68 - انطلاق قادة كليغتون نحو نينغ

الفصل 68: انطلاق قادة كليغتون نحو نينغ.

فوق قمة القصر الشاهقة، حيث يعانق الصمت برودة الليل القارسة، كان جيمس يجلس وحيدا متكئا على كرسيه، وعيناه السوداوان مثبتتان على ضوء القمر الفضي.

كانت الرياح تعبث بملابسه وشعره الذي استعاد بياضه الناصع مؤخرا، ليتناغم مع ظلمة عينيه ويمنحه هالة ملكية مهيبة ومقبضة في آن واحد.

في يده، كانت جرة الخمر ترتفع وتنخفض بانتظام، لكن السائل الأحمر القوي لم يكن له أي تأثير يذكر على جسده الذي تجاوز حدود الفناء.

لقد وصل إلى مرحلة الإمبراطور السماوي، مستوى من الوجود يجعل من سموم البشر وخمورهم مجرد ماء لا طعم له.

لم تكن تلك النظرات الموجهة للقمر عبثا، بل كانت ترسم في صمت خارطة لمستقبل القارة بأسرها.

كان عقله، الذي استوعب للتو حقائق مرعبة وتاريخا سحيقا عن حقيقة اكل النجوم بالغناس عبر النظام، قد وضع تلك الأساطير القديمة في زاوية مظلمة من ذاكرته مؤقتا.

لم يكن الوقت مناسبا للغرق في تلك الخرافات(هكذا ستعقد جيمس)، فالحاضر يتطلب تركيزا حادا كحد السيف.

كانت أولويات الإمبراطور الجديد واضحة ومرتبة بدقة متناهية في ذهنه.

كان يدرك أن فصيله الخاص هو الشيء الأهم، ويجب الحفاظ عليه.

لكن جيمس، بحكمته، كان يعلم أن القوة العمياء وحدها لا تكفي.

كانت المعضلة الحقيقية تكمن في المجهول.

باستثناء الأرض المقدسة فليليا، والأرض المقدسة كورفين التي محاها من الوجود، كانت خريطة القوى في ذهنه لا تزال تحتوي على بقع عمياء.

ورغم ثقته المطلقة في قوته الحالية التي تمكنه من سحق أي قديس بضربة واحدة، إلا أن الحذر كان طبعة الثاني.

الخطأ الواحد في هذا المستوى قد يكلفه الكثير، وهو لم يعد مستعدا لدفع أثمان باهظة كما حدث سابقا.

لذلك، كان الاحتفال القادم بعد أسبوع، والذي يشرف عليه تلميذه هوا، ليس مجرد استعراض للأبهة، بل فخا استراتيجيا ومسرحا مثاليا لكشف نوايا العالم وسحب الأعداء من جحورهم.

علاوة على ذلك، كانت طموحات جيمس العسكرية قد تجاوزت حدود المنطق السائد في هذا العالم.

لم يعد يرضيه الاعتماد على جيوش النظام، ولا حتى على قوته الفردية الكاسحة.

كان يخطط لتأسيس جيش نظامي يدين بالولاء المطلق له شخصيا، جيش بمعايير جنونية تجعل من مرحلة الحاكم هي الحد الأدنى للقبول كجندي مشاة.

كانت فكرة كفيلة بإثارة الرعب في قلب أي حاكم آخر، لكنها بالنسبة له كانت الضرورة الحتمية لمواجهة القوى الكبرى.

ولم يتوقف طموحه عند القوة العسكرية الضاربة، بل امتد ليشمل حرب الظلال.

كان يخطط لإنشاء كتيبة استخباراتية منفصلة، عيون وآذان في كل مكان، لأن المعلومة في حروب الأسياد تسبق الضربة القاضية.

هذا، جنبا إلى جنب مع رؤية اقتصادية شاملة لبناء المدن واحتكار ثروات القارة، لضمان أن إمبراطوريته لن تكون مجرد فقاعة قوة، بل كيانا راسخا يحكم القارة بقبضة من حديد وذهب.

"مجرد التفكير في تشابك هذه الخطط يصيب الرأس بالدوار..."

تمتم جيمس بضيق وهو يفرك جبينه، ثم نهض عن كرسيه وطاف بهدوء في الهواء، تاركا برودة الليل خلفه، ومتجها مباشرة نحو غرفته الخاصة.

انسل جيمس إلى الغرفة بصمت حتى لا يخدش سكون المكان.

هناك، على السرير الواسع، وجد مشهدا أزال كل توتر المعارك من قلبه.

كانت مي لينغ تغط في نوم عميق، وعلى يمينها يرقد طفلاه، رينا وريان، كملائكة صغار يحلمون بسلام.

استلقى جيمس على الجانب الأيسر بحذر، وأغمض عينيه مستسلما لسلطان النوم، تاركا العالم الخارجي يحترق بانتظاره.

...

مرت خمسة أيام كلمح البصر، كانت كافية ليقلب هوا القارة رأسا على عقب.

أنجز هوا مهامه بدقة مرعبة.

فقد عبرت دعوات حفل تأسيس الإمبراطورية الجديدة الحدود والبحار، لتصل إلى كل قوى القارة وخارجها.

ولم يكتف بذلك، بل نشر الخبر كالنار في الهشيم بين العامة والخاصة، مما أثار زلزالا من الحماس والفضول في قارة شينيا بأسرها.

الجميع، من أصغر مزارع إلى أعظم محارب، تملكهم فضول حارق لرؤية جيمس، ذلك السيد الغامض الذي ابتلع القارة وسيطر عليها من الظلال في سنوات معدودة دون أن يلمح أحد وجهه.

تحولت عاصمة نينغ، التي وسعها هوا ورممها على مدار السنوات الست الماضية لتكون جوهرة القارة، إلى طوفان بشري لا أول له ولا آخر.

رغم مساحتها الشاسعة التي تستوعب الملايين، إلا أنها غصت بالحشود حتى ضاقت شوارعها، وامتد بحر البشر إلى خارج الأسوار لمسافات شاسعة، محولين السهول المحيطة إلى مخيمات لا تنتهي.

لم يكن التجمع مجرد حشد عددي، بل كان استعراضا للقوة يبعث على الرهبة.

في كل زاوية، كان هناك فنانون قتاليون مرعبون، قديسون يطفون في السماء بهالاتهم المقدسة، وأباطرة يتجاذبون أطراف الحديث في مواضيع تافهة وكأنهم جيران قدامى، جميعهم ينتظرون بفارغ الصبر انقضاء اليومين المتبقيين لظهور الحاكم الأوحد وأقوى كائن في القارة.

وفي مكان ما خارج أسوار مدينة نينغ المكتظة، كانت الهالة تتغير، والضغط الجوي يزداد ثقلا.

مجموعة من الأشخاص يرتدون أردية فاخرة تحمل شعارات مهيبة، كانوا يشقون طريقهم نحو المدينة بهدوء وثقة، وكأن الزحام ينشق لهم تلقائيا.

"يبدو أن المجالات السامية قد تلقت دعوة وشرفتنا بحضورها..."

جاء الصوت ناعما وجميلا كالجرس من جانب الطريق، موجها حديثه للمجموعة المتقدمة.

[الأرض المقدسة "المجالات السامية": القوة الثانية في قارة كليغتون]

توقف الرجل الذي كان يتقدم المجموعة، ونظر بطرف عينه بوقار وهدوء، مجيبا وهو يكمل خطواته الواثقة:

"نفس الشيء ينطبق على وادي الزهور الأبدي... لم أتوقع رؤيتكم هنا".

[الأرض المقدسة "وادي الزهور الأبدي": القوة الثالثة في قارة كليغتون]

من الفراغ، ظهرت امرأة فاتنة الجمال، يحيط بها نور مقدس يخطف الأبصار، وخلفها سارت مجموعة من النساء اللواتي لا يقللن عنها جمالا وهيبة.

كانت نظراتها حادة وقوية، تليق بسيدة أرض مقدسة.

كاد الجو أن يستقر على هذا اللقاء الدبلوماسي البارد، لولا صوت متعجرف وقوي دوى من الخلف، قاطعا حديثهم ومجمدا خطواتهم:

"هاهاهاها! انظروا من هنا... يبدو أن وادي الزهور غير الأبدي قد زحف إلى هنا أيضا!"

2026/01/08 · 43 مشاهدة · 855 كلمة
Moncef_
نادي الروايات - 2026