الساحة كانت صامتة بشكل يخنق الهواء. ليس هدوءً عادياً، بل شعور بأن كل شيء مؤجل، كل شيء في انتظار اللحظة التي تكشف عن الفوضى المخفية تحت النظام.
زيكرو وقف بثبات، خطواته محسوبة، جسده متوافق مع كل قاعدة يعرفها نظام الاستجابة. كل حركة، كل وزن، كل لحظة… كانت محسوبة بدقة.
على الطرف الآخر، أوزوكي واقف، جسده يبدو هزيلاً، لكن العينين مظلمتان كالفراغ، بلا أي أثر للخوف أو الألم. لا موهبة، لا رابط بالنظام، لا هدف… مجرد جسد يختبر الهواء، يختبر الزمن، يختبر كل ما لا يُقاس.
وفي ثوانٍ معدودة، شعر زيكرو بشيء غريب يمر عبر جسده. قشعريرة سريعة، غير مفهومة، كأن الهواء حول أوزوكي أصبح أقدم، أعمق، خارج كل قوانين النظام. النظام لم يُنبّه، ولم يمنح إشارة، لكنها شعرت بها كل خلية في جسده.
الاشتباك بدأ.
زيكرو هاجم، خطوة دقيقة، ضربة محسوبة لكل زاوية، لكل مسافة. الضربة الأولى أصابت أوزوكي، جسده انزلق قليلاً، العصا انزلقت من يده، لكن الأهم… الروح لم تهتز .
الجمهور تجمد، بعضهم مذهول، بعضهم ساخر، لكن جميعهم شعروا بالفراغ الذي يحيط بأوزوكي، الشيء الذي لم يستطع أحد تفسيره .
زيكرو شعر بارتعاشة جديدة، لم تكن جسدية، بل إحساس داخلي بالخلل. ليس قوة، ولا تقنية، بل اختلاف كامل عن كل ما يعرفه . أي نظام، أي مرحلة، أي قاعدة… كأنها لم تعد موجودة هنا.
الضربة الثانية جاءت على الذراع. الطَقّ كان واضحًا، اليد المصابة انحرفت، تظهر الكدمات التي تحكي آلاف المعارك، آلاف الموتات، آلاف الصدمات. العصا سقطت، لكن أوزوكي لم يصرخ، لم ينهار، ذراعه معلقة في الهواء… جسد يتجاهل الانهيار، وعقل بلا استجابة.
ثم تحرك. خطوة واحدة، تلقائية، قبل أن يفكر العقل أو يوجه النظام. العصا السوداء في يده انتقلت في الهواء بدقة قاتلة، نقطة لم يتوقعها أي عقل، أي تقنية، أي مرحلة… طعنة مفاجئة، صامتة، في قلب الحسابات.
زيكرو تراجع خطوة واحدة، خطوة واحدة فقط، لكنها كشفت أمام الجميع أن ما يقف أمامهم لا يمكن قياسه، لا يمكن فهمه، لا يمكن التنبؤ به .
النظام، أخيرًا، تحرك… متأخرًا، مترددًا. الضرر تجاوز الحد الآمن. العجز عن الاستمرار.
الضجيج بدأ، ضحكات، سخرية، أشياء تُرمى باتجاه أوزوكي. لكن فجأة، تغيرت الحرارة. جدار جليدي هائل تشكّل، فاصل، قاسٍ حتى للعظام، يقف بين أوزوكي والجمهور.
إيريس وقفت صامتة، عينها جامدة، بلا أي إحساس بالشفقة أو الغضب. شينا تقدمت خطوة، عيونها مليئة بالفضول والغموض، تبحث عن شيء لا يعرفه أحد.
“من أنت؟” لم يكن سؤال شفقة، بل بحث عن سر يفوق كل القوانين .
إيريس قالت ببرود: “انتهى. لا مكان لك هنا بعد الآن.”
أوزوكي لم يرد، ذراعه المصابة بقيت معلقة، العصا السوداء في يده الأخرى مستقرة. استدار، مشى بخطوات صامتة، تاركًا الساحة فارغة، لكن حضوره… حضوره كان أكثر من أي قوة، أكثر من أي نظام، أكثر من أي مرحلة.
شينا لم تتحرك، لم تتحدث، لم تشعر بالخوف أو الحزن. الفضول استولى على عقلها، رغبة في فهم شيء غريب، شيء خارج كل القيود.
إيريس نظرت إليها وقالت: “لا تنتظر شيئًا. هذا المكان ليس له مثله.”
الجميع بقي صامتًا، لكن الكتلة الغريبة التي تركها أوزوكي ما زالت تثقل الساحة، كما لو أن الفراغ نفسه قد ترك أثره العميق على كل من حضر.