​يومٌ آخرُ داخل الهرم المقلوب.

​فتح راي عينيه على صوت عواءٍ مألوف؛ صوت عواء القائد الذي يعلمهم بقدوم شيء ما. نظر راي جانبًا وهو يحكُّ عينيه وينهض كما تنهض صغار الذئاب التي تنام حوله.

​نفقٌ أسودُ آخر، فضاقَت عينا راي قليلاً ليرى ما هو قادم.

​"هل هذا حصان؟" ابتلع راي ريقه ومسح لعابه، لكن بسرعة اختفت شهيته عندما ضربت رائحة العفن أنفه.

​حصانٌ متعفن.

​حصانٌ أبيض بقرن مكسور وأجنحة مقطوعة وجلد متعفن لا يزال يسير، وأعضاؤه الداخلية قد تأكّلت منذ فترة. حتى الذئاب تراجعت أمام تلك الرائحة العفنة.

​ثم شاهد راي الذئب القائد يتقدم أولاً كما فعل دوماً. لم يقترب كثيراً بل أطلق لهباً أسود فوراً، وشاهد اللهب يلتهم جسد الحصان ويحرقه، ويحرق حتى رماده خلفه. لكن الرائحة لم تختفِ.

​نظر راي إلى الذئب القائد ثم إلى النفق ولاحظ شيئاً؛ القطيع بكامله متعب.

​مجدداً، وقبل أن يدرك، اختفى النفق الأسود، وعندها عاد الذئب القائد لمكانه كالعادة ليرتاح قليلاً. تنهد راي وعاد للجلوس بجانب الصغار.

​بما أنه لا يملك ما يفعله، فكان غالباً يراقب أو ينام؛ وبما أنه استيقظ على إنذار كاذب هذه المرة أيضاً، فقد قرر الجلوس والمراقبة كالعادة.

​المكان... هادئ.

​أجساد الوحوش وبقاياهم تترامى في كل مكان.

​«على عكس لهب الصغار، فلهب البالغين يستطيع تفتيت هذه البقايا، فلماذا لا يستخدمها البالغون للتخلص من الجثث؟»

​محاولة حفظها؟

​غير ممكن، فالذئاب ليست حمقاء، وكان راي يعلم ذلك، لكن لم تكن لديه الجرأة بعد للاقتراب ومحاولة التواصل مع الذئاب البالغة عدا القائد.

​ثم انتظر وانتظر.

​بعد ساعات شعر برغبة في النوم، لكن استيقاظ الذئب القائد جذب اهتمامه، خصوصاً أنه نظر نحوه مباشرة بعيون مختلفة. حدق راي في الذئب، فإذا بالذئب يحول رأسه لفحص المكان بكامله قبل أن يطلق عواءً آخر.

​«نفق آخر؟»

​نظر راي حوله لكن... لا شيء.

​ثم شاهد الذئاب تجتمع حوله وببطء، قبل أن يصعد القائد إلى أعلى جبل الجثث ويحدق أمامه، إلى الجدار مباشرة.

​كان راي يحاول أن يعلم ما الذي ينظر إليه القائد، إلى أن حجب أحد الذئاب البالغة نظره بذيله عن قصد للحظة. دفع راي الذيل، وإذ به يتفاجأ من ظهور نفق أسود آخر.

​«عواااء»

​تحرك القائد متقدماً، وأول ما فكر به راي كان اللحاق بالصغار نحو جانب آخر للاحتماء، لكن الصغار لم تهرب، بل تحركت مع القطيع الذي تحرك للحاق بالقائد. وإذ بالقائد يختفي خلف ظلام النفق الأسود.

​"لا يعقل..."

​ارتجف راي وأدرك ما يحصل؛ سوف نغادر.

​كان هذا النداء، وما أثبت الفكرة هي حركة القطيع. متسمراً في مكانه، لم يعلم راي ماذا يفعل حتى صدمه ذئب من الخلف. نظر خلفه وإذ به ذلك الذئب صاحب العين المشطوبة وصاحب المزاج السيئ.

​حدق به وزمجر، لكن ليس بعدائية، وعندما رأى أن راي لم يفهم، هاجم وأمسك راي من ياقته. تفاعل راي وحاول دفعه، لكن تحرك الذئب التالي كان سلساً لدرجة أن راي لم يعلم متى أصبح مستلقياً فوق ظهره.

​وبدأ الذئب بالركض.

​دون وعي، أمسك راي بفرو الذئب خوفاً من السقوط، وانضم الذئب للقطيع داخلين إلى النفق الأسود. فتح راي عينيه في آخر لحظة مدركاً أنه لا يوجد خطر، ليجد نفسه آخر العابرين من النفق وهو فوق الذئب الذي كان أضخم منه بثلاث مرات.

​فتنهد وخفف قبضته قليلاً، ليتفاعل الذئب مع ذلك ويخفف سرعته قليلاً أيضاً. ثم رفع راي رأسه ليشهد ضوء نهاية النفق.

​لم يكن النفق طويلاً؛ بمجرد أن يختفي الضوء من جانب، يظهر في جانب آخر. ومع تقدم القطيع، توسعت عينا راي أمام مشهد ساحر.

​مساحة ضخمة ومفتوحة، وفي قلبها بحيرة كبيرة تتوهج أكثر من البحيرة السابقة. وعلى قمة أكبر جرف صخرية، توقف الذئب القائد ونظر إلى القطيع راضياً، وأعلن بعوائه عن شيء ما.

​قبل أن يدرك راي، وجد أن صاحب العين المشطوبة يرميه جانباً. عبس وأمسك رأسه قبل أن يفتح عينيه متألماً، ليجد الأحمق الذي رماه يستدير ويلعق وجهه قبل أن يبتعد.

​"ما كان هذا؟" نظر راي لظهر الذئب المبتعد، ثم شاهد الصغار يدورون حوله بسعادة فتنهد متسائلاً: "لا أعلم سبب سعادتكم، لكن يسرني ذلك".

​ابتسم راي وجلس، ثم رفع عينيه لينظر إلى الذئب الذي يقف بشموخ ويحدق في المشهد أمامه. تأمل راي مشهد الذئب قليلاً قبل أن ينظر خلفه ويجد أن النفق قد اختفى.

​فتنهد وفرك رأسه قبل أن يعاين المكان الجديد. مثل السابق، لم يرَ راي أي مخرج واضح، كما لو أنهم انتقلوا من مكان مغلق لمكان مغلق أكثر اتساعاً.

​لكن شيئاً ما كان مختلفاً بالتأكيد؛ شيء يلمع بهدوء أمام عيني راي.

​ضاقت عيناه وحاول مشاهدته، لكن حتى لو حوّل رأسه فلم يكن ذلك الشيء يختفي. نقطة ذهبية في وسط نظره بالضبط. مد راي يده ووضعها أمام عينه فاختفت تلك النقطة، وعندما أزال يده لم تعد.

​ثم عواء قريب أيقظه. نظر راي إلى الذئب القائد، ومثل كل مرة، لم يفهم ما يقصده الطرف الآخر، فنظر إلى الذئاب ليرى كيف سيتصرفون، وغالباً سيفعل مثلهم.

​وسرعان ما أدرك؛ الذئب يعلن أن هذه المنطقة أصبحت لهم.

​وبدأت الذئاب الأخرى في استكشاف المكان، وأقربهم إلى راي أطلق لهباً أقل سواداً نحو صخرة محرقاً إياها. بدا أن ما يفعله عديم الفائدة، حتى لاحظ راي أن باقي الذئاب تفعل المثل وتحدد مناطقها.

​وقف راي بهدوء وبدأ يتجول في المكان ويلاحظ تصرفات الذئاب الذين بدؤوا في استكشاف المكان بعد تحديد مناطقهم، وبعضهم بدأ حتى في الشجار على مكان معين.

​ثم لاحظ راي أن الذئب القائد استمر في الإقامة في المكان الأعلى منذ البداية. تردد راي قليلاً ثم قرر الاقتراب منه، فلاحظ الذئب القائد ذلك وفتح عينه قليلاً فتجمد راي مكانه. وعندما أغلق عينه من جديد، تأكد راي بذلك أن الاقتراب آمن؛ على الأقل هذا ما لاحظه من تفاعله السابق معه.

​فتقدم أكثر وجلس بقربه ليأخذ نظرة أوضح للمكان حوله. عبس وهو يشاهد تلك القناديل الموجودة في البركة، لكن وسط عبوسه تحرك القائد.

​"ما الأمر؟" نظر راي إلى الذئب، فنظر الذئب حيث كان ينظر راي، قبل أن ينظر إلى راي مباشرة ووقف ليقترب منه.

​ارتبك راي وتابع أفعاله، حتى وجد الذئب يقترب من يده، وعندما ظن أنه يرغب بأن يربت عليه، تفاجأ بهجوم مفاجئ منه، إذ عض يده حتى شعر راي بقوة العضة. ورغم ذلك لم يسحب راي يده بقوة.

​لم يكن الألم قوياً، فنظر إلى الذئب محاولاً أن يفهم لماذا هاجمه. لو أراد قتله لكان فعل ذلك متى شاء، ولذلك لم يكن خائفاً منه.

​محدقاً في الذئب، وجده يخرج أسنانه ويتراجع، فنظر راي إلى يده مرتبكاً، ليجد أن الجروح التي عليها بدأت ترتجف قبل أن تتحرك وتتشكل في شكل رقم تسعة على ظهر كفه.

​نظر راي إلى العلامة مدركاً أنها نفس العلامة على جبين جميع الذئاب في القطيع. رغم أن حتى الصغار لديهم علامتين، لكن واحدة ربما تعني شيئاً، فحدق راي في العلامة مرتبكاً للحظة قبل أن يمسك رأسه متألماً.

​صداع مفاجئ لكن ليس مؤلماً لذلك الحد، أو ربما فقط مستوى تحمله للألم قد زاد.

​ثم تنهد ونظر إلى الذئب متسائلاً: "هل هذا أسلوبك في الاعتراف بي كفرد من قبيلتكم؟"

​نظر الذئب إلى راي قبل أن يدير رأسه جانباً متجاهلاً إياه، فابتسم راي وشكره: "حسناً، لا أعلم ما هذا، لكن شكراً لك".

​لوح راي بيده، ومع شفاء الجروح نظر إلى كفه من جديد متسائلاً: «هل لهذه العلامة فائدة؟»

​أغلق عينيه محاولاً الشعور بأي شيء منها لكن... لا شيء. فتنهد وترك الأمر جانباً. نظر حوله ويبدو أن جميع الذئاب وجدت مكاناً لنفسها.

​'ربما عليّ أيضاً'

نظر راي إلى الذئب القائد ونفى فكرة البقاء بجانبه فوراً؛

كقائد وإمبراطور، كان مدركاً لحساسية اقتحام مساحة القائد الشخصية فقد لا يمانع بقاء شخص بقربه لفترة قصيره لكن ليس أكثر من ذلك.

لذلك قرر راي البقاء قليلاً بجانبه على الأقل لتحقيق هدفه في فحص المكان قبل أن ينزل ويبحث عن مكان لنفسه بعيداً عن ذلك الحوض المائي.

____________

نهاية الفصل

____________

2026/05/11 · 11 مشاهدة · 1186 كلمة
Ryuzaki
نادي الروايات - 2026