​التوهج الحيوي، ما يُطلق على ممرات طبيعية تحت الأرض.

​تراجعت الجدران الضيقة لتكشف عن نفق صخري هائل، يمتد عرضه لمئات الأمتار وكأنه حُفر بيد العمالقة.

​زهور وأعشاب ملونة، مبهرجة، تزين جدرانه وتنعكس بأضوائها المتلألئة على سطح البركة الهادئة.

​حفيف...

​كسر صمت المكان حفيف عابر.

​خافت لكن مسموع.

​من بين الصخور وعلى حافة البركة خرج مخلوق صغير.

​كرة من الفرو الأسود بعيون كبيرة من المفترض أن تناسب جسدها، وشوارب أكبر تخفي أسنانها..

​قفزة... ثم أخرى.

​اقتربت من الماء بقفزات بطيئة، محسوبة، وامتص فروها أغلب الصوت، وامتزج الباقي مع رياح عابرة.

​«نميو» «نميو» «نميو»

​اقترب من النهر يكرر، ثم أخرج لسانه الصغير قبل أن يصل إلى الماء فتحرك فروها مع الرياح.

​لاحظ ذلك فتوقفت.

​أعاد لسانه.

​شيء غير طبيعي.

​شيء يكسر سكون هذا المكان.

​بفضول رفع عينه، وحدق في السقف، فأمال رأسه.

​«نميو؟»

​لم يهرب، لم تشعر بالخوف، فقط لمعت نظرة من الفضول في عينيه وهو يرى كرة من الضوء القرمزي تشق الفراغ فوق البركة.

​ومن الضوء تجسد جسد بشري.. وسقط.

​اختفى الضوء وسقط الجسد في الماء فطرطش في المكان وصولاً إلى كرة الفرو.

​تبلل فروها فغطى عينها.

​بصمت.. نظرت من بين فروها إلى الشخص الملقى في البركة ثم حركت جسدها بالكامل لتطرد الماء ثم نادت:

​«نميو»

​"كح كح كح"

​دفع راي نفسه ثم سعل عدة مرات وهو ينهض من الماء،

​البركة ليست عميقة.

​فتح عينه مرتبكاً فلاحظ البقع البيضاء التي حمته من الاصطدام بصخور صلبة.. ناعمة وإسفنجية.

​«نميو»

​صوت قريب جذب انتباهه.. حول انتباهه، نظر جانباً فرأى مخلوقاً ينظر له بفضول وهو يميل رأسه.

​"وحش؟" تساءل راي ثم توقف.

​شيء يندفع من داخله.

​رفع رأسه للحظة وانتفخت خدوده فانحنى ثم تقيأ.

​على حافة النهر لاحظ ذلك المخلوق الاضطراب.

​ولم يكن الوحيد.

​من بين الصخور خرج المزيد من نوعها.

​بفضول ينظرون لنفس المكان.

​بشري يتقيأ مرتين قبل أن يمسح فمه ويرفع رأسه يحدق بهم بعيون مرتجفة، ثم يغير نظرته ويحاول فحص المكان قبل أن ينكمش تعبيره ويغطي أنفه بسرعة منزعجاً من الرائحة.

​ثم عاد لينظر إليهم.

​لاحظ ما ينظرون له وتوسعت عينه قبل أن تضيق.

​'ما تلك الأشياء؟' سأل راي نفسه.

​'وأين أنا على أي حال؟'.

​جدران، جدران، ومزيد منها.

​ابتلع ريقه فشعر بحرقة قيء.

​تجاهلها وأعاد تغطية أنفه.

​'هل... دخلتُ إلى الهرم المقلوب؟' سأل راي نفسه.

​.... ذلك الظل.

​متذكراً صدر الظل يتم اختراقه، زاد عبوس وجه راي.

​توقف راي عن التفكير وزفر: 'لا تفكر بالأمر كثيراً، دعنا نركز على الوضع الحالي'.

​'اهدأ'.

​'افعل ما فعلته عندما وجدت نفسك في عالم آخر؛ حلل، فكر وفكر، طالما تستمر في التفكير فلن تكون أبداً شخصاً أعزلاً'.

​كرر كلامه لنفسه حتى توقف جسده عن الارتجاف.

​ثم أخذ لحظة ليفحص الوضع من جديد: 'تلك الأشياء وحوش، صحيح؟'.

​مخلوقات الفرو التي تنظر له دون أن تتحرك.

​'شكلها مسالم... وأتمنى أن تكون كذلك'.

​'من أخدع... عندما كان يحذر ري الظلال من الهرم المقلوب، كانت نبرته جادة رغم قلة المعلومات التي قال إنه يعرفها عن الهرم'.

​'بافتراض أنني داخل الهرم، فلا يهم كم تبدو هذه المخلوقات... لطيفة... فمن الغباء أن أبقى هنا'.

​إذاً هل أهرب... أين؟

​هل يمكنني الهروب حتى؟

​'يجب أن يجد ري حلاً بسرعة، صحيح؟'.

​لكن لحظة.... ري..

​"لا أشعر به" ابتلع راي ريقه متجاهلاً الحموضة وأمسك صدره: 'لا أشعر برابط مع ري'.

​الظلال... أيضاً.

​«نميو» «نميو» «نميو» «نميو»

​ارتجف راي ونظر إلى تلك المخلوقات.

​لماذا بدأت تتحرك فجأة؟

​'اهدأ' نظر راي حوله، يميناً ويساراً، راحت عيونه الذهبية تفحص المكان بسرعة ثم توقفت.

​على جانب آخر هناك مخرج.

​وفي نهايته هناك ضوء ساطع.

​'إذا تمكنت من الوصول هناك'.

​"سسسسس"

​متألماً رفع راي يده بسرعة.

​شيء أبيض، خيط اخترق ظهر كفه لكن... ليس هناك ألم.

​نظر مرة.. ثم اثنتين.

​"قنديل؟"

​تلك أشياء بيضاء..

​'.. هل هو سام؟ هل القناديل سامة؟ هل هو قنديل أصلاً؟'.

​اهدأ...

​'فكر.. عليّ الخروج من الماء أولاً'. نظر راي حوله فلاحظ وجود المزيد منهم.

​'بسرعة.. لكن ليس من هناك'.

​'تحرك، انسَ أمر القنديل'.

​أمر راي نفسه بسرعة ثم وقف، فتأكد أن الماء ليس عميقاً، يكاد يغطي القدم.

​نثر يده فرمى القنديل الأبيض بعيداً.

​بدا أنه قد فقد حياته، وقبل أن يهتم راي بذلك، ضربت رائحة العفن أنفه مجدداً فغطى أنفه بسرعة، قبل أن يبدأ في الزحف مشياً بعيداً عن كرات الفرو.

​أسفل قدمه أصبحت القناديل واضحة.

​لكنها كانت صغيرة.

​صغيرة جداً، فرفع راي عينه وحاول تجاهلها بينما استمر شعور لسع خفيف، لكن حقيقة أنه يدوس على بعضهم كانت تجعله يتجاهل كل شعور آخر.

​ثم اخترق مخلب آخر قدمه متجاهلاً الحذاء.

​عبس راي وتوقف.

​«نميو»

​نظر راي خلفه عندما سمع صوتاً فعبس ونظر أمامه، على الجانب الآخر مباشرة.. ومن بين الصخور ظهرت كرة من الفرو أخرى.

​كانت تقف هناك منذ البداية تلتهم الصخور.

​بأسنان مرعبة بدأت تطحن الصخور بدون صوت، قبل أن تحول عينها نحوه لتتوقف للحظة عن المضغ، تحدق فيه، تفحصه، ثم تعود وتستمر في الأكل.

​'هناك واحد آخر على ذلك الجانب أيضاً'.

​'بالطبع... ولمَ لا يكون؟' لعن راي نفسه قبل أن ينظر حوله وهو يغطي أنفه.

​'اهدأ...' تثاقلت جفون راي دون أن يلاحظ للحظة، ثم توسعت من جديد وأمسك يده مبتلعاً ريقه.

​'اهدأ... هناك واحد فقط'.

​فحص المكان وأكد.. هناك واحد ولا يختلف عن الباقي بشيء، فحدق به راي لكن الأخير كان يتجاهله على عكس الباقي.

​'إذا لمستني تلك الأسنان...' توقف راي وشعر بضباب يغطي عينه.

​يائساً مسح عينه.

​'لا تيأس الآن' ذكر نفسه.

​نظر جانباً، هناك مخرج آخر.

​بعيد قليلاً ويتطلب تجاهل هذه القناديل لكن... 'يمكنني الوصول'.

​إنه الخيار الوحيد على أي حال.

​تراجع راي خطوة... ثم ثانية.

​ثم تسارع تراجعه.

​'دعنا لا نخاطر.'.

​خطوة، ثم أخرى.. يدفع بقدمه تلك الكرات البيضاء ويحاول تجنب الدوس عليها، وبسرعة أكبر تسارع وصولاً إلى جانب آخر.

​خرج من الماء وسقط على الأرض فوراً.

​"حسناً... لا بأس".

​تنفس بقوة ونظر إلى قدمه وقد اخترقتها عدة مخالب.

​لكن... لا ألم.

​تثاقلت جفون راي للحظة ثم عاد لفحص المكان بسرعة.

​تلك المخلوقات لم تكن موجودة على هذا الجانب.

​'أحتاج للخروج من هنا'.

​غطى راي أنفه وقام بسرعة متجاهلاً نزيف ثقوب صغيرة في قدمه.

​سار مسافة ثم بدأت خطواته تتثاقل قبل أن يصل إلى نهاية النفق.... مصدر الضوء.

​نفق آخر.

​جدران من الكريستال الأخضر.

​لحظة وصوله سقط راي على ركبته.

​وحدق في الكريستال بعيون فارغة.

​وفوق الكريستال آلاف من "نيمو" وربما أكثر، تكسر الكريستال وتتناوله.

​«نميو» «نميو» «نميو» «نميو» «نميو»

​ارتجفت أقدام راي لكنها رفضت التحرك.

​رفع عينه.

​'ماذا الآن؟'.

​هز راي رأسه وطرد الفكرة.. قبل أن ينتبه أن قدمه قد تخدرت.

​لا تتحرك.

​ابتسم ساخراً ثم عاد يحدق في تلك المخلوقات.

​'هل يمكنني قتلها؟'.

​لمعت عيون راي الذهبية بضوء قرمزي.

​'لا يمكنني الحركة.. لكن يمكنني القتال'.

​هل يمكنني النجاة أصلاً من هذا؟

​على الأقل دعني أقتل أحدها.

​'إذا كان الهرب مستحيلاً فسوف أقاتل'.

​لا يهم على أي حال... أشعر بالأسف على مورغانا لكن يمكنها تدبير الأمر بنفسها.

​'آااااااااه، سحقاً!'.

​لنفعلها.. لنأخذ أحدهم على الأقل.

​'تلك الأشياء يجب أن تموت على أي حال'.

​ابتلع راي ريقه ورفع عينه فأشرقت بضوء قرمزي.

​'هذا المكان اللعين، مهما كانت طبيعته فلن أستسلم الآن'.

​"لكن...." ابتسم راي ونظر إلى عيون كرات الفرو: "ألن يكون قتلهم ممتعاً؟".

​«نميو؟»

​مستشعرين اضطراباً توقفت عدة وحوش ونظرت ناحية الشخص الذي ينظر لهم بعيون ملتهبة.

​«نميو» «نميو» «نميو» «نميو» «نميو» «نميو»

​وتعالت أصوات فضول فبدأت في القفز ومحاولة الاقتراب منه بحماس.

​ارتجفت عيون راي لكن لم يتراجع تعبيره، أمسك صخرتين وشد قبضته بقوة.

​'هيا...'

​استعد راي وظلت كرات الفرو تقفز وتتسارع حتى اقتربت من الشخص العاجز عن الحركة... ثم توقفت.

​وفي آخر لحظة توقفت.

​نظرت إلى راي... دون أن تتحرك.

​واختفى تعبير راي المشوه أيضاً.

​توقف وشدّ صدره فجأة.

​شيء بداخله يتحرك.

​ذلك الشيء... مألوف.

​ليس ألماً لكنه كان يندفع، يحاول الخروج، يحاول التحرر.

​سعل راي مرتين ثم انتفخت خدوده … وتقيأ دفعة واحدة.

​سائل داكن ضرب سطح الماء وانتشر ببطء…

​لكنه لم يتوقف.

​ولم تتراجع كرات الفرو.

​حاول أن يتنفس ويستعيد تركيزه لكن بدون فائدة.

​ثم حاول أن يتنفس— فخرج المزيد.

​«نميو؟»

_______

نهاية الفصل

_______

أعتذر لن انشر فصل التالي اليوم، لست راضيا عنه..

2026/05/05 · 24 مشاهدة · 1249 كلمة
Ryuzaki
نادي الروايات - 2026