الفصل 70: بدء الاحتفال...والنهاية

نظر آرون إلى ليفان، وبدأت ملامح وجهه تتغير ببطأ، متحولة من الغطرسة الباردة إلى غضب يغلي.

شعره الأشقر الطويل تطاير إلى الوراء بفعل الطاقة التي بدأت تتسرب منه، ولم يستوعب عقله أن يجرؤ نكرة – في نظره – على تهديده أو أمره.

أطلق آرون هالة ضخمة هزت الأرض تحت أقدامهم، وصرخ وهو يتقدم خطوة نحو ليفان:

"ماذا تعني بهذا يا هذا؟ ومن تظن نفسك لتوجه لي الكلام؟"

"لا داعي للتوتر... أتمنى من سيادتكم ألا تتقاتلوا في المدينة، فنحن نحب الحفاظ على نظافة الشوارع". رد ليفان بكل هدوء وبرود، وكأنه لم يتأثر ولو للحظة بهالة الضغط التي أطلقها آرون، بل كان ينظر إليه وكأنه طفل يصرخ في متجر.

توقف آرون مكانه، وقد صدمه هذا الهدوء غير الطبيعي.

في تلك اللحظة، كان لينغ يراقب الموقف بصمت طويل، ثم أنزل رأسه قليلا إلى الأرض، وغرقت عيناه في الظل.

ما إن رأى ليون وليفان تلك الحركة حركة إنزال الرأس حتى انتفضت غرائزهم.

كانوا يعرفون جيدا ماذا يعني ذلك.

لينغ قرر القتل.

وبسرعة تجاوزت رد فعل آرون، انقض الاثنان على لينغ وأمسكا به من كلا ذراعيه بقوة هائلة، مثبتين إياه في مكانه.

تفاجأ آرون، وتراجع خطوة للوراء من غرابة المشهد.

"اتركوني... فقط سأشرح له القوانين... أقسم أنني سأشرح له بلطف... أرجوكم اتركوني!" تكلم لينغ بصوت هادئ مخيف، بينما كانت عروق يديه تبرز من شدة رغبته في الفتك بآرون، لكن ليفان وليون لم يرخيا قبضتهما، بل زادا من شدة الإمساك به.

"أرجوك يا لينغ تراجع! أنا سأتكلف بالأمر، لا داعي لقتله الآن!" همس ليفان وهو يضغط على كتف لينغ بكل طاقته لمنعه من التحرك.

"اتركني فقط! والله إني سأشرح له معنى الأدب ثم أتركه!" حاول لينغ الإفلات مرة أخرى، وكانت قوته الجسدية مرعبة لدرجة أن الأرض تحت أقدامهم بدأت تتشقق، لكن ليفان وليون كانا مستعدين تماما ولم يسمحا له بالإفلات.

بعد لحظات من الصراع المكتوم، انسحب الثلاثة بسرعة، ودخلوا إلى عمق المدينة، ساحبين لينغ معهم كوحش مروض، تاركين آرون واقفا وحده، مذهولا وغير قادر على فهم ما حدث للتو، أو إدراك أنه نجا من موت محقق بأعجوبة.

.....

انقضى يومان آخران، واكتمل المشهد الذي لم تر القارة مثله أبدا.

وصلت وفود أغلبية الأراضي المقدسة.

باستثناء القارة المقدسة سيوما التي لم يحضر قادتها الرئيسيون.

امتلأت مدينة نينغ بكيانات مرعبة، هالات طاقة تضغط على الغلاف الجوي وتجعل التنفس صعبا على الضعفاء.

لم تحضر هذه القوى العظمى من أجل الطعام أو الاحتفال، بل حضروا لسبب واحد ووحيد: رؤية الشخص الذي أباد الأرض المقدسة كورفين بمفرده، الشخص الذي قلب موازين العالم.

من قارة شينيا نفسها، حضرت فليليا، الأرض المقدسة الوحيدة في القارة، ووقفت يونان بوجه يملؤه القلق والترقب.

ومن قارة كليغتون، اكتمل النصاب بحضور «واحة الطيف السماوي» بقيادة آرون وشيوخه، و«المجالات السامية»، بقيادة ارزمن و«وادي الزهور الأبدي» بقيادة كاليسا.

ومن قارة لينزن البعيدة، وصل وفد «حدائق اليشم الأخضر» يحيط بهم عبق الطبيعة القاتل، ووفد «الصخر الخالد» بصلابتهم المعهودة.

أما من قارة جينغوان، فقد هبط كل من «السحاب البنفسجي» و«الشلال الملائكي» بهالاتهم الساحرة.

وبرغم من أن سيوما لم ترسل أحد قديسها الرئيسين، الا انها ارسلت من يمثلها.

الأرض المقدسة الفرعية التابعة لها "الصقر السماوي الذهبي"، مما زاد من ثقل وتوتر الحدث.

بدأ العد التنازلي.

داخل القاعة الإمبراطورية الفسيحة، التي صممت لتكون تحفة معمارية تليق بحاكم العالم، جلس الجميع في أماكنهم المحددة بدقة صارمة.

في المقدمة، وأمام العرش الفارغ مباشرة، جلست وفود الأراضي المقدسة.

كانت هالاتهم تتعارض وتتصادم بصمت، وكل سيد منهم ينظر للعرش الفارغ بتساؤل: "من يجرؤ على الجلوس فوقنا؟".

خلفهم، جلس أباطرة الدول العظمى من مختلف القارات، بملابسهم الملكية الفاخرة التي بدت باهتة أمام جبروت القديسين أمامهم.

ومن ورائهم، جلس الملوك ورؤساء المنظمات الكبرى.

أما خارج القاعة، وفي الساحات الشاسعة للمدينة، كان المشهد مهيبا.

ملايين البشر؛ فنانون قتاليون، تجار، ومواطنون عاديون، وقفوا كتفا بكتف في صمت مطبق.

كانت عيون الملايين معلقة بشيء واحد: صخرة سحرية ضخمة للغاية، تطفو في سماء الساحة، تنقل بثا حيا ومباشرا لما يدور داخل القاعة.

كان الصمت سيد الموقف، والتوتر يكاد يلمس باليد.

الجميع ينتظر اللحظة التاريخية، اللحظة التي سيظهر فيها السيد الأعلى ليعلن بداية عصر جديد، أو ربما... شيء آخر.

...

وسط الصمت المطبق والترقب الذي كان يملأ القاعة، تقدم شاب بخطوات ثابتة نحو مركز المنصة الرئيسية.

كان تشانغ روهان، ابن جيمس، لكنه لم يعد ذلك الشاب الذي عهده البعض من قبل.

لقد تغيرت هالته بالكامل، وكأنه خلع جلده القديم وارتدى جلدا جديدا صقلته المعارك والضغوط.

أصبح وجهه أوسم، بملامح حادة ونبيلة، ولكن ما لفت الأنظار وأثار القشعريرة لم يكن وسامته، بل كان ذلك السواد الحالك تحت عينيه.

لم يكن سواد إرهاق عادي، بل بدا وكأنه لم يذق طعم النوم لشهور، أو كأنه يحدق في الظلام لفترة طويلة حتى طبع الظلام قبلته أسفل جفنيه.

وقف تشانغ أمام الحشود المليونية، ونظر إليهم بعيون باردة وثابتة، ثم صدح صوته في القاعة، مدعوما بطاقة روحية جعلته يصل إلى أذن كل حاضر بوضوح تام:

"اسمحوا لي أن أقدم نفسي... أنا تشانغ روهان. تشرفت بحضوركم جميعا اليوم، من قامات وهامات وتجار ومقاتلين. إنه لشرف عظيم لي أن أعلن رسميا عن بدء احتفالات قيام إمبراطوريتنا الجديدة... أعلن عن بدء المراسم والاحتفال، ريثما يظهر جلالته".

ما إن أنهى كلماته حتى دوى صوت الأبواق الملكية، معلنة كسر حاجز الصمت والتوتر.

بدأ الاحتفال، وتحولت القاعة والساحات الخارجية إلى مهرجان أسطوري.

تدفق مئات الخدم والجواري يرتدون ملابس حريرية فاخرة، يحملون أطباقا تفوح منها روائح تسيل اللعاب وتدغدغ الحواس.

لم يكن طعاما عاديا، بل كانت وليمة تليق بالأسياد.

لحوم وحوش روحية نادرة طهيت بنيران سحرية هادئة لتحافظ على طاقتها، فواكه روحية تشع بضوء خافت وتزيد من طاقة من يأكلها، وجرار من النبيذ المعتق لآلاف السنين، نبيذ يسمى رحيق الخلود، الكأس الواحد منه كفيل بجعل المزارع العادي يختبر اختراقا في مستواه.

جلس أسياد الأراضي المقدسة في أماكنهم بوقار وتعال.

لم يندفعوا نحو الطعام كالبقية، بل اكتفوا بتذوق القليل من النبيذ الفاخر أو قضمات صغيرة من الفواكه النادرة، محافظين على صورتهم السامية، بينما كانت عيونهم تمسح المكان وتراقب تشانغ بحذر، يحللون كل حركة وكل نفس، بانتظار الحدث الأكبر.

أما الأباطرة والملوك خلفهم، فقد كانوا يأكلون ويشربون، ولكن بحذر وتوتر، يتبادلون الهمسات والنظرات القلقة، فكل لقمة كانت ممزوجة بطعم الخوف من المجهول القادم.

وفجأة، تحولت الأنظار نحو السماء.

لم تكن ألعابا نارية من بارود ودخان، بل كان عرضا سحريا خالصا.

انطلقت مصفوفات سحرية نصبت حول المدينة، قاذفة بكرات من الطاقة الخالصة نحو السماء المظلمة.

بــــوووم!

انفجرت الكرات لتشكل لوحات حية ومتحركة.

تنين عملاق من اللهب الأزرق تشكل في السماء، يطير وينفث نيرانا لا تحرق، بل تضيء الليل بلون الزمرد.

لحقه طائر فينيق من الضوء الذهبي، يرقص بين النجوم وينثر ريشا وهميا من الضياء.

تداخلت العناصر السحرية في مشهد يخطف الأنفاس.

شلالات من الماء المضيء تنهمر من الغيوم ثم تتبخر لتصبح زهورا جليدية تتساقط ببطء على الحضور، فتذوب بمجرد ملامستها وتترك رائحة عبقة في المكان.

تحولت سماء مدينة نينغ إلى لوحة كونية من الأضواء السحرية والوحوش الطيفية الراقصة، احتفالا صاخبا ومهيبا يليق بإمبراطورية تدعي أنها ستحكم العالم، بينما كان تشانغ يقف مراقبا لكل شيء بعينيه المتعبتين، عالما أن هذا الجمال ليس سوى الهدوء الذي يسبق العاصفة الحقيقية، عاصفة ظهور والده.

2026/01/08 · 39 مشاهدة · 1104 كلمة
Moncef_
نادي الروايات - 2026