الفصل ثمانمئة واثنان وتسعون : حقبة نيرو الشريرة (1)
________________________________________________________________________________
كانت ذاكرة بعيدة، بل مظلمة.
سخر نيرو وهو يراقب سلفه، الإمبراطور الغبي والقاسي، يلتهم جثث ذكور آل روزهارت. لقد اصطادهم مع بعض نبلائه رفيعي الشأن الموثوق بهم. كان من المثير للسخرية كيف يتظاهر أولئك الأوغاد الحقيرون بالرقي، بينما يلتهمون اللحم البشري بآداب مائدة أنيقة.
[كم هو متكلف.]
لم يكن هناك ذرة من الأناقة في طريقة ضحك الإمبراطور الغبي والنبلاء وهم يأكلون اللحم البشري.
[لماذا قد يأكلون لحم ذكور آل روزهارت أصلاً؟]
بالطبع، لقد شاهد أيضًا كيف اصطاد الإمبراطور الغبي ورفاقه ضحاياهم قبل ذلك. لم يشعر بأي شيء حقًا سوى الفضول. لكن كان من الغريب حقًا رؤية الاختلاف بين سلفيه.
إمبراطور آل موناستيريون كان المفترس، وذكور آل روزهارت الفريسة.
[دماؤهما تجري في عروقي.]
“أرجوك… ساعدني…”
همم؟ فوجئ نيرو حين رأى أحد ذكور آل روزهارت، والذي بدا في الخامسة عشرة أو السادسة عشرة من عمره، يختبئ تحت الطاولة بينما ينظر إليه.
[هل يمكنه رؤيتي؟]
“لا أ-أريد أن أموت… ليس بهذه الطريقة، على الأقل… أريد أن أموت بأكثر الطرق وقارًا!”
أمال نيرو رأسه إلى جانب واحد، ثم قال: “لسوء حظك، أنا مجرد متفرج هنا. لا أستطيع تغيير الماضي، فهذه مجرد ذاكرة بعيدة لشخص آخر.”
انفجر الفتى الشاب، الذي ذكّر شعره الوردي وعيناه الزرقاوان نيرو بوالدته، باكيًا بيأس. حينها أدرك نيرو أن هناك شيئًا خاطئًا حقًا في دماغه.
[أظن أن نيوما والآخرين لم يكونوا يمزحون عندما قالوا إني وغد مجنون قاس القلب.]
لم يتمكن من الشعور بأي شيء بينما يراقب فتى آل روزهارت الصغير يبكي. ولا حتى عندما كان يرى أسلافه يُصطادون، أو عندما بدأ الإمبراطور الغبي والنبلاء يلتهمون لحم ذكور آل روزهارت. إلا أنه لم يكن شخصًا لا يعرف كيف يحب أو يُحَبّ.
“المشكلة أن قلبي صغير،” قال نيرو وهو يجثو أمام فتى آل روزهارت الصغير الذي كان يبكي بيأس أمامه. “نيوما قد شغلت أكثر من نصف قلبي بالفعل. ولأكون منصفًا، لم أفسح مجالًا لوالدتي ووالدي إلا مؤخرًا، وكذلك لهانا.”
داليا كانت دائمًا في زاوية من قلبه، لكنه لم يجرؤ على قول ذلك بصوت عالٍ.
“ليس وكأنني غير قادر على حب الآخرين،” تابع نيرو. “أنا فقط أفتقر للتعاطف، فلا تتوقع مني أن أتعاطف مع غرباء التقيت بهم للتو – حتى لو كان من المفترض أن يكونوا أسلافي. أنا من النوع الذي يهتم فقط بأحبائه، وهم قلة.” [ ترجمة زيوس] ارتعد فتى آل روزهارت الشاب، الذي كان يسمعه بوضوح، وهو يرمقه بنظرة تقول إنه مجنون.
“لا تفهمني خطأ. حتى لو لم أكن قادرًا على حب الناس على الفور، ما زلت شخصًا مسؤولًا،” قال نيرو. “أنا قادر على الاهتمام بالمواطنين الذين يعيشون في الإمبراطورية. وبالتالي، سأبذل قصارى جهدي لحمايتهم ومنحهم حياة مريحة بمجرد أن أصبح الإمبراطور. فنيوما تحب الناس، بعد كل شيء.”
بدا فتى آل روزهارت الشاب وكأنه يتساءل من تكون نيوما هذه بحق السماء.
“آه، نيوما هي أختي التوأم. إنها أروع شخص في عالمي،” قال نيرو، سعيدًا بالحديث عن نيوما. لم يكن يحب التحدث إلى الغرباء، لكنه لم يمانع إذا كان الموضوع أخته التوأم الثمينة. “أنت ترى، أريد أن أكون الشخص الذي تسمح له نيوما بالبقاء بجانبها. إنها تعلم أن لدي بعض الأفكار الغريبة، لكنها ما زالت تحبني. لذلك، أحاول التظاهر بأنني طبيعي قدر الإمكان أمامها.”
هذه المرة، كان فتى آل روزهارت الشاب ينظر إليه وكأنه أصابه الجنون لتحدثه عن شخص لم يكن موجودًا حتى.
“لو كانت نيوما هنا، لكانت قد فقدت عقلها بالفعل على الأرجح،” قال نيرو، وقد بدا جادًا هذه المرة. “لا أستطيع الشعور بأي شيء الآن، لكن يمكنني تخمين شعور نيوما لو كانت هنا. وسأبني أفعالي على رد فعلها المتوقع.”
وإذا كانت أخته التوأم هنا، كان نيرو متأكدًا من أنها ستصرخ طلبًا للعدالة والانتقام.
“نيوما لا تنسى الإهانات، لذا أنا متأكد أنها ستصرخ بسيل من الشتائم بينما تقسم على الثأر لأرواحكم المسكينة لو كانت مكاني. لا أعلم لماذا تُهدر أختي التوأم مشاعرها على أناس لا تعرفهم شخصيًا، لكن من أنا لأشكك في مشاعرها؟ فكمية تعاطفها السخيفة مع الغرباء هي إحدى الأشياء التي أحبها فيها على أي حال.”
فتح يده، مستحضرًا بصمت زيرو – طائره الفينيكس الجليدي.
“نادرًا ما أغضب – لكنني دائمًا ما أرد الدين للأشخاص الذين أساءوا إليّ وإلى نيوما،” قال نيرو، قابضًا على الخنجر الجليدي الذي تجسد من العدم. “لذا، باسم أختي التوأم الطيبة، سأنتقم لذكور آل روزهارت.”
ثم طعن فتى آل روزهارت الشاب في عينه بخنجره الجليدي. وكما هو متوقع، لم يصرخ الفتى. ففي النهاية، كان فتى آل روزهارت الشاب مجرد دمية تهدف إلى استحضار مشاعر نيرو التعاطفية في محاولة فاشلة لجعله يفقد عقله.
قد يكون لديه عقل غير مستقر، لكن قلبه لم يكن ضعيفًا.
“لو أردت أن تجعلني أفقد عقلي، كان عليك أن تستخدم نيوما لإثارتي،” قال نيرو ضاحكًا وهو يسحب الخنجر الجليدي. تناثر الدم عليه، لكنه لم يكترث لأنه كان يعلم أن كل شيء مجرد وهم على أي حال. “سأفقد عقلي بكل سرور وأُطلق الجحيم على عالم البشر من أجل أختي التوأم.”
“ما دامت ليست نيوما، لا أهتم بمن يموت أو كيف يموتون.”
شعرت داليا بقشعريرة تسري في عمودها الفقري، ولعنة تتسرب من عقلها رغم أنها لم تكن معتادة على الشتم.
'الأمير نيرو… وغد قاس القلب…'
ظنت أن قسوة ولي العهد الرسمي قد انتهت. لذا، فوجئت عندما ظهرت مئات – لا بل آلاف الخناجر الجليدية فجأة من العدم.
كان زيرو، الفينيكس الجليدي، معلقًا في الهواء فوقهم مباشرة.
ازدادت داليا توترًا عندما رأت الأمير نيرو يمسك خنجرًا جليديًا طويلًا في كلتا يديه. “الأمير نيرو، ماذا تحاول أن تفعل؟” كان من النادر رؤية ولي العهد الرسمي يستخدم سلاحًا في قتال.
'غالبًا ما يقاتل آل موناستيريوس بقبضاتهم أو بـ وحوش الروح خاصتهم.'
“لا أستمتع بالقتال بالأسلحة حقًا، لكن أبي علمني أن أكثر الطرق متعة لسحق أعدائك هي طعنهم في القلب،” قال الأمير نيرو بلا مبالاة، دون أن يرمش بعينيه الحمراوين المتوهجتين الآن. “قد ترغبين في استخدام حاجز لحماية نفسكِ من تناثر الدماء الذي سيحدث في غضون ثلاث ثوانٍ.”
“ماذا…؟”
قبل أن تتم داليا سؤالها، بدأت السماء تمطر دماءً حقًا. تبع ذلك صرخات الوحوش المحيطة بهم. على الرغم من أن الأمير نيرو حذرها من احتمالية تلطخها بالدماء، إلا أن ذلك لم يحدث لأن ولي العهد الرسمي صنع لها حاجزًا رقيقًا من الجليد.
ومع ذلك، كان الحاجز شفافًا. لذا، رأت كيف قتلت خناجر الأمير نيرو الجليدية الوحوش من حولهم بلا رحمة.
“أ-الأمير نيرو، نحن هنا لإنقاذهم!” صرخت داليا عندما استفاقت من ذهولها، ثم ضربت يديها على الحاجز الجليدي الذي يفصلها عن الأمير نيرو. “لماذا تقتل وحوش الروح التي كان من المفترض أن نحررها؟!”
“هذا بالضبط ما أفعله.”
لم تفهم داليا ما قاله ولي العهد الرسمي للتو، ولم تُتح لها الفرصة لطلب تفسير منه. ففي النهاية، كان الأمير نيرو قد اندفع بالفعل نحو شبيه نيرو روزهارت.
ثم شهقت مما رأته بعد ذلك.
طعن الأمير نيرو شبيه نيرو روزهارت بوحشية مرارًا وتكرارًا. بالطبع، حاول الشبيه التملص والدفاع عن نفسه من هجمات ولي العهد الرسمي التي لا تعرف الرحمة، لكن دون جدوى لأن صاحب السمو الإمبراطوري كان أقوى وأسرع.
وكان الأمير نيرو يضحك بينما يتناثر الدم عليه. ارتعشت داليا أمام هذا العرض الصارخ لقسوة الأمير نيرو.
'هل الأمير نيرو وجنونه هما الكارثة الثالثة الحقيقية التي يجب أن نوقفها…؟'