الفصل 69: واحة الطيف السماوي.
تجمد مرزان، سيد القمة الرابعة في الأرض المقدسة «المجالات السامية»، في مكانه واستدار ببطء وبرود، وبنفس التوقيت، استدارت كاليسا، سيدة القمة الثانية في الأرض المقدسة «وادي الزهور الأبدي»، وعيناها تشتعلان بلهب الغضب.
انشق الجمع ليظهر صاحب الصوت المستفز.
كان شابا فارع الطول، بجسد مصقول يتجاوز المترين، وشعر ذهبي يلمع كالشمس، تحيط به هالة من الطغيان والجبروت جعلت الهواء من حوله ثقيلا.
[ آرون، سيد القمة الخامسة في الأرض المقدسة «واحة الطيف السماوي»، القوة الأولى في القارة]
خلفه وقف صف من القديسين الأقوياء، ينظرون بتعالي لا يضاهى.
رمقته كاليسا بنظرة حادة كالسيف وصاحت:
"آرون! ما الذي تقصده بكلماتك القذرة تلك؟"
اشتعل الغضب في صدور جميع نساء وادي الزهور، لكن آرون لم يلق لهن بالا، وكأنهن مجرد هواء.
تجاوز كاليسا بنظراته بوقاحة، ووجه حديثه مباشرة إلى مرزان بابتسامة صفراء:
"كيف حالك يا مرزان؟ لماذا تلوث طريقك ومقامك بالسير بجانب هذه الحثالة؟"
حافظ مرزان على وجهه الخالي من التعبير، وهز رأسه ببطء مكتفيا بالصمت، مفضلا البقاء على الحياد في هذا الصراع المتفجر.
جزت كاليسا على أسنانها، كانت تدرك أن آرون يحاول جرها إلى قتال خاسر.
رغم أنه السيد الخامس فقط في ترتيب واحتهم، إلا أن الجميع يعلم الحقيقة المرعبة؛ قوته الحقيقية تضعه ضمن العشرة الأقوى في القارة.
وحش لم يتجاوز عمره المائة عام، عبقري فذ لدرجة أن موهبته تؤهله ليكون تلميذا داخليا حتى في الأراض المقدسة سيوما.
وفجأة، تحول الاستفزاز اللفظي إلى فعل خبيث.
تقدم وفد واحة الطيف السماوي للأمام، وبحركة مدروسة ولئيمة، تعمد أحد شيوخهم الاصطدام بعنف بإحدى فتيات وادي الزهور.
كانت الفتاة صغيرة وجميلة، لم تتحمل الصدمة فسقطت أرضا بضعف.
لم يكتف الشيخ بذلك، بل صرخ بوجهها وعروق رقبته نافرة، ممثلا دور الضحية ببراعة شيطانية:
"ماذا تفعلين أيتها العاهرة؟!! ألا ترين أين تضعين قدميك القذرة؟!"
وبسرعة مرعبة لا ترحم، هوت يده المشبعة بالطاقة نحو عنق الفتاة الرقيق لكسره.
تجمدت الفتاة في مكانها، عاجزة عن الحركة أمام قوة تفوقها بمراحل.
ولكن، قبل أن تلمس يده بشرتها، حدث اصطدام عنيف.
"بااااام!"
ظهرت كاليسا كالبرق أمام الفتاة، وصفعت يد الشيخ بقوة هائلة أجبرته على الترنح والتراجع عدة خطوات للوراء، وهو يمسك معصمه بألم وصدمة.
راقب آرون المشهد، واتسعت ابتسامته الخبيثة وكأنه حصل أخيرا على الذريعة التي كان ينتظرها.
استعاد الشيخ توازنه، وصرخ مرة أخرى بصوت أعلى وأكثر فجورا، محاولا تضخيم الموقف:
"ماذا تفعلين أنت أيضا أيتها العاهرة؟! ألا ترين وقاحة تلميذتك؟!"
انفجر غضب كاليسا كالبركان، وهالة القديس خاصتها اندلعت حولها:
"احذف كلمة العاهرة من فمك القذر حالا وإلا..."
لم تكد تكمل جملتها، حتى تغير الجو فجأة.
"وووووم!"
انفجرت نية قتل مرعبة وخانقة من جميع أفراد واحة الطيف السماوي في آن واحد، موجهة كلها نحو كاليسا وفتياتها كسهام غير مرئية تخترق الروح.
كان ضغطا هائلا يهدد بسحق العظام وطحن الإرادة.
وفي المقابل، لم تقف شيخات وادي الزهور الأبدي مكتوفات الأيدي، بل فجرن طاقتهن الدفاعية دفعة واحدة، محاولات خلق حاجز يصد تلك الهالة القمعية الضخمة التي تكاد تبتلعهن.
سارعت إحدى الفتيات لسحب رفيقتها الملقاة على الأرض، وسحبتها إلى الوراء بخوف، بينما أحس جميع الخبراء والقديسين في محيط المكان بتسرب تلك الهالة المضطربة، وعرفوا فورا أن هناك صداما وشيكا بين قديسين عاليي المستوى، وهو أمر نادر وخطير في مثل هذا التوقيت.
وبمحض الصدفة، أو ربما لترتيب القدر، كان ليون ولينغ وليفان، قادة عائلة روهان، يمرون بالقرب من المنطقة لتفقد الأوضاع الأمنية، فاستشعروا تلك الهالة العدائية وتوجهوا نحوها كالأشباح.
"ماذا تفعلون؟ هل حقا تنوون القتال في هذا المكان وتلويث هذه الأرض بدمائكم؟"
تكلم مرزان بهدوء ممزوج باستغراب شديد من هذا التهور، لكن صوته ضاع في مهب الريح، فلم يجبه أحد، فالكل كان مركزا على الطرف الآخر، والسيوف كانت على وشك الخروج من أغمادها.
كسر آرون الصمت بضحكة مستفزة، وقال بنبرة تقطر سخرية واحتقارا:
"آه... توقفوا يا رفاق. هل حقا تريدون القتال مع هؤلاء الفتيات الصغيرات ؟ ألا تعرفون أن ضرب المرأة لهو عيب وعار عليكم كرجال؟ دعوهن يذهبن للبكاء في الزاوية.".
"فنساء وادي الزهور... كلهم عاهرات..!!"
كانت هذه الكلمات هي القشة التي قصمت ظهر البعير.
لم يعد لدى كاليسا ذرة من الصبر أو التحمل.
انفجرت طاقتها الكامنة برعب، كاشفة عن قوتها كقديسة في المستوى الرابع.
احتاج جسدها طاقة هائلة جعلت الهواء يصرخ من حولها، وتوجهت كالسهم المنطلق مباشرة نحو آرون الذي كانت ابتسامته تتسع فرحا بنجاح خطته لاستدراجها.
اندفعت كاليسا بقبضة مشحونة بنية القتل، موجهة ضربة قاضية نحو صدر آرون.
ولكن...
قبل أن تلامس قبضتها ملابسه، وقبل أن يتحرك آرون لصدها، تجمد المشهد.
ظهر لينغ من العدم في المسافة الفاصلة بينهما.
وبحركة بدت بسيطة وسلسة، رفع يده وأمسك بقبضة كاليسا المشحونة بالطاقة المدمرة.
توقفت الضربة العنيفة في راحة يده وكأنها ريشة سقطت، ممتصا كل الزخم المرعب دون أن يهتز شعرة واحدة.
تلاشت ابتسامة آرون، وتسمر في مكانه وعيناه تتسعان بذهول، ليس فقط لأن هجوم كاليسا توقف، بل لأنه لم ير هذا الشخص يتحرك أصلا.
"ماذا تظنون أنكم فاعلون حقا؟"
نطق لينغ بهذه الكلمات بصوت هادئ ولكنه يحمل ثقل الجبال.
أطلق هالته، موجة صادمة غير مرئية أجبرت كلا من آرون وكاليسا على التراجع عدة خطوات للوراء رغما عنهما، وكأن جدارا غير مرئي قد دفعهم.
"من أنت..." سألت كاليسا بنبرة يملؤها الاستغراب والصدمة، وهي تنظر ليدها التي أوقفها هذا العجوز بسهولة.
"ليس من شأنك من هو... أتمنى ألا تتقاتلي في المدينة، أو بالأحرى، تجاهلي فكرة القتال تماما في هذه الأيام إذا كنتِ تحبين حياتك".
جاء الصوت هادئا وباردا من جانبها مباشرة.
انتفضت كاليسا، لتجد ليون واقفا بجوارها، وقد وضعت يده على كتفها دون أن تشعر به، وهو ينظر للأمام ببرود تام.
وفي الجهة المقابلة، وبنفس السرعة الشبحية، ظهر ليفان بجانب آرون، هامسا في أذنه بصوت يشبه فحيح الأفعى:
"كفى استفزازا يا سيدي... لقد كنت تريد قتلها، أليس كذلك؟"
نظر ليفان بطرف عينه الحادة إلى آرون المتجمد، وأكمل بنبرة تحمل تهديدا مميتا:
"لو أنك قتلتها... لكنت الآن جثة هامدة قبل أن يسقط جسدها على الأرض".
لم يكمل ليفان حديثه، وبسرعة خاطفة، تراجع ليقف بجانب لينغ وليون، مشكلين ثلاثيا مرعبا يقف كالسد المنيع بين الطرفين المتنازعين.
ساد صمت القبور في المكان.
كان الجميع، من واحة الطيف السماوي ووادي الزهور، وحتى مرزان المحايد، ينظرون إلى لينغ وليون وليفان بصدمة ورعب حقيقي.
صرخ مرزان في أعماق نفسه، وهو يمسح العرق البارد عن جبهته:
"يا إلهي... من هؤلاء الوحوش؟ متى ظهروا؟ وكيف لم أشعر بوجودهم حتى وقفوا بيننا؟ هل يعقل أن يكونوا من حراس هذه الإمبراطورية الجديدة؟"