ارتفعت السيوف في آنٍ واحد، وتوقّف كل شيء حولهما للحظةٍ ثقيلة، وكأن العالم نفسه تراجع ليراقب هذه المواجهة.
وقف كيلر والفتاة في مواجهة مباشرة، أعينهما متشابكة بثبات، لا أثر للخوف على أيٍ منهما، بل على العكس تمامًا، كان كلاهما جادًا بشكلٍ غير طبيعي، وكأن هذا القتال لم يكن مجرد صراع… بل قرار.
وفي داخل كلٍ منهما، كانت هناك أصوات لا تُسمع.
اشتعل الغضب داخل الفتاة، وتحدثت إلى نفسها بحرقة واضحة:
"كيف يجرؤ هذا اللص العفن على مخاطبتي بهذه الوقاحة؟!"
"سأعلمه درسًا لن ينساه، ولن يجرؤ بعدها على رفع صوته أمامي!"
"كيف يتجرأ على أميرة مثلي؟!"
لم يكن غضبها مجرد انفعال، بل كرامة مجروحة ترفض أن تُهان.
أما كيلر، فكان ينظر إليها بنظرة مختلفة تمامًا، نظرة تمزج بين الاستهزاء والاهتمام.
"ما هذه القزمة التي تشبه الدمية؟"
"لا خوف… بل تحدٍ مباشر؟"
ظهرت ابتسامة ساخرة على شفتيه، وكأن الموقف بدأ يثير فضوله.
"حسنًا… سألهو قليلًا."
لكن في لحظةٍ غير متوقعة، تغيّر كل شيء في ملامحه، وكأن قناعًا سقط فجأة.
تحولت عيناه من الأحمر الدموي إلى سوادٍ عميق، يشبه ثقبًا لا يعكس الضوء بل يبتلعه، وخرج صوته أجشّ وغريب، يحمل شيئًا غير بشري:
"إن شعرت بالملل… فسأسحقك."
لم يكن مجرد تهديد عابر، بل بداية سلسلة أفكار مظلمة بدأت تتدفق داخل عقله.
"سأشلّ جسدها أولًا، ثم أتركها تتألم دون رحمة."
"سأمزق أطرافها قطعةً قطعة، ولكن بطريقة لا تقتلها."
"سأعلقها على شجرة، وأجعلها تنتظر موتًا لن يأتي."
اتسعت ابتسامته بشكلٍ مرعب، وكأن هذه الأفكار تمنحه متعة خفية.
"سأكسر عقلها… سهمًا بعد سهم، حتى تفقد كل ما تبقى منها."
ضحك بصوتٍ منخفض، لكنه مشوه ومزعج، كأنه خرج من عمقٍ مظلم:
"هه… هه… ههههههههههه…"
لكن أفكاره لم تتوقف عند هذا الحد، بل أصبحت أكثر قسوة وبرودًا.
"وإن لم تمت بعد كل هذا…"
"سأدع اثنين من أولئك الذين أرسلهم الإمبراطور لمراقبتي يتولون الباقي."
توقفت نظرته للحظة، ومرّ بها وميض إدراك.
"لا أقصد ذلك الأحمق الجالس على العرش… بل من يختبئ في الظلال."
"يظنني لا أعرف… يا له من أحمق."
عاد إلى أفكاره وكأن شيئًا لم يقطعه.
"سأجعلهم ينهون ما تبقى منها… ثم أقتلهم جميعًا بعد ذلك."
تنهد بخفة، وكأنه أنهى خطة عادية لا تحمل أي وزن.
"وسأخبر البقية قصة مناسبة… هجوم من نمر جائع، ماتوا وهم يقاتلون، وأنا أنهيت الأمر."
لكن في تلك اللحظة، انقطع كل شيء.
شعور خفيف… كأن هناك عينًا تراقب من بعيد.
تحركت عينا كيلر ببطء نحو الظلال، حيث كان شخص متخفي بإتقان، لكن الشارة على ملابسه كشفت هويته.
"تابع لها…"
وفي لحظةٍ واحدة، قمع كيلر تلك الغريزة المظلمة التي كادت تخرج عن السيطرة، وعادت ملامحه إلى البرود المعتاد، كأن شيئًا لم يحدث.
نظر إلى الفتاة، وابتسم ابتسامة مصطنعة، مليئة بالاستهزاء.
"ما بكِ؟ هل خفتِ من الأداة التي في جيبي؟ تلك التي تحمل هالة أشباح؟"
ثم أضاف بسخرية واضحة:
"يا أيتها النعجة الجبانة."
اشتعل غضب الفتاة فورًا، وانتفخ وجهها وهي ترد بتهكم واضح:
"من تقصد أيها الخروف ذو الشعر الأبيض اللعين؟!"
ثم أكملت بعناد وتحدٍ:
"لولا تلك الأداة التي ذكرتها، هل كنت سأخاف من أحمق مثلك؟!"
رفعت سيفها وانطلقت نحوه بسرعة، دون أي تردد.
لكن كيلر تصدى لهجومها بسهولة تامة، وكأن ما فعلته لم يكن يستحق مجهودًا يُذكر.
نظر إليها باستهزاء واضح، وقال بصوت هادئ:
"هل هذا كل ما تستطيعين فعله؟ أيتها الطفلة البكاءة."
صرخت الفتاة بغضب شديد:
"أنا لست طفلة يا شعر الخروف!"
في تلك اللحظة، تغيرت ملامح كيلر قليلًا، وظهرت عروق بارزة على وجهه، بينما اشتد صرير أسنانه.
"شعر… خروف؟"
تحرك بسرعة، وتفادى هجومها التالي، مما أفقدها توازنها، فسقطت أرضًا.
وقف فوقها، ينظر إليها من الأعلى بنظرة باردة تحمل تهديدًا واضحًا.
"هل تجرؤين على قول ذلك مرة أخرى… يا رأس الحبر؟"
امتلأت عينا الفتاة بالدموع، لكن الغضب ظل أقوى من ضعفها.
"سأقتلك… أيها الوقح!"
ثم، دون تردد، نزعت السلسلة من عنقها.
وفي اللحظة التي انفصلت فيها السلسلة…
انفجرت هالة قوية من جسدها.
كان لونها أزرق ساطع، عميق، وكأنها طاقة حية تحيط بها، تهتز معها الأرض ويضطرب الهواء.
تجمّد كيلر في مكانه، وهذه المرة لم تكن سخرية أو استهزاء، بل دهشة حقيقية لم يستطع إخفاءها.
"ما هذا…؟"
تدفقت في ذهنه ذكريات قديمة، من كتب مهملة في المكتبة الإمبراطورية، تتحدث عن قوى غير طبيعية.
هالة يستخدمها السيافون…
وسحر… تستخدمه فئة أخرى.
لكن ما يراه الآن…
كان أقرب إلى السحر الذي سمع عنه… وليس مجرد هالة عادية.
وفي تلك اللحظة…
تغير شيء داخل كيلر.
فجأة، تحولت عيناه مرة أخرى… إلى ذلك السواد العميق، وكأنهما ابتلعتا الضوء بالكامل.
نبض قلبه بقوة غير طبيعية.
ضربة…
ثم أخرى…
ثم أسرع.
وضع يده على صدره قليلًا، وعبس بحدة:
"ماذا… يحدث لي؟"
في لحظةٍ واحدة—
انفجرت من عينيه قوة سوداء.
قوة كثيفة… شريرة… كأنها ليست طاقة، بل كيان حي يزحف إلى الخارج.
اهتز الهواء حوله، وانخفضت الحرارة بشكلٍ مفاجئ، وكأن المكان نفسه بدأ يرفض وجود هذه القوة.
ثم…
اختفى كل شيء.
لم يعد يرى الغابة.
ولا الفتاة.
ولا العالم.
تم سحب وعي كيلر…
إلى مكانٍ مجهول.
ظلام.
لكن ليس ظلامًا عاديًا.
كان حيًا… يراقب… ينتظر.
وفي أعماقه…
كان هناك شيء.
شيء لم يُولد بعد.
أو ربما…
كان ينتظر أن يُستيقظ.