اليوم التالي بعد القتال كان هادئًا بطريقة مخيفة. في أكاديمية السماويين، كانت الجريدة الصباحية تنتشر في كل زاوية. عنوانها الرئيسي يهز القلوب بطريقة ساخرة: "فصل النخبة يسقط أمام زيكرو فيلي: الجسد المكسور بلا فرصة" .
الطلاب قرأوا العنوان وهم يضحكون، يهمسون بسخرية حول أوزوكي. تحدثت الصفحات عن جسده المكسور، عن عدم استجابته لنظام القوى، وعن دخوله الفصل بناءً على علاقات والده، كما لو أن العالم كله قرر أن يقلل منه.
أوزوكي لم يسمع، ولم يتحرك. في منزل بالٍ، خالٍ من أي حياة، جلس على أريكة ممزقة، بين الغبار والأثاث الصامت. العالم خارج الجدران لم يكن مهماً، الضحك، الصراخ، السخرية كلها انعكست بعيدًا عن مسامعه.
عقله كان فراغًا ممتدًا، ممتلئًا بأسئلة لم يجد لها إجابة: لماذا أنا هنا؟ لماذا يرفضني القدر؟ لماذا العالم يمر دون أن يرى الحقيقة؟
حتى جسده لم يعد يستجيب مثلما كان. لم يشعر بالجوع، ولم يحس بالتعب، لم يتحرك إلا حين أنذار بسيط من النظام الذكي في المنزل دفعه لإعداد وجبة سريعة. أكل مباشرة، بلا تفكير، بلا شعور، بلا أي اهتمام بحرارة الطعام أو طعمه.
ساعات النهار مرت بلا معنى. الضوء تغير، والأصوات تغيّرت، لكنه لم يلتفت. كل شيء كان يتحرك حوله كأن العالم كله مشهد خلف زجاج لا يلمسه، بينما هو جالس في فراغه الخاص.
ثم، فجأة، دفعه شيء غريب إلى الخروج. نهض، أخذ عصاه، وبدأ يمشي بلا وجهة، بلا هدف، بلا توقعات. المشي كان طويلًا، كل خطوة كانت تثقل عقله، كل نفس يلتقطه كأن الهواء نفسه ثقيل.
وصل إلى جرف مرتفع. جلس، دون أن يخطط لذلك، أو حتى يفكر بالسبب. الفراغ كان كاملاً، لا فرح، لا خوف، لا ألم، مجرد… وجود.
ثم جاء الصوت، هادئًا، غامضًا، لكنه يملأ عقل أوزوكي:
"آه… أنت مرة أخرى. كيف وصلت إلى هنا؟"
أوزوكي لم يرد. الفتاة الصغيرة، شعرها أسود وعيونها حمراء، لم تكن موجودة على الجرف، ولم تلمسه، لكنها حاضرة كصدى داخلي.
"لا تتجاهلني."
كلماتها لم تحمل تعاطفًا، ولا خوفًا، ولا حزنًا. كانت مجرد مرافق لأفكاره، انعكاس لفراغه النفسي، وفهم صامت لما هو عليه.
"الكل يقاتل. الكل يتدرب. ولا أحد يعرف لماذا."
أوزوكي لم يحرك ساكنًا. كانت الفتاة تتفق معه، بلا كلام كثير، بلا نصيحة، بلا مشاعر مزيفة. تحدثت بابتسامة خفية، شبه ساخرة:
"القوة؟ مجرد وسيلة ليقنعوا أنفسهم أن لحياتهم معنى. العجوز لا يريدك في المنزل. النظام لا يريدك. المدرسة لا تحتاجك. وأنت… لا تبدو راغبًا في أي شيء."
سكتت قليلاً، ثم قالت:
"الطريق طريقك. ربما لا يوجد هدف، وربما هذا ليس خطأك."
أصبحت كلماتها مثل صدى في رأسه، لا تطمئنه، ولا تسيطر عليه، لكنها تعكس فراغه بالكامل .
"بالمناسبة… كيف وصلت إلى هنا؟ ألست أعمى؟"
أوزوكي جلس في صمت. الفتاة اختفت ببطء، كأنها لم تكن موجودة إلا لتسمع أفكاره، لتوافق على فراغه، لتتركه مع نفسه.
الليل مر ببطء. أوزوكي عاد إلى منزله دون وجهة. جلس، ولم يتحرك. لم يأكل، لم يشرب، لم يفكر. كل ما تبقى هو الفراغ، والأسئلة التي لا تنتهي: لماذا القتال؟ لماذا القوة؟ لماذا النظام؟ لماذا أنا منبوذ؟ ولماذا الحياة مستمرة بلا سبب؟
اليوم انتهى كما بدأ، بلا أي تغيير. الفراغ بقي، والوجود بقي، وأوزوكي بقي. وجلس هناك، في صمت العالم كله، مهملًا، غريبًا، وكأن الكون بأكمله يراقبه بلا قرار .