البشري الضئيل الحجم أمامه، وبدأ يمسحه بنظرات ثاقبة تخترق الروح.
بدأ أردغناس تفحصه من أخمص قدمي جيمس، صعودا إلى صدره، ثم توقف الزمن فجأة عندما التقت نظراته بعيني جيمس.
تسمر الوحش مكانه.
تلك لم تكن عيونا بشرية، بل كانت ثقوبا سوداء، هاوية سحيقة تبتلع الضوء ولا تعكسه.
غاص أردغناس في عمق ذلك السواد اللامتناهي، وشعر بقشعريرة باردة تسري في كيانه الأثيري، قشعريرة لم يشعر بها منذ دهور.
"لا... لا يمكن أن يكون هو..." تمتم أردغناس بصوت منخفض، والذهول يسيطر على نبرته. "هل حقا هذا هو؟... آكل النجوم؟"
تراجع اردغناس خطوة للوراء بشكل غير إرادي، واهتزت السماء تحت قدميه.
عصفت آلاف الأفكار في عقل أردغناس القديم.
ورغم أن هذا الجسد الحالي لم يكن سوى تجسيد مادي ناتج عن الاستدعاء، يحمل بالكاد واحدا بالمائة من قوته الأصلية، إلا أن وعيه وذاكرته كانا شبه كاملين.
كان يعرف الأساطير حق المعرفة، وكان خبيرا بتاريخ العوالم المنسية.
عندما نظر إلى عيني جيمس واستشعر طبيعة هالته المتوحشة، تطابق كل شيء في عقله مع الأسطورة الخالدة.
أسطورة اكل النجوم بالغناس.
كان أردغناس، بصفته أحد أسياد الموت المبجلين - وهم نخبة الكائنات التي تتحكم في قوانين الموت ويحكمون عوالم كاملة مثل أليكوس حاكم إيلثار المقدس - يعلم يقينا أن هناك علامة واحدة لا يمكن تزويرها في هذا الكون الشاسع.
لقد جاب أردغناس مئات الكواكب، وشهد ولادة وموت مجرات، وقاتل كائنات لا حصر لها، لكنه لم ير قط في حياته المديدة كائنا يمتلك عينين سوداوين بالكامل بشكل طبيعي إلا في المخطوطات القديمة التي تتحدث عن بالغناس.
تذكر معركة قديمة خاضها في كوكب كولغون بمجرة أزيمار ضد سيدة الحياة فولرين.
كانت تملك عينا خضراء بالكامل، مما أثار شكه حينها وجعله يقاتل بضراوة وشراسة غير معهودة حتى تمكن من أسرها، فقط ليسألها عن سر تلك العين.
وحين أخبرته أنها مجرد "تقنية لأحد قوانين الحياة، الشمس الخضراء"، فقد اهتمامه.
أما جيمس... فعينيه لم تكونا تقنية.
كانتا طبيعته، كانتا جوهره.
هذا السواد هو الدليل القاطع.
كان أحد أسلاف أردغناس القدماء تابعا مخلصا لآكل النجوم قبل ملايير السنين، وفي حين نسي الكون تلك الأسطورة، ظل أردغناس يدرسها بهوس، معجبا بتلك القوة الطاغية والجنون الذي يصاحب قتالاته.
حسم أردغناس قراره في جزء من الثانية.
هذه لم تكن معركة، بل كانت فرصة تأتي مرة واحدة في عمر الكون.
بدأ أردغناس يتحرك ببطء نحو جيمس.
في المقابل، لاحظ جيمس اقتراب الوحش، فاشتعلت دماء القتال في عروقه.
شعر بقوة هذا الكائن الهائلة رغم أنه مجرد استدعاء، فأراد اختبار حدود قوته الجديدة كإمبراطور سماوي.
"هيا تقدم! دعنا نشعل هذه السماء!" صرخ جيمس في نفسه بحماس، وقبضته تتوهج بطاقة مدمرة، كاد أن يطلق العنان لكامل قوته لنسف الوحش.
فجأة...
حدث ما أوقف قلوب الجميع.
جحظت عيون لينغ ونيلر وبقية أفراد عائلة روهان من المحاجر، وسقطت أفواههم من شدة الصدمة.
تجمد جيمس في مكانه، وعيناه متسعتان بذهول، وقد خمدت نيران هجومه قبل أن تنطلق.
لقد كان مشهدا مرعبا وسرياليا.
ذلك الوحش العملاق، سيد الموت أحد حكام العوالم، لم يهاجم.
انحنى أردغناس بوقار، وثنى ركبته الضخمة في الهواء لتصطدم بالأرضية الوهمية للسماء وتحدث دويا مهيبا، خافضا رأسه الضخم كفارس مخلص يحيي سيده بعد غياب طويل.
عم الصمت المطبق، قبل أن يزلزل صوت أردغناس الأرجاء، صوتا مليئا بالخضوع والتبجيل:
"سيد الموت الثاني... أردغناس... يحيي المبجل النجمي، آكل النجوم، بالغناس".
نطق بالكلمات وهو يدرك تماما وزنها.
لم يأت إلى هنا لجمع الأرواح التافهة أو لتطوير مستواه كما كان يخطط في البداية، بل جاء ليقف في حضرة الأسطورة الحية التي انتظر رؤيتها، الأسطورة التي ظن الجميع أنها خرافة، بينما هي تقف الآن أمامه بجسد بشري وعيون تبتلع الوجود.
"ماذا؟!! ما هذا الهراء؟"
صرخ جيمس في أعماق عقله، محاولا الحفاظ على قناع البرود الجليدي الذي يرتديه.
لم يستوعب حرفا مما قيل.
المبجل النجمي، آكل النجوم، بالغناس...
ألقاب رنانة وثقيلة سقطت عليه كالصاعقة، نطق بها وحش يركع أمامه بخضوع تام.
لم يكن جيمس يعرف من يكون هذا بالغناس، لكنه أدرك أن الوضع يتطلب تصرفا سريعا وحكيما.
" روهان... اخرج حالا واشرح لي هذه الفوضى".
استدعى جيمس النظام في عقله، واستجابة لندائه، تموج الفضاء بجانبه.
لم يظهر النظام كما العادة هذه المرة، بل تجسد ماديا.
خرج كيان مهيب في نفس طول جيمس، بطول يناهز المترين، يرتدي درعا حديديا فضيا بتصاميم هندسية معقدة تعكس تطورا يتجاوز هذا العالم بمراحل.
لكن الأكثر رعبا وغرابة لم يكن درعه، بل رأسه.
لم يكن له وجه بشري، بل كان رأسه عبارة عن نجم حقيقي مصغر، كرة من الضوء الذهبي المشتعل تدور ببطء، وتشع بحرارة وهيبة مقدسة.
وقف هذا الكيان النجمي بجانب جيمس، يطفو بصمت مطبق، ووجه نظره الناري نحو أردغناس الراكع.
عندما شعر أردغناس بتلك الهالة الجديدة، رفع رأسه ببطء، وبلع ريقه بصعوبة بالغة.
وجود هذا الكيان ذو الرأس النجمي بجانب جيمس لم يكن سوى ختم تصديق نهائي على شكوكه.
طاقة كونية نقية تدفقت من النظام، جعلت جسد أردغناس المستدعى يرتجف.
.
.
.
في مكان آخر، بعيدا عن حدود الزمان والمكان لهذا الكوكب الصغير...
في مجرة أرون المظلمة، وتحديدا على كوكب الموت الثاني كاثانوس.
داخل قاعة عرش عملاقة، جدرانها مبنية من عظام الكواكب الميتة، وسقفها يطل على فضاء أحمر كئيب، جلس الجسد الحقيقي لأردغناس.
كان يجلس فوق عرش حجري قرمزي يشع بطاقة دموية نابضة.
بدا أردغناس في هيئته الحقيقية مهيبا بشكل يخطف الأنفاس.
قامة فارعة تلامس المترين، شعر أسود حالك ينسدل كشلال من الليل على كتفيه، وملامح وجه وسيمة ولكنها حادة كشفرة السيف، وعيون تحمل نظرة الموت الأبدي.
كان يرتدي رداء أسود فاخرا، مطرزا بحروف رونية قديمة تتوهج بضوء خافت.
فجأة، انتفض أردغناس واقفا من عرشه، والعرق البارد يتصبب من عنقه بغزارة، بينما جسده يرتعش بنشوة لا توصف.
"لقد حصلت عليها... لقد حصلت على الجائزة الكبرى! هاهاهاها!"
أمسك رأسه بيديه الاثنتين، وبدأ يضحك بصوت عال وهستيري، بينما ضوء قمر الكوكب الدموي يتسلل من النوافذ العملاقة ليضيء وجهه الذي تحول من الوقار إلى الجنون المطلق.
انهار أردغناس ووقع على ركبيته ثم على الأرض، يضرب الأرض بقبضته وهو يقهقه بجنون، غير قادر على استيعاب حجم الحظ الذي سقط عليه.
"منصب سيد الموت الأول؟ تبا له! مستوى اللورد النجمي؟ أو حتى السيد الكوني؟ هاهاهاهاها! كل هذا يعتبر قمامة... قمامة مقارنة بما سأحصل عليه!"
تحولت ضحكاته إلى صرخات انتصار تشق جدران القاعة الصامتة:
"أن أكون أحد التابعين الأوائل لآكل النجوم... هذا يعني أنني سأحكم الوجود! سأصبح سيدا مجريا! لا... بل إمبراطورا للمجرات!"
بدأت آلاف الصور تتدفق في مخيلته كشريط سينمائي.
رأى نفسه جالسا على عرش يحكم مجرات بأكملها، وجيوش من الأباطرة والملوك السماوين تركع تحت قدميه، وكواكب لا حصر لها تدين له بالولاء، وكل ذلك بفضل اتباعه للأسطورة التي عادت للحياة، بالغناس.
كان يرى المستقبل يفتح ذراعيه له، ومفتاحه الوحيد هو ذلك الشاب ذو العينين السوداوين.
...
لا تلهكم الرواية عن صلاتكم وشكرا للأسطورة '.. .' على الحماس ولصديقي روكان على 'قصفه' اللطيف، لكن حماسي للكتابة فوق السطح كلفني نزلة برد ستوقف النشر ليومين.
دعواتكم لي ياشباب بالشفاء واكسروا هذا الصمت القاتل في التعليقات لأن تفاعلكم هو وقودي الوحيد فلا تكونوا مجرد أشباح.