​صوتُ المطرِ الخفيفِ ينقرُ على الزجاج.

بوقٌ.. واهتزازٌ وأغنيةٌ تتكررُ على المذياع.

​🎶 على صوتِ المحرّكِ أبدأُ الرحيلْ 🎶

«شششش.. شششش»

🎶 أضغطُ على القلبِ… لا، بل على البنزينِ 🎶

🎶 فيشتعلُ العمرُ بين المقودِ والليلِ 🎶

«شششش.. تششش»

🎶 يا من تسكنينَ مرايا سيارتي 🎶

🎶 وتختبئينَ بين انعكاسِ الطريقِ الطويلْ 🎶

🎶 هل تسمعينَ هديرَ المحرّكِ حينَ يشتاقُ؟ 🎶

🎶 أم أنَّكِ مجردُ حلمٍ جميلْ 🎶

🎶 أقولُ للسرعةِ: كوني أبطأَ قليلاً 🎶

🎶 كي أراكِ حين يمرُّ الضوءُ الجميلْ 🎶

🎶 لكنها تضحكُ… وتقولُ لي: امضِ 🎶

🎶 الحبُّ الحقيقيُّ لا يعرفُ المستحيلْ 🎶

🎶 كل.. كل... ككككك 🎶

​"أوه سحقاً... هيا، هذا هو الجزءُ الأفضل!"؛ لَكَمَ الرجلُ المذياعَ بعنفٍ وكان منزعجاً من التشويش، ولكن هل تعطل الآن؟

تنهد الفتى الصغيرُ في المقعدِ الخلفي: "أخيراً بعضُ الصمت".

"أيها الوغدُ الصغير، لقد سمعتُك".

أخرج الصبيُّ لسانَه ساخراً وعاد للنظرِ إلى هاتفه للحظة، قبل أن يلاحظ أن الشابَ صاحبَ الشعرِ الأسودِ بقربه، والذي كان نائماً، قد بدأ يفتحُ عينيه.

"هل استيقظتَ؟".

"أممم"، مسح الشابُ عينيه مرتبكاً، ثم نظر حوله قبل أن ينظر إلى الصبي ويتثاءب وهو يرى الرجل الذي يقود بينما يعبث بالراديو المعطل ويبدو عليه الانزعاج.

​وعاد المذياعُ للعمل: "كنتُ أعلم".

ابتسم الرجلُ بسعادةٍ قبل أن يركزَ على الطريق، بينما تنهد الفتى الصغيرُ وابتسم الشابُ أيضاً.

لاحظ الصبيُّ نظرةَ الشابِ المشوشة فتنهد…

ثم خفتَ الصوتُ… وكأنَّ العالمَ انطفأ للحظةٍ واحدة.

​فتح "راي" عينيه على صوتِ أنفاسٍ هادئة تشبهُ تنهيدةَ الصبي.

نظر فوقه ليجد رأسَ أحدِ الذئابِ قد ارتخى قربَ أذنه.

تنهد ودفع رأسَ الذئبِ الصغيرِ بعيداً عنه قليلاً، ثم استدار وعاد إلى النوم..

​عاد إلى السيارة؛ رجلٌ بتصفيفةِ شعرٍ غريبةٍ يقودُ بينما يدندنُ مع الموسيقى، وفتى صغيرٌ يرتدي قبعةً تخفي رأسَه يبحثُ في هاتفه، ومطرٌ خفيفٌ يطرقُ على زجاجِ السيارة.

بدت الأصواتُ هادئةً حتى رفع الصغيرُ رأسَه وبدا مستغرباً قبل أن يسأل: "هل أنت بخير؟".

أومأ الشابُ لكنه لم يتكلم، ابتسم ناسياً ما كان يفكرُ به.

بدا العالمُ للحظةٍ كحلمٍ عابرٍ قبل أن يسحبَه الصغيرُ من كُمّه مشيراً إلى هاتفه: "على أيِّ حال، يا أخي، انظر هنا".

نظر الشابُ إلى ما يشيرُ له وعبسَ قبل أن يسأل: "بما أنك تناديني أخي، فهل هذا يعني..."

"أرجوك" توسل الصبي، فتنهد الشابُ وعادت نظرتُه إلى صورةٍ في الهاتف.

معالجٌ جديدٌ صدر مؤخراً وسعرُه لا يناسبُ جيوبَ الفقراء.

فكر قليلاً ثم أومأ برأسه: "حسناً، عليك التعاونُ معي".

أومأ الصبيُّ دون تردد، فنظر إلى الرجلِ في المقعدِ الأمامي وابتسم له: "أبي".

"لا".

"لم أقل شيئاً بعد".

"رأيتكم تتهامسون، هل تعتقد أنني سوف أقعُ في نفس تلك الخدعة التي استخدمتها في المرةِ السابقة؟" سخر الرجلُ مبتسماً: "فقط الحمقى من يقعون في نفس الخدعة مرتين".

"لكنك وقعتَ بها 16 مرة".

"..." صمت الرجلُ قليلاً ثم عبس ونظر إلى صاحبِ الشعرِ الأسود: "هل تقولُ عن والدِكَ أحمق؟"

"أبداً، كنتُ فقط أتساءلُ ما إذا كنتَ سوف تقومُ بتوصيلي غداً، كما تعلمُ سوف تكونُ مقابلتي الأولى ولا أريدُ التأخرَ عليها".

"أوه"؛ توقف الرجلُ وأمسك ذقنَه بينما يقودُ بيدٍ واحدةٍ قبل أن يومئ برأسه: "لا مشكلةَ في ذلك، يمكنني تخصيصُ بعضِ الوقتِ لك".

"شكراً لك.. أعدُك أن أشتري لك مذياعاً أفضلَ بعد أن أقبضَ راتبي الأول".

"يا فتى اسمع ما تقولُه، اترك مالَك لنفسك وكوّن نفسك، سوف يسرني أكثر لو أحضرتَ لي حفيدةً، وأفضلُ أن تكون فتاة".

"ماذا لو كان فتى؟".

"على أيِّ حالٍ سوف أوصلُك غداً"؛ تجاهل الرجلُ الإجابةَ وتابع: "فقط لا تعد باكياً إليّ إذا فشلتَ".

"هيا، أيُّ شركةٍ غبيةٍ سوف ترفضُ موهبةً مثلي؟ عندما أنجحُ دعني أفعلُ شيئاً من أجلك، أعلمُ أنك تحبُّ هذه السيارةَ قليلاً لكنها قديمةٌ ومتهالكة، فماذا لو اشتريتُ لك واحدةً أفضل؟".

"قليلاً؟ أيها الطفل، إذا كانت أمُّك هي التي أنجبتكَ، فهذه أمُّك التي أرضعتك! كيف تتجرأُ على أن تقولَ عنها سيارة قديمة؟".

"لكن انظر"؛ مشيراً إلى النافذة تابع: "لم أرها يوماً تسيرُ أسرعَ من دراجةٍ هوائية".

"كم مرةً يجبُ أن أخبرك أنها مجردُ تنينٍ نائم؟ ألم أُرِكَ المحرك؟ ألم ترَ نوعَ العجلات وقوةَ الدفع؟ ألم ترَ الجناحَ والمحركَ الإضافي؟" عبس الرجلُ ونظر إلى ابنه.

"كم مرةً أخبرتك ألا تحكمَ على شيءٍ من ظاهرِه؟".

"ألم تقلْ إنَّ البشرَ استثناء؟" جادل الفتى فوافق الرجلُ.

"البشرُ استثناء، كلما كان الشخصُ جميلاً يلزمُك الابتعادُ عنه، انظر لأمِكَ على سبيلِ المثال، وحشٌ تحت جلدِ طاووسٍ، عكسُ عزيزتي الصغيرة هنا".

​ابتسم الشابُ ونظر إلى الصبي متسائلاً: "هل سجلتَ ذلك؟".

"تم".

"أبي، بهذا تكونُ المرة 17، أشكرُك مقدماً".

"اللعنة!".

​مبتسماً فتح "راي" عينيه..

جفونٌ ثقيلة وسقفٌ مشرقٌ بأضواءِ أعشابٍ وأحجارٍ فريدةٍ وجوٌّ هادئ.

مسح لعابَه قبل أن تختفي ابتسامتُه وهو ينهض.

مرتبكاً قليلاً وقف بوعيٍ مشوشٍ وتوجه إلى البركة وأخذ رشفةً من المياه متجاهلاً القناديلَ قبل أن يعود للنوم وسط الذئاب.

وقبل أن يدرك، وجد نفسَه داخل غرفةٍ بيضاء.. عائداً إلى حلمٍ جميل.

​جالسٌ على كرسيٍ صغيرٍ ومستندٌ على سريرٍ أبيض، ويدٌ دافئةٌ تداعبُ شعرَه.

بلا وعيٍ سقطت دمعةٌ على خده.

أيقظه ذلك من حلمٍ بدا مثل الكابوس.

فتح عينيه وبعيونٍ نصفِ مغلقةٍ نظر إلى المرأةِ أمامه.

شعرٌ أسود وبشرةٌ شاحبة وعيونٌ أكلها التعب، ورغم ذلك لا تزالُ ترسمُ ابتسامةً دافئةً وتسأل: "هل كنتَ تبكي؟".

"ليس بسبب المقابلة".

اتسعت ابتسامةُ المرأةِ فعبس الفتى وأقسم: "أقسم، لم أكن أبكي".

"بطبيعةِ الحالِ بني، أنا أصدقُك"، أومأت، فجاء طرقٌ من الباب.

حوّل الشابُ انتباهَه، فإذا بالفتى الصغيرِ الذي يرتدي قبعةً يدخل مع الرجل بتعبيرٍ دافئ.

انحنى الرجلُ وقبّل رأسَها قبل أن يجلس، وبدون ترددٍ بدأت الكلام بإشارةٍ إلى الشاب: "لقد كان يبكي لأنه خسر المقابلةَ أمام فتاةٍ جميلة".

"لا لم أفعل!".

"أذني ترن" حك الرجلُ أذنه مكرراً: "فقط الحمقى من سوف يرفضون موهبةً مثلي".

"أبي!".

ضحك الجميعُ فابتسم الرجلُ وربتَ على كتفه بابتسامةٍ مستفزة: "لا تقلق، أقولُ لك إنك تستطيعُ أن تأتي للعمل في ورشتي لتصليح السيارات في أيِّ وقت".

"على جثتي!".

"سوف أدفعُ لك جيداً وأعلمُك يا ناكرَ الجميل".

"لا شكراً"؛ رفض مباشرةً ونظر إلى الصبي متسائلاً: "هل حصلتَ على ما تريد؟".

عبس الأبُ فرفع الصغيرُ إبهامه.

لقد حصل عليه وبذلك تم إتلافُ ذلك التسجيل، فعبس الأخيرُ ونظر إلى والده ليسأل: "بالمناسبة كيف كان الأمر؟".

​خفّ الجوُّ بالغرفة لكن لا يزال الأبُ يبتسمُ وهو يربتُ على رأس الصبي: "إنه أفضلُ الآن، يمكنه البدءُ بالعلاج الكيماوي بدايةً من الأسبوع القادم، والأطباءُ متفائلون بإمكانيةِ علاجه".

عبس الصبيُّ الصغيرُ ورفع يدَ والده عن رأسه منزعجاً: "لا تفعل ذلك".

"تسك، هؤلاء الأطفال".

ضحكت الأمُّ بهدوءٍ فعبس الأبُ مؤكداً سبب رغبته بطفلة، ثم تنهد واستمرت محادثتهما بشكلٍ طبيعي.

بعد تعرضِ زوجته لحادثٍ أدى لشلل نصفِ جسدها السفلي، كانت زيارةٌ مثل هذه تستمرُّ كل يومٍ تقريباً، منتظرين يوم خروجها من المشفى.

وبفضل ذلك تم اكتشافُ أن الطفل لديه سرطانٌ مبكر، مما مكن الأطباءَ من تبشيرهم بأخبارٍ جيدةٍ خففت من وطأة وصدمةِ ذلك الحادث وحقيقةِ إصابة الابن بالسرطان.

​وبين ابتسامةٍ وأخرى وقبل أن يدركَ الشاب، بدأ العالمُ يتغير.

فتح عينه للحظة، لمحت فيها وقوفَ الذئبِ القائدِ قبل أن تغلقَ عينه من جديد.

وهذه المرة المكانُ مختلف.

جالساً على كرسيٍ دون مسند، نظر حوله مرتبكاً قبل أن يتذكر حقيقةَ أنه في مقابلةٍ أخرى.

مجيباً على جميع الأسئلة، عبس عند سماعه سؤالاً سمعه أكثر من مرة: "ما الذي تعتقد أنك سوف تقدمه لهذه الشركة؟".

توقف ونظر إلى الأشخاص أمامه بجدية، ثم تنهد قبل أن يبتسم ويسأل: "ما رأيك بكتفٍ أو ذراع؟".

"عفواً؟".

"لدي أيضاً بعضُ الأعضاء لا أحتاجها إذا كنتم تريدون".

​«عواء»

انتفض "راي" واستيقظ مفزوعاً من صوتِ العواء.

نظر إلى المصدر وإذا بذئبٍ يحدقُ في مكانٍ ما وأذناه خلف رأسه في وضعيةٍ يبدو بها... خائفاً؟

نظر "راي" بسرعةٍ نحو المكان الذي يحدقُ به وارتجف كيانه بالكامل عند سماع الصوتِ المألوف.

«خطوة»

وصوتُ جرِّ المعدنِ يترددُ صداه من النفقِ الأسود.

____________

نهاية الفصل

____________

2026/05/11 · 10 مشاهدة · 1194 كلمة
Ryuzaki
نادي الروايات - 2026