'مؤلم، مؤلم، مؤلم'
لا أستطيع التنفس
لا أستطيع أن أرى
'كيف انتهى بي الأمر هكذا'
سعل راي عدة مرات، سعل ما تبقى من قيء ولعاب، أنفه يسيل، دموعه تغطي رؤيته، ولا يزال يحاول الحفاظ على وعيه.
«نميو»
'أرجوك'
'فلينتهِ هذا فقط'
"كح كح كح... ححح"
سعل راي وحاول رفع رأسه، رفع يده، رفع أي جزء من جسده ليتأكد ما إن كان لا يزال يستطيع السيطرة على جسده.
لا استجابة.
فبدأت الرؤية تعود.. ببطء وتدريجياً.
ضبابية لكن استطاع أن يلاحظ المخلوق الصغير وهو يقترب.
يقفز، ثم يتوقف، ينظر إلى سائل أسود بفضول، ثم يقفز مجدداً ويقترب.
حاول راي التراجع، حاول الابتعاد لكن جسده لم يستجب.
الهروب.. ظل مجرد فكرة في رأسه.
اقتربت كرة الفرو، أخرجت لسانها الصغير، وأدخلته في المادة السوداء.
لم يفهم راي ما يراه ولم يرد أن يفهم.
أراد الابتعاد وهذا ما لم يحصل عليه.
توقفت كرة الفرو ثم رفعت عينها، نظرة الفضول اختفت وتم استبدالها بنظرة متحمسة.
«نميو» «نميو» «نميو»
نادت عدة مرات وهي تقفز، فتوقفت باقي المخلوقات عن فحص راي، نظروا لرفيقهم ثم بدأوا بالاقتراب.
تبادلوا النظرات ثم تقدم أحدهم وفعل نفس الشيء قبل أن يصرخ بحماس.
في تلك اللحظة توقف عقل راي للحظة.
الدهشة، الارتباك، الخوف، اختفى كل شيء وانقلبت عيونه فسقط على الأرض مغشياً عليه.
«نميو» «نميو» «نميو» «نميو»
جذب صوت السقوط انتباه كرات الفرو.
للحظة قصيرة ثم تحول إلى مادة سوداء.
دقائق فقط وتم تنظيف المكان، لكن نظرة الحماس لم تختفِ بل تحولت إلى المصدر.
إلى الجسد الساقط على مقربة منهم.
نظروا لبعضهم البعض ثم تقدم أحدهم.
ارتعش فروه ثم تحول إلى إبر حادة، نبتت وانطلقت واخترقت ملابس راي وصولاً إلى الجلد.
ارتجف جسد راي لكن... لم يستيقظ.
فاستعادت كرة الفرو فروها.
نظرت للباقي وأكدت شيئاً.
فتكرر المشهد.
ليس واحداً أو اثنين هذه المرة.
نزلت آلاف الإبر في نفس الوقت على جسد راي واخترقت جلده حتى أجبره الألم على الاستيقاظ.
جسده يفتقد شيئاً.
كان يشعر بذلك، لكن كان ينظر فقط دون أن يستطيع استيعاب ما يحدث أو حتى الدفاع ضده.
انخفضت كتلة جسده، بدأت عضلاته الضعيفة تفقد حجمها وتتقلص بسرعة كبيرة وكسر.
«خطوة»
خطوة كسرت الجو وأجبرت "النيكو" على التوقف.
تردد صوت خطوة.. بطيئة هادئة كما لو أنها غير مقصودة.
«خطوة»
ثم صوت جر المعدن خلفها.
توقفت كرات الفرو واسترجعت فروها بسرعة ونظرت بنفور إلى مصدر الصوت، فسقط جسد راي مكانه يحاول أن يشهق ويزفر بعنف يكاد يفجر صدره.
لا يرى شيئاً.
لا يسمع شيئاً.
لكن يدرك أن شيئاً ما قد توقف، فركز وهو يحدق في السقف على التنفس.
«خطوة»
وهذه المرة أقرب.
وصوت جر المعدن أعلى.
لم تنتظر كرات الفرو لترى المصدر، تحركت، بدأت في القفز، ببطء، وتعبيرها منزعج أكثر منه خائف.
تذمرت ودخل الأول إلى الماء، فتحركت البقع البيضاء مستشعرة الدخيل.
لاحظت كرة الفرو القنديل الذي يقترب فتحولت عيونها من النفور إلى الفضول.
ظلت تنظر.. تحدق.. تحلل.. تحاول الفهم.
بينما اقترب القنديل ببطء، جهز مخلبه ثم هاجم هجوماً مباشراً اخترق عين كرة الفرو وصولاً إلى الداخل.
موت فوري.
ولم يتوقف.. بل تحرك واتبع مخلبه وبدأ يدخل ويتطفل على جسدها من خلال الجوف الصغير.
ولم يكن الوحيد.
بدأت سقوطاً متسلسلاً لكرات الفرو تحت يد القناديل، لكن رغم ذلك لم يتوقف الباقي ولم تتباطأ حركتهم ثم فجأة ودون سابق إنذار.
«باااا»
انفجار داخل الماء.
أول كرة فرو ماتت، انفجر جسدها وطرد القنديل بعيداً.
وقبل أن يهدأ الانفجار ظهرت مزيد من كرات الفرو ومرت واستمرت بالتقدم بنفس النبرة الفضولية.
ومن خلف الكريستال خرجت مزيد من كرات الفرو ومرت قرب راي الذي تمكن من استعادة جزء من وعيه، ولاحظ أنها تتوجه إلى النهر.
تنفس وحاول استيعاب الوضع قبل أن تتردد أصوات انفجارات واحدة تلو أخرى داخل الماء.
وبأعين متعبة، وجفون ثقيلة، حاول جمع أفكاره وكلما اجتمعت فكرة انكسرت.
ثم شهيق عالٍ.
رائحة مقرفة.
رائحة تشبه البيض الفاسد، وتراب القبور المبلل.
أعادت قوة الرائحة وعي راي على الفور.
رفع رأسه ونظر إلى اتجاه معاكس لهروب كرات الفرو.
صوت جر المعدن.
وشيء ما قادم.
دون تفكير زائد ودون تردد.
أجبر راي جسده على الانقلاب على ظهره ثم بدأ بسحب نفسه مبتعداً.
لا يهم ما هو قادم.
الانتظار حتى يظهر لم يكن خياراً.
إذا لم يتمكن من التحرك فالزحف لا يزال خياراً.
لا يهم أين.
فقط بعيداً عن مصدر الصوت.
لكن ليس الماء.
بدأ بالزحف، يسحب جسده بأظافره وهو يضغط على أسنانه، بينما الثقوب في كل جزء من جلده كانت لا تزال تنزف.
'أرجوك'
«خطوة»
وهذه المرة كانت واضحة.
والمصدر... كان واقفاً أمام ضوء الكريستال فانعكس ظله على الأرض وعلى جسد راي بالكامل.
لم يظل وحشاً.
بل بشرياً.
وبدون تفكير استدار راي ليتأكد حاملاً بعض الأمل.
فقط.. لينهار تعبيره بالكامل.
شيء يشبه البشر، ولم يبقَ على جسده سوى جلد متعفن... مثل الورق القديم المحترق.
جلد مدبوغ، جفت ألوانه وتحول إلى الرمادي.
عظام ظاهرة وأعضاء متآكلة.
وملامح مشوهة.
وخلفه معول قد فقد حدته.
«خطوة»
تقدم... خطوة واحدة وبطيئة.
أيقظ الصوت والرائحة وعي راي ليفقد وجهه كل ألوانه.
نظر بسرعة إلى الأمام وزحف.
حاول حتى الوقوف.
جسده وعقله كلاهما اتفقا على شيء واحد:
'اهرب'
دفع راي نفسه بسرعة نحو النفق المظلم على الجانب.
لم يعلم متى ظهر أو كيف ظهر أو حتى إن كان هناك من قبل أصلاً.
وهمٌ أو أياً يكن.
دون تردد رمى نفسه في ذلك الظلام وزحف بسرعة عبره.
«خطوة»
واستمرت الجثة بالتحرك ناحية النهر متجاهلة وجوده تماماً.
رفعت الفأس.
بهدوء متباطئ ثم أنزلته بقوة غير طبيعية لتخترق رأس إحدى كرات الفرو، فاهتز المكان من قوة الضربة.
لم يتوقف راي لينظر.
استمر بالتقدم في الظلام بينما استمرت أصوات انفجارات خلفه، حتى ظهر ضوء على جانب آخر.
ثم انفجار آخر هز قلبه هذه المرة.
'ري'
استمرت الأفكار تدور.
فوضوية لكن صوتها كان الأمل الوحيد وسط هذا الظلام.
ولم يستمر هذا الظلام طويلاً.
ظهر المخرج فأسرع راي بجر نفسه.
بطيء لكنه يتقدم.
بضعة أمتار زحفها شعر كما لو أنها استمرت إلى الأبد.
ثم خرج... ضوء ورائحة متعفنة قد اختفت، فلم يلحق تعبيره يتغير حتى تجمد مكانه.
لم يحتج لفحص المكان على هذا الجانب ليفهم.
المكان مغلق... كان واضحاً.
وهذا كان آخر شيء يحتاج للاهتمام به.
ابتلع ريقه واختفت كل فكرة يستطيع التفكير بها وهو ينظر إلى قطيع من الذئاب السوداء تنام بهدوء.
ذئب؟ ... أو يشبه الذئب.
فتح أحدها عينه بهدوء قبل أن يرفع رأسه وينظر إلى راي مباشرة.
شخص مرتبك يحدق في فراغ بيأس.
ارتجف جسده عندما لاحظ نظرة الذئب.
ثم حاول التراجع لتصطدم قدمه بجدار.
نظر إلى الخلف وإذ بالمدخل الذي أتى منه قد اختفى.
النفق اختفى.
وقف الذئب ببطء، ثم تحرك، قفز إلى أسفل بخفة ومرونة وصولاً إلى الأرض، وطيف من ظلام يتبع ذيله.
ثم نظر إلى راي واقترب ببطء.
ولم يكن لخطواته صدى.
حدق راي في الذئب وتوقف عن التنفس.
خطوة تتقدم أخرى.
اقترب الذئب حتى وصل أمام وجه راي مباشرة وقرب أنفه، وكانت تلك العيون الزرقاء تنعكس مباشرة على عيون راي الذهبية.
وعندما كاد أنف الذئب يلمس أنف راي توقف الذئب، ولم يجرؤ راي في تلك اللحظة حتى على الارتجاف..
فقط... انتظر.
لكن لم يحدث شيء، توقف الذئب فجأة ورفع رأسه جانباً، نظر إلى القطيع ثم عادت نظرته إلى راي وقام بلعق وجهه قبل أن يستدير ويعود إلى منطقته.
عاد، فتح فمه، وأطلق لهباً أسود بينما يدور في مكانه قبل أن يجلس فوق اللهب وينام.
وظل راي مرتبكاً.. في مكانه.
لم يفهم.. لكن ترك أنفاسه تخرج على الأقل.
__________
نهاية الفصل
__________