تلت الأيام التالية بهدوء وببطء بدأت مورغانا وهيرارا بالحديث بخصوص مسألة الشك بينما الطعام المقدم للطفلة داخل زنزانة يتناقص يوماً بعد يوم وتطول فترات تقديمه يوماً بعد يوم.
"هل تستطيعين تسريع هذا الجزء" سألت هيرارا وهي تشير فنفت مورغانا برأسها قبل الحديث.
"لست صاحبة هذه القدرة، أستطيع الإيقاف فقط وعدا ذلك يمكننا الخروج إذا رغبتِ بذلك".
"ألم يعد هناك خوف من حقيقة أنني قد أقتلكِ؟"
ابتسمت مورغانا وهي تسأل: "هل سوف تفعلين ذلك؟"
عبست هيرارا واستدارت جانباً دون أن تجيب ليحدث تغير داخل الغرفة حيث تسارعت الذكريات حتى وصلت للحظة التي لم يقدم بها الطعام لعدة أيام.
نظرت هيرارا إلى مورغانا فنفت مورغانا دورها في ذاك.
وبينما تعانق الطفلة نفسها في أحد زوايا هذا السجن الحجري وتنتظر بخضوع، أتى طرق من الباب الحديدي كما يحدث كل مرة قبل تقديم الطعام فعلت سعادة ملامحها وتحركت بسرعة من أجل الحصول عليه.
لكن ما تم رميه من المنفذ كان مجرد فأر ميت قد تم سلخ جلده بشكل فوضوي ولم يبدُ أنه قد مات منذ وقت طويل، ولأول مرة يتردد صوت بارد من خلف الباب:
"إن لم تتناولي طعامكِ فلن تحصلي على غيره".
عبست مورغانا فتحركت يد هيرارا لتغطي عين مورغانا لكن لم ينجح ذلك ورأت مورغانا الطفلة تركض بسرعة وتأخذ الفأر وتغرس أسنانها في لحمه دون تردد.
ترددت أصوات المضغ والتقطيع حتى انتهى الأمر بالطفلة تنهض وتتقيأ جانباً وهي تبكي.
ما إن نظرت مورغانا بعدها إلى هيرارا حتى تنهدت هيرارا وابتسمت بتوتر: "الضعفاء لا حق لهم في الاختيار، تعلمين ذلك".
تلت أيام بعد ذلك ولم يتغير الطعام كثيراً واستمر الطارق برمي الفئران الميتة مع كمية كبيرة من المياه السوداء.
وبعد أسبوع تغير الوضع عندما تم رمي فأر على قيد الحياة وترك يركض داخل الغرفة لتبدأ الطفلة في محاولة صيده بعد أن نفدت خياراتها أثناء الانتظار وقد ردد الطارق نفس الكلام.
وتسارعت الذكريات لتنمو لتتخطى بها عامين داخل تلك الغرفة، لتنمو الطفلة الصغيرة وتخسر نظرتها الطفولية وقد زخرفت الخدوش جسدها ولم يتبقَّ من الحيوانات التي دخلت الغرفة سوى عظام تصنع بها الطفلة أسلحتها، فأتى صوت لم يكن بغير صوت شخص يقف قرب الباب، لكن بينما توقفت الطفلة لتنظر إلى الفتحة لترى ما الذي قد يدخل الغرفة.
لكن ما إن سمعت صوت انفتاح الباب حتى تركت ما بيدها واختبأت، وعندما دخل الرجل الملثم، قفزت الطفلة عليه وتعلقت خلف ظهره وسحبت أنفه ليميل رأسه ثم تضرب عنقه المكشوف بالجهة الحادة من عظم أحد الحيوانات.
لكن ما إن لمس العظم رقبة الملثم حتى انهار على نفسه، وتحركت يد الملثم ليمسك الطفلة ويرفعها أمامه بينما تقاوم ويشير: "لستِ طعاماً، لقد حان وقت اختباركِ الثاني أيها الفأر الصغير".
توقفت مقاومة الطفلة وهي تنظر لتلك العيون القرمزية، ثم ما لحقت أن تستوعب حتى بدأت جفونها تتساقط ببطء لتفقد وعيها.
وفجأة أدار الملثم رأسه لينظر جانباً.
مباشرة حيث تجلس مورغانا وهيرارا، فتفاجأت مورغانا بينما أشارت هيرارا ببطء إلى جدار خلفهم لتفهم مورغانا ما ينظر له ذلك الشخص.
وتغير المشهد.
غرفة بيضاء ببلاط أبيض وجدران بيضاء وحواف محددة بأسود، وبداخل الغرفة استيقظت الطفلة بين مجموعة من الأطفال قبل أن يبدأ الاختبار مباشرة.
"اختباركم الثاني أسهل" وقف الرجل الملثم وخلفه رجلان ملثمان مثله ثم رمى كتاباً وأشار له: "هناك تقنية هنا، تعلموها... هذا كل شيء".
واختفى الملثم بعد ترك عدد هائل من نفس الكتب فعم الصمت الغرفة ببطء، ينظر كل طفل للآخر وعندما لم يتحرك أحد تقدم أحدهم ساخراً ليأخذ أحد الكتب.
وعندما لم يحدث شيء له تحرك الآخرون.
وبعد ساعات...
انشقت الأرض لتصعد مائدة من المأكولات الفاخرة.
راقب الجميع المائدة بريبة قبل أن يتقدم نفس الشخص بسعادة، ورغم تحذير الآخرين إلا أنه لم يهتم، كان الطعام أمامه وكان هذا هو المهم وقد أثبت بتقدمه أن الطعام آمن، فحتى بعد أن أكل لم يكن يصرخ أو يتقيأ بل فقط بكى من طعمه الذي كاد ينساه.
وبتردد تقدم الثاني ثم الثالث ثم الطفلة والآخرون.
فأخذت الطفلة ما تستطيع حمله ثم ركضت بعيداً عن الآخرين لأحد الزوايا المنعزلة وتلت أيام هادئة بعد ذلك.
يوماً بعد يوم استمرت المائدة تقدم بنفس الطريقة في الوقت نفسه حتى أشارت هيرارا فجأة وهي عابسة إلى مورغانا:
"لنتوقف هنا".
"ما الأمر فجأة؟" استغربت مورغانا فترددت هيرارا:
"أليس علينا الذهاب لإنقاذ السيد الذي يكرهني؟ دعينا نتوقف هنا، أنتِ تعلمين أنني لن أقتلكِ بعد الآن".
استغربت مورغانا، ولكن قبل أن تتحدث، فُتحت أبواب القاعة فجأة ليدخل الرجل الملثم ويسأل عن تقدم الجميع وهو على علم أن أغلب الأطفال قد تجاهلوا الكتب وركزوا على الطعام.
وبهدوء رفعت الطفلة عينها من على كتاب عندما صرخ أحدهم بشيء لم يكمل حروفه حتى كاد رأسه ينفجر مكانه.
"مورغانا" عبست هيرارا فانتبهت مورغانا، فنظرت هيرارا إلى القاعة بعيون ضيقة: "هل تعلمين ما هو مصير الضعفاء الذين لا يستمعون للأقوياء؟"
قبل أن تجيب مورغانا تحرك الملثمون نحو مجموعة من الأطفال، ثم واحداً بعد الآخر.
كل من تم تصنيفه كإضافة لزم أن يتم تنظيفه.
راقبت الطفلة المشهد بهدوء خلف الكتاب حتى اقترب أحد الملثمين منها لكن لم ترفع رأسها، فهاجم ليخترق جسد الفتى الذي كاد يضايقها طيلة أيام سابقة.
رفعت الطفلة يدها بهدوء بعد أن صبغ دم الطفل جسدها ومسحت الدم من على عينها وتابعت القراءة بينما تراجع الملثم بهدوء.
ثم غادر الملثمون بعدما بقي سبعة أشخاص فقط في الغرفة يحدقون في كتبهم بهدوء، وأحدهم كان التوتر واضحاً على جسده وأصبح توتره أكبر عندما أشرقت هالة ذهبية على جسد أحد الأطفال فصرخ بنجاحه، ولم يستغرق الأمر وقتاً طويلاً حتى نجح شخص آخر.
ثم نجحت الطفلة والآخرون ما عدا الطفل المتوتر، ليعود الملثم إلى القاعة بهدوء، وبسرعة تحرك الذي فشل في فهم التقنية وركع أمام الملثم وبدأ في تقديم أعذار واعتذار لكن تم تجاهله ببساطة وتم الإعلان عن الاختبار الثالث:
"يمكنك الخروج من الغرفة عبر الحصول على قلب واحد".
لم يقل الملثم أي شيء آخر وأغلق عينه وفتحها لتتبخر جثث الأطفال التي تم القضاء عليها قبل أيام ثم غادر بهدوء دون أن يلتفت لأحد.
فنظر الأطفال بعيون حذرة لبعضهم البعض قبل أن يتحرك الذي فشل وبشكل مفاجئ ليطعن أقرب شخص إليه من ظهره، ولم تكن الطفلة مستعدة لذلك الهجوم فوجدت نفسها تسقط فجأة في ألم هائل أيقظ حواسها.
"قلب، أحتاج فقط إلى قلب واحد" نظر الطفل بجنون إلى الآخرين وابتسم مشيراً: "وماذا إن تعلمتم تقنية قبلي؟ يمكنني فقط التخلص منكم... لا تلوموني فهذا ما علينا فعله من أجل النجاة".
تحرك الطفل وأخرج السلاح بسرعة من جسد الطفلة وهاجم الثاني، لكن اشتعل جسد الطفل الثاني بهالة ذهبية ومرر يده فقطع رأسه قبل أن تبدأ يده في الارتجاف ومع ذلك لا يزال يجيب: "أنت محق ومخطئ، لكن خطأك لا ينفي أنني مخطئ أيضاً في ما أفعله".
عبس الطفل ونظر إلى الآخرين: "أنتم شاهدون على ذلك، لقد حاول سلبي حياتي فسلبته حياته، ومع ذلك هذا لا يعني أنني أكرهه بل هذا فقط ما قام هو باختياره، لذلك سوف أسامحه وأسامحكم فاسمخوا لي بالمغادرة أولاً".
تراجع الأطفال فأومأ الطفل ونظر إلى الطفلة التي استلقت على الأرض لا تزال تتشبث بحياتها، فعادت نظرته إلى الطفل الذي فقد رأسه وقام بغرس يده في جسد الطفل ثم استخرج قلبه قبل أن يتوجه بهدوء نحو الباب فسمح له الملثم بالخروج.
ما إن لاحظ الأطفال ذلك حتى ابتعدوا عن بعضهم البعض، فنظر أحدهم إلى الطفلة المرمية على الأرض وغارقة في دمائها فتحرك بسرعة من أجل الوصول لها، لكن لم يكد يصل حتى هاجمه أحد الأطفال من خلف ليتوقف من أجل أن يدافع وهو يلعن، فتدخل الآخر ليبدأ الأربعة في قتال بعضهم البعض.
ورفعت الطفلة عينها تنظر إلى أحد الأطفال يصفع عنق الآخر ويخترق أحدهم عين الآخر، ويدخل آخر اثنين في صراع بلكمات مع بعضهما البعض، لتنظر الطفلة بجانبها إلى سلاح الطفل الذي هاجمها من قبل فبدأت تزحف لتلتقطه، وما إن قامت بالتقاطه حتى أظلم العالم فجأة.
عبست مورغانا وهيرارا، فنظرت هيرارا إلى مورغانا متسائلة: "كانت هذه من ذكرياتي المفضلة لمَ توقفتِ الآن؟"
"ألستِ أنتِ من طلب مني أن نتوقف قبل قليل؟"
"هل فعلتُ؟" فكرت هيرارا قبل أن تتذكر ثم رفعت كتفها عرضاً: "لا يهم، ليس الآن، عليكِ أن تري كيف نجوت، لقد كنت رائعة في تلك اللحظة، أرجوكِ فلتنظري".
"لا أستطيع" رفعت مورغانا كفها فظهرت كرة ذهبية ثم تلاشت: "لم أعد أملك طاقة لدعم هذه القدرة أكثر من هذا، وفي اللحظة التي تتوقف فيها التقنية سوف أفقد وعيي لذلك أريد التأكد من موقفكِ قبل ذلك".
"موقفي من ماذا؟"
"قتلي".
"لماذا سوف أقتلكِ؟"
".." هل هذا سؤال؟
"لديكِ تعبير لطيف على وجهكِ مورغانا" ابتسمت هيرارا ثم فكرت قليلاً قبل أن تسأل: "إذا ارتحتِ هل يمكنني أن أرى باقي ذكرياتي؟"
أومأت مورغانا بتردد فابتسمت هيرارا:
"حسناً".
"من المؤسف أننا لا نستطيع أن نرى المزيد ولكن لنستمر في رؤية ذلك بعد أن تستريحي جيداً ولا تقلقي أنتِ لي الآن وسوف أحميكِ".
"ماذا يعن..." توقف كلام مورغانا عندما انكسرت السماء فجأة لتكشف عن عالم من ظلام وقمر أزرق، وعلى جسد مورغانا تلاشى الضوء الذهبي والأبيض فتخلى عنها القرن وجناح وحيد لتسقط وعينها تغلق نحو الأرض.
وما إن كادت تقع حتى أمسكتها هيرارا بسرعة وابتسمت بينما تتحدث: "ارتاحي جيداً، سوف أكون بقربكِ عندما تستيقظين".
_____________
نهاية الفصل
_____________
من هو طفل صاحب الهالة ذهبية، لقد ظهر سابقا :)
ملاحظة صغيرة: لا تتوقف ذكريات هيرارا هنا بدون سبب بل لأن العقيدة الخاصة بها بنيت في هذا الجزء الذي ظهر من ماضيها