​لم تقف هيرارا متفرجة وهي تشاهد ما يحدث، بل تجاهلت مورغانا وقفزت وهاجمت بكل قوتها نحو شبيه البشر، لكن لم يكن لهجومها فائدة.

​مع ذلك لم تتوقف.

​هاجمت وهاجمت لكن سيفها مر من خلال شبيه البشر في كل مرة، واستمرت الصورة في العرض متجاهلةً سلوكها، وفي النهاية سقطت على الأرض مستسلمةً لحظة شق رأس الأب وسحب الأطفال مع أمهم للخارج.

​"فليحذر الجميع من تسبب في ضرر لمن يملك أكثر من ثلاث علامات"، أمر شبيه البشر، وأومأ الجميع عن علم بينما تشتعل القرية داخل جحيم اللهب، وصرخات أهل القرية كانت انعكاساً لهذا الجحيم.

​فاقتربت مورغانا من هيرارا وقرفصت بجانبها وهي تسأل بهدوء: "هل نتوقف؟"

​"لماذا؟" رفعت هيرارا عينيها والدموع تغطي وجهها وتسأل: "لماذا فعلتِ هذا؟ لمَ جعلتِني أرى هذا المشهد من جديد؟"

​ضاقت عيون مورغانا بهدوء ولم تجب، فرفعت رأسها عند سماع أصوات الصراخ وطلب النجدة، ثم أخفضت رأسها بهدوء نحو هيرارا وأجابت:

​"لم أعلم أن لكِ ماضياً مثل هذا ولا أهتم"، نظرت مورغانا إلى هيرارا التي تبكي في صمت وأضافت: "اعتبري أنني أنتقم لقطعكِ يدي وبهذا ينتهي انتقامي، فهل نتوقف؟"

​"أنتِ.."

​أشارت مورغانا بكفها إلى هيرارا وأوقفت فكرة القتال مشيرة: "أنا لست عدوتكِ، بل لا أفهم حتى لما أنتِ عدائية تجاهي بهذه الطريقة، ولذلك سوف أستمر بالتطفل على ماضيكِ حتى تخبرينني بالسبب الحقيقي".

​لم ترد هيرارا بل هاجمت بشكل مباشر وبغضب، لكن هجومها مر من خلال جسد مورغانا دون أن يتسبب لها بضرر.

​"لا فائدة، أنتِ.." قطعت هيرارا كلام مورغانا بشن هجمات متتالية، فتنهدت مورغانا وعاد تركيزها على المشهد.

​تشاهد الأم وطفلين يُسحبون بقوة إلى العربة مع أهل القرية، واستمرت عملية ملء الأقفاص حتى أشرقت الشمس، فتوقفت هيرارا عن الهجوم بعد أن سيطر عليها التعب، لتنظر مورغانا إلى السيف في يد هيرارا فيختفي السيف لحظة سقوط هيرارا متعبة.

​عادت نظرة مورغانا بعدها إلى هيرارا وهي تضيف بهدوء، دون أي غضب أو انزعاج: "هل تشعرين بالرضا الآن؟"

​"عندما نخرج من هنا.."

​قاطعتها مورغانا بينما العربات قد بدأت بالتحرك والابتعاد عن القرية: "أنا لا أفهم، هل سبب عدائكِ معي هو راي؟"

​"راي؟" عبست هيرارا مرتبكة ثم أدركت: "السيد؟"

​"لا يبدو أن هذا هو السبب، فلماذا إذن؟" ضاق تعبير مورغانا مرتبكة من كل هذا، لكن توقف حديثهما عندما تسارعت الصورة في الخلفية فمر اليوم وحلت الليلة، ليتم سحب بعض النساء اللواتي يملكن أقل من ثلاث علامات، ما يعني أن حياتهن تم العفو عنها من أجل هذه اللحظة، فتم سحبهن من طرف المرتزقة، وفي صباح اليوم التالي عاد نصفهن فقط على قيد الحياة.

​صمتت هيرارا ومورغانا بسبب الصرخات التي تعالت خلال الليل، ثم مشهد النساء العاريات أثناء رميهن من جديد داخل العربات قبل أن تعود الرحلة للانطلاق.

​ثم الليلة التالية وحدث نفس الشيء، فأمسكت هيرارا بيد مورغانا ونظرت لها بعيون متوترة: "دعينا نتوقف هنا".

​"تريدين التوقف؟"

​"لن أهاجمكِ، حسناً، دعينا نتوقف هنا أرجوكِ".

​ضاقت عينا مورغانا فتسارعت الصورة من جديد، وشعرت بيد هيرارا ترتجف عندما استدارت لترى نفس المشهد الذي كانت مورغانا تنظر إليه.

​في الليلة الثالثة، وبينما تحاول الأم طمأنة الطفلين، اصطدم وجه أحد القادة من البشر المهاجمين بالسياج وابتسامة مرعبة ترتسم على وجهه قبل أن ينظر خلفه ويأمر بهدوء:

​"أخرجوها".

​نظر المأمورون لبعضهم البعض ثم ابتسموا ونفذوا طلبهم، بينما ارتفعت صرخات الأم واستنجادها وارتفع بكاء الطفلين، فقط لتتلقى صفعة تفقدها وعيها، فقفز الطفل بغضب وعض يد أحد المأمورين، فغضب ورماه بقوة على الأرض خارج العربة ولعن قبل أن يتوجه له ويبدأ في ضربه، بينما لم يهتم من أمر بل سحب الأم من ملابسها حتى تمزقت ليمسك شعرها ويسحبها نحو الخيمة.

​صدمة وخوف ورعب من الموقف جعلوا فتاة صغيرة غير قادرة على معرفة أين تنظر، وجسد هيرارا يرتجف بينما يركل المرتزق الطفل الصغير حتى لفظ أنفاسه الأخيرة.

​فتحرّك جسد الطفلة قبل أن يتجمد مكانه، وسحب المرتزق الآخر صديقه لهدئته، وبينما يقوم بسحبه سدد لكمة أخيرة وبصق على الطفل قبل أن يبعد يد صديقه وينصرف غاضباً.

​عبس الآخر وتنهد بينما ينظر إلى الطفل الذي فقد وعيه واقترب للتحقق من نبضه، لكن لم يكن هناك نبض، فأشار لأحدهم ليقوم برمي جسد الطفل بعيداً.

​وهي ترى أخاها يتم سحبه بعيداً مثل القمامة، كان جسد الطفلة يهتز ويرتجف حتى توقف فجأة ولم ترمش بعدها حتى حل صباح اليوم التالي عندما تم رمي أجساد النساء اللواتي نجوْن هذه الليلة، ولم تكن والدتها من ضمنهن.

​أدركت مورغانا ما جرى، لكن عيون هيرارا بجانبها لم تكن مختلفة عن عيون الطفلة؛ تنظر دون تعبير ودون رد فعل للمشهد، كشخص يتمنى ألا يتقدم أكثر من هذا.

​تنهدت مورغانا وسألت: "هل نتوقف؟".

​لم ترد هيرارا، وعندما أرادت مورغانا رفع يدها قامت هيرارا بإمساكها بقوة، فنظرت مورغانا إلى هيرارا وتنهدت ولم تفعل شيئاً وتابعت المشاهدة بهدوء، ليأتي اليوم الخامس بعد أن تكرر نفس ذلك المشهد مرتين.

​وخلال آخر يومين لم تبكِ الطفلة أو تصرخ أو تتفاعل أو تأكل ما تم رميه لها، ولم يهتم أحد بحالتها حتى من يجلس معها في نفس القفص.

​وعندما رمشت مستيقظة على صوت الصراخ بجانبها، وجدت نفسها تقف على مسرح المزاد، وابتسامة وعيون الضباع تقوم بتقييمها بينما يشير لها المزايد بحماس.

​"عرق بيون"، تحدثت هيرارا فجأة، فحوّلت مورغانا انتباهها من المزاد إلى هيرارا التي تركت يدها وجلست متربعة على الأرض وتابعت الحديث:

​"هذا اسم العرق الذي أنتمي له"، توقفت هيرارا للحظة ثم فتحت فمها لتكمل لكنها لم تفعل.

​لاحظت مورغانا ذلك فتحدثت مكانها: "سمعت أن عرق بيون ينتمي لنوع أعراق داعمة، ويعيش حياته بحثاً عن راعٍ يُشار له بالسيد".

​"أمم"، أومأت هيرارا وتابعت: "نولد بتسع بيون أو نقاط سوداء على جبيننا ويمكننا الحصول على تسعة أسياد، وفقط بعد تحقيق الشروط نتحرر ونتحول من بيون إلى أبل، ولأن ولائنا للسيد مطلق، تحب عديد من الأعراق استعبادنا".

​نظرت مورغانا للمسرح وسألت: "هل هاجمتِني لأنني مقربة من سيدكِ الحالي الآن؟"

​توقفت هيرارا ورفعت رأسها نحو مورغانا وسألت: "لماذا أفعل ذلك؟"

​"إذن ما سبب عدائكِ معي؟"

​"لأنكِ مثلهم.. شخص حقير لا يفكر إلا في مصلحته"، عبست هيرارا مشيرة للمسرح: "هل تعلمين كيف عانى كل أولئك الخدم بعد أن قمتِ بطردهم ونشر شائعات حولهم؟ أخبريني أنتِ ما الذي فعلوه ليستحقوا ذلك؟ فأغلبهم انتحر، وهناك من طاردتهم عصابات مؤمنين بامتلاكهم ما تقوله الشائعات، وبعضهم كان مصيرهم أسوأ وخصوصاً النساء منهم".

​"كسيد لهم كيف يكون لكِ القلب لفعل كل هذا؟ حثالة مثلكِ من الأفضل ألا توجد في هذا العالم، ومع ذلك احترمت كونكِ زوجة السيد وكنت سوف أتجاهلكِ فقط رغم علمي بكل أفعالكِ من الرقم ستة، لكن بسبب التكبر والغطرسة التي لا تملكين القوة لدعمها، اخترت أن أكون اللعنة التي تركها لكِ كل خادم من الخدم".

​"ما الذي تتحدثين عنه؟" عبست مورغانا مرتبكة ثم...

​توقف الحديث عندما دوى انفجار مفاجئ أثناء المزاد، فنظرت مورغانا ناحية مدخل المزاد، بينما لم تستدر هيرارا، فقط تنهدت وعادت نظرتها نحو المسرح تراقب الطفلة الصغيرة التي تنظر إلى الأرض بعيون ميتة.

​عاد انتباه هيرارا ومورغانا إلى الفوضى التي حلت بالمزاد عندما اقتحمت جماعة تطلق على نفسها لقب "المنقار الأحمر" تريد الانتقام لمقتل زعيمهم.

​واستهدفت عمليتهم كل شخص يملك سلطة وصادف تواجده في هذا المزاد، فبدأت الفوضى تعم الأرجاء، وعلى المسرح لاحظ أحد أطفال الفوضى ذلك فأشار للجميع بالهرب، ثم ركض بسرعة عائداً خلف الستار.

​لاحظ أحد المرتزقة الطفل لكن لم يكن لديه وقت للتعامل معه، وركض الطفل للحصول على مفاتيح من قرب الزنزانات ولم يكن هناك أحد لحراستها، ففك قيوده وأسرع لفك الأقفاص بينما يحثه الجميع بسرعة.

​وبينما تتعالى أصوات الانفجارات، استمر بفتح الأقفاص بيد ترتجف، وبعد فتح آخر قفص توقف وعاد بسرعة إلى المسرح عندما وجد الطفلة لا تزال مكانها تشاهد المذبحة وهي تبتسم.

​ارتعب الفتى لكن هز رأسه بسرعة وأمسك يدها وسحبها بعيداً: "هيا سوف نهرب".

____________

نهاية الفصل

____________

2026/06/16 · 24 مشاهدة · 1181 كلمة
Ryuzaki
نادي الروايات - 2026