ابتسمت مورغانا وأشارت إلى طفلة: "إذا كانت ذكرياتكِ هذه وهمًا، فما رأيته من ذكرياتي هو وهم أيضًا."

​تجمد جسد هيرارا وعادت الصورة للعب.

​استدارت هيرارا لتنظر إلى الصورة وإلى الطفل وهو يهرب ولهث، فقط ليصطدم بجسد شخص مدرع بدرع ذهبي، فسقط على الأرض بينما أنفه ينزف، في حين وقفت الفتاة بسرعة في مكانها تنظر للفارس أمامها برعب.

​فعبس الفارس ونظر إلى الطفل قبل أن يدرك: "كيف تتجرأ؟ ألا ترى أنني أمشي هنا؟"

​"أنا.. أنا آسف." تدارك الطفل الموقف وركع معتذرًا بسرعة، فما ناله سوى ركلة أرسلته بقوة ليصطدم بالجدار.

​"كيف تتجرأ على الحديث معي؟ هل سمحتُ لك بذلك؟"

​"سيدي،" أتى صوت من الخلف راكضًا ولاهثًا، ثم توقف يلتقط أنفاسه وهو يشير: "ليس من هذا الطريق سيدي، جماعة المنقار الأحمر في اتجاه آخر."

​توقف المرشد عندما لاحظ الطفلين، ثم لاحظ ملابسهما فعبس: "هذه ملابس عبيد! هل هرب العبيد من القفص؟"

​"دول، كيف تتجرأ على الحديث مع غيري وأنا أقف أمامك؟ وهل قلتَ إنهم عبيد؟"

​"أوه أجل أجل، يتم استخدام رداء أبيض حتى يكون من السهل تمييزهم إذا هربوا."

​"هل تقول إن مجرد شخص فقد حريته وحقه في العيش دون سيد، لطخ درعي الذهبي وحذائي الحديدي؟" عبس الفارس وأخرج سيفه يسير نحو الطفل الذي استيقظ بعد أن فقد وعيه للحظة إثر اختناقه بدمه، فبدأ يسعل دماءً.

​"أنتَ."

​انتبه الطفل فرفع رأسه مرتعبًا، وتابع الفارس حديثه: "لم تكتفِ بالهروب فقط من قفصك بل كنتَ تسحب غيرك أيضًا، وتجرأتَ على إهانتي. ألا تعلم أن حياتك التافهة لن تكفي لأغفر لك ذلك، فما الذي سوف تفعله؟"

​تثاءب دول بعد أن استقرت أنفاسه: "سيدي، هل أنتَ جاد بهذا الآن؟ فقط اقتله ودعنا نذهب."

​"اخرس يا دول."

​"بجدية، لا تقل لي اخرس."

​"قلتُ..." انقطع حديث الفارس مباشرة عندما سعل الطفل دمًا دون قصد على حذائه مباشرة، ليصرخ الفارس متقززًا وهو يقفز إلى الخلف بسرعة مبتعدًا قبل أن ينزع حذاءه ويرميه جانبًا بسرعة.

​ثم نزع قفازاته ورماها أيضًا، لكن ما إن نظر إلى الأرض المتسخة تحت قدمه حتى ارتجف قبل أن ينظر إلى الطفل وجسده يشرق لهبًا ذهبيًا: "كيف.. كيف.. كيف تتجرأ؟"

​"كيف تتجرأ أيها... انتظر فقط،" نظر الفارس بسرعة إلى المرشد ونادى: "دول!"

​"حاضر سيدي." تحرك دول متنهدًا وأخرج كيسًا صغيرًا، ومن الكيس أخرج أحذية جديدة تناسب الدرع وقفازات جديدة وماءً ليغسل الفارس قدمه، ففعل ذلك بغضب، متجاهلاً الطفل الذي لم يتمكن سوى من إدارة جسده وهو يمسك ببطنه بينما يكرر اعتذاره بدموع تكاد تخنقه.

​ثم تنهد الفارس مستريحًا عندما أعاد ارتداء حذائه الجديد، ثم نظر إلى الحذاء القديم وأطلق عليه كرة من لهب أحرقته في مكانه قبل أن ينظر إلى الطفل ويعود غضبه ليشتعل.

​لكن أعاد السيف إلى غمده وهو يشير إلى دول: "اجلبه يا دول، لن ألمس قذارة كهذه ولا أريد الاقتراب منها، لكن عليه أن يعيش ليدفع ثمن هذه الإهانة وسوف أحرس على ذلك... لا،" عدل الفارس رأيه ونظر إلى دول وأشار له: "أنتَ سوف تحرص على ذلك، انتقم لسيدك."

​انخفضت عيون دول بملل وأومأ بهدوء: "نعم نعم، كما تشاء، دعنا نذهب الآن."

​"ماذا عن الفأر؟"

​"سوف أتعامل معه بينما أنتظر عودتك." أشار دول، فأومأ الفارس واختفى من حيث يقف، ليتنهد دول فنظر إلى الفتى ثم إلى الطفلة وسأل:

​"هل اصطدمتِ به أيضًا؟"

​لم تجب الطفلة، لكن الفتى أسرع في الإجابة مشيرًا إلى أنه الوحيد الذي اصطدم به ولا ذنب لها في أي شيء.

​"فهمتُ، أنتِ محظوظة إذن." اقترب دول من الطفلة وأشار بيده لها، فظهر نقش معقد أسفل جسدها ليقول بهدوء: "أجيبيني على هذا فقط، وعلى أساس إجابتكِ قد أعيدكِ إلى القفص، أو أساعدكِ في الهروب، أو سوف آخذكِ معي، أو سوف أقتلكِ هنا والآن."

​"لحظة.. لحظة.. من فضلك... لحظة واحدة،" نادى الطفل بأنفاس مخنوقة، فأشار دول بيده مرسلاً موجة من هواء أفقدت الطفل وعيه فورًا قبل أن يطرح سؤاله:

​"ماذا هربتِ من قفصكِ؟"

​نظرت الطفلة إلى الفتى الذي فقد وعيه، ثم إلى الرجل صاحب الشعر الأبيض أمامها، وتمتمت بسؤال عوض الإجابة: "لماذا لا تقتلني فقط؟"

​ضاقت عينا دول وسأل: "لماذا تطلبين مني قتلكِ؟"

​"هل تستمتع باللعب بجسد الضعفاء؟" سألت الطفلة من جديد وصوتها يرتفع تدريجيًا: "هل تستمتع بتخريب حياة غيرك؟"

​"هل تحب أن تتحكم في مصير من هم أقل شأنًا منك؟"

​"هل تستمتع بسلب وتدمير مستقبل من لا تعرفهم؟"

​"إذا كنتَ لا تستمتع بذلك، فلمَ لا تقتلني فقط مثلما قتل أصحابك من لم يفعلوا لهم شيئًا؟"

​"تسألين لماذا؟" ابتسم دول فخف الضوء من عينه واختفى النقش ليجيب وهو يرى الدموع تتدفق من عيون الطفلة أمامه: "الأمر بسيط جدًا، يحق للقوي فعل أي شيء يريده بالضعفاء وأنا قوي، أقوى منكِ بكثير، لذلك لمَ لا تركعين وتطلبين مني إنقاذ حياتكِ... أو حياته، وربما أفكر بذلك."

​أشرقت عيون الطفلة بلون ذهبي دون أن تجيب، فابتسم دول مشيرًا: "هذه إجابة جيدة أيضًا."

​اندفعت الرياح خلف الطفلة وأفقدتها الوعي، فابتسم دول وأمسكها قبل أن يقف وهو يحملها وأمر: "تعال."

​ارتجفت الظلال فتحركت ليظهر ثلاثة أشخاص يغطيهم الظلام، فأمر دول وهو يسلم الطفلة: "عد بها إلى الإمبراطورية واحرص على عدم موتها قبل أن أنهي مهمتي هنا."

​"في حالة موتك هل نتخلص منها؟" سأل أحد الظلال فابتسم دول:

​"وهل تعتقد أن هناك من يستطيع قتلي؟"

​أومأ الظل دون أن يجيب وأمسك الطفلة قبل أن يختفي، فنظر دول إلى الطفل الثاني وابتسم: "حسنا، وما الذي عليّ أن أفعله معك أيها الصغير؟"

​"المعلم!" عبست هيرارا وهي تقف وتشير: "لحظة، لِمَ لا أتذكر هذا الجزء؟ هل هذا حقًا وهم؟"

​"ليس وهمًا،" عبست مورغانا وهي تشير: "ليس لدي القدرة على الولوج إلى ذكرياتكِ، ألا ترين أننا نشاهد هذه الذكريات من وجهة نظر خارجية؟"

​"إذن ما هذا؟ وهم؟"

​"أخبرتكِ ليس وهمًا، هذا ماضيكِ، نحن نشاهد الماضي من خلال ريو الذي كنتِ تحاولين قتله، وبشكل خاص الماضي الخاص بكِ من خلال وجهة نظر العالم، لذلك هناك مزيد من التفاصيل." عبست مورغانا وهي تنظر إلى دول وهو يقترب من الطفل: "هل كان هذا الشخص من ظلال أستر؟"

​تجاهلت هيرارا الجزء الأول عندما سمعت الجزء الثاني، فأجابت بسرعة وحماس: "إنه دول، إنه معلمي!"

​"معلمكِ؟"

​"أجل أجل،" ابتسمت هيرارا والدموع السابقة لا تزال تملأ عينيها وهي تهمس بهدوء: "لقد اشتقتُ لك كثيرًا."

​تفاجأت مورغانا، واستدارت هيرارا تبتسم لها وتشكرها: "شكراً لكِ، على جعلي أرى وجه معلمي من جديد."

​"هل يعني هذا أنكِ تصدقينني؟" سألت مورغانا، فعبست هيرارا فورًا ودارت عيناها بينما تتغير الصورة أمامها:

​"هذا وذاك أشياء مختلفة."

​تنهدت مورغانا ولم تقل شيئًا بينما تغيرت الصورة؛ استيقظت الطفلة وهي مستلقية فوق حجر زنزانة بارد، وقبل أن تشعر بارتباك تم رمي طبق من طعام لها من الفتحة.

​سقط الطبق وسقط الطعام على الأرض، فنظرت حولها وأدركت أنها مسجونة، لتجلس مكانها بصمت مطولاً تحدق في الطعام المرمي قرب الباب، قبل أن تتحرك نحوه بعد أن اشتد جوعها.

​فأخذت تحشر الأرز في فمها بينما تمسح دموعها وهي تتذكر كل مشهد مرت به قبل أن تصل إلى هنا، من القرية إلى العربة إلى المزاد، وصولاً إلى لحظة الهروب الفاشلة.

​أخذت تأكل من على الأرض حتى ضاق تعبير مورغانا.

​لاحظت هيرارا ذلك فابتسمت تسألها: "ماذا الآن؟ هل تشفقين عليّ؟"

​"أليس مجرد وهم؟" أعادت مورغانا السؤال، فدارت عينا هيرارا بعيدًا قبل أن تبتسم وهي تنظر إلى الطفلة التي تأكل بينما تمسح دموعها.

_______ _____

نهاية الفصل

____________

2026/06/18 · 24 مشاهدة · 1113 كلمة
Ryuzaki
نادي الروايات - 2026