الوحي....
القدر المطلق الذي لا يجرؤ أحد على التشكيك فيه.
والمصير المحتوم الذي ولدت من رحمه الإمبراطورية المقدسة، وسقطت تحت أقدامه الممالك والمدن..
كلمة واحدة تنطلق من أفواه الكهنة كفيلة بأن تزرع الأمل في قلوب المنهكين بعد ليلة الشتاء الأسود، وتسكب الرعب في أرواح الملوك والعبيد.
في النهاية الجميع يعلم...
ما خرج من أفواه الكهنة سوف يتحقق بفضلهم أو يُمنع من التحقق بفضلهم، فسواء كان يحمل سوءاً للناس أو طوق النجاة، فالكلمة النهائية تعود لكهنة الإمبراطورية المقدسة.
وقد كتب التاريخ نفسه بحبر من دم على أراضي هذه القارة أن بين الوحي والموت تقع السلطة المطلقة لكنيسة النور وكهنة الإمبراطورية المقدسة.
"تحدث،" أمر راي دون أن يجلس.
"أصدرت الإمبراطورية المقدسة وحياً عبارة عن مقطعين، الأول هو:"
«عندما يصبغ الغسق وجهَ السماء بالدم، ستتهاوى 'النجمة العتيقة' التي فقدت بريقها.. ومن رمادها سيخرجُ من الشرق 'أسدٌ بقلبِ العالم' ليحكمَ القفار.. والثلج القادم لن تذيبه إلا نيران الحق.»
"ما هذا؟" عبس راي مرتبكاً.
"كما يعلم جلالتك، فلا يتم الكشف عن تفسير الوحي إلا عندما يخرج الكاهن الأعظم من العزلة، وذلك يتوافق مع مراسم الطمأنينة التي يشارك فيها الكهنة على أرض كل دولة يدعمونها."
"أعلم،" تنهد راي وسأل: "ماذا عن المقطع الثاني؟"
أومأ الظل وتابع:
«عندما يودع القمر الأحمر هذه الأرض، ستنبتُ في الحقول 'سنابلُ سوداء' لا تؤكل، وسينطقُ الحديدُ بلسانِ البشر، وتكفُّ الطيورُ عن الهجرةِ شمالاً.. إذا رأيتم الغريبَ يوزعُ الورق، فاعلموا أن 'روح العالم' قد غادرت، وأن ليلةً مدتها ألف عام قد بدأت.»
"ماذا يعني هذا حتى؟"
"جلالتك، حالياً هذا كل ما تم التبليغ عنه من خلال الرقم المختبئ داخل إمبراطورية النور، وسيبدأ هذا الوحي في الانتشار في كل أرجاء القارة من خلال لسان الكهنة ."
"أعلم، لا داعي لأن تشير."
10 أيام...على يوم إعلان.
مع مراسم الطمأنينة على الكهنة الصعود للمسرح والإعلان عن الوحي، وبذلك يجددون سلطتهم التي تغيب خلال عزلتهم في ليلة القمر الأحمر والشتاء الأسود.
"هذا مزعج، راقبوا الوضع حالياً، خصوصاً تحركات الكنيسة."
"أمرك."
مع تلقي الأمر اختفى الظل من مكانه، ففرك راي شعره عدة مرات قبل أن يرمي الكتاب على السرير ويتوجه ليستحم.
"النجمة العتيقة..." تمتم راي داخل الحوض بهدوء: "نجمة..."
"أستر... بالتأكيد الوحي الأول يشير لنا."
"لكن الثاني؟"
[لماذا تزعج نفسك في التفكير؟]
"أرتيل، لا تتحدثي معي وأنا أستحم فذلك غريب."
[إن كان الوحي يزعجك، فلمَ لا تسأل أرواح النور عن معناه بشكل مباشر وتنهي دورة التفكير هذه لتركز على الأهم؟]
"هل أستطيع؟"
[لماذا لا تستطيع؟ هل نسيت أنك تمتلك سمة النور؟]
"لحظة، هل يمكنني التواصل مع ملك أرواح النور أيضا؟"
[لماذا؟]
"هذا ما تعبده كنيسة النور وهو مصدر الوحي، وبصراحة أتأساءل عن الهراء الذي ينطق به، فحتى الحارس بدا أنه لا يجرؤ على لعب مثل هذه المسرحية."
[أوه، إذن لقد قابلت الحارس؟]
"ركزي على المهم."
[نعم تستطيع، بما أنه مخلوق في هذا العالم فيمكنك التواصل معه من خلال بوابة الروح. الوحيد الذي لا تستطيع التواصل معه من خلال بوابة الروح هو الحارس لأنه ليس مخلوقاً من هذا العالم.]
"المهم، أستطيع؟"
[نعم، لكنني لا أعلم اسمه الحقيقي.]
"إذن لا أستطيع."
[تستطيع ولكن لا يمكنك.]
"توقفي عن التلاعب بالكلمات."
[لا تتحدث معي وأنت تستحم!]
"أيتها..."
لعن راي بين أنفاسه وأنهى استحمامه وخرج، وبعد تجفيف نفسه لم يحتج لأكثر من ضغطة زر على السوار الذي منحه له ري من أجل إعادة ارتداء ملابس أفضل.
مباشرة بعد ذلك ذهب إلى الكتاب، وقبل أن يفتحه أتى طرق من الباب جعله يلعن: "ما الأمر الآن؟"
"ادخل!"
فُتح الباب...
دخلت صاحبة الشعر الأسود والعيون البنفسجية بنظرة استغراب: "لمَ أشعر أنك منزعج؟"
"مورغانا..."
"نعم.... " توقفت نظرة مورغانا على راي وتجمدت: "من أنت؟"
"هل تمزحين؟"
"ماذا حدث لك؟" اقتربت مورغانا بعد أن أشارت للخدم بشكل عرضي بأن لا يلحقوا بها، وبعد إغلاق الباب توجهت مباشرة إلى راي.
تنهد راي مسترخياً، بينما أخذت مورغانا نظرة على السرير الذي صبغته الدماء، ثم وقفت أمام راي تحدق فيه بذهول: "لدي الكثير من الأسئلة، لكن ما الذي يزعجك؟"
"ذلك..." تنهد راي وكشف عن الأمر: "لقد ظهر الوحي."
"هل ظهر؟" لم تبدُ مورغانا متفاجئة: "لكن ما الذي يزعجك؟"
"كيف لا أنزعج و..." توقف راي ونظر إلى مورغانا متفاجئاً: "هل كنتِ تعلمين عن الوحي؟"
"بالطبع، ألم أخبرك؟" مال رأس مورغانا مشيرة: "لهذا أردت العثور على القديسة بسرعة، فالوحي الأول كان ينبئ بظهورها، أما الثاني فقد كان غريباً."
"لكن هل تعلم" ابتسمت مورغانا مشيرة: "لقد عثرنا علي القديسة وبعد أيام سوف تأتي إلى القصر."
"لا،" توقف راي مرتبكاً وأشار: "الوحي الأول لا ينبئ بظهور أحد."
ارتبكت مورغانا، فأعاد راي سرد الوحي.
الأول لم يكن ينبئ بظهور أحد، بينما الثاني كان يحذر من علامات الكارثة القادمة.
"هذا مختلف،" عبست مورغانا، وعندما لاحظت نظرة راي تابعت: "المقطع الأول مختلف أما الثاني فهو نفسه."
"النجمة العتيقة هي إمبراطورية أستر، فترجمة 'أستر' في لغة الأرواح تعني النجمة العتيقة،" أشارت مورغانا ثم تابعت: "والأسد هو شعار مملكة جورد. إنهم يبشرون بسقوط أستر وولادة إمبراطورية جورد."
"إذن هذا معنى الوحي الأول."
"لست متأكدة، لكن هذا سيء." أمسكت مورغانا ذقنها تفكر، لكن معرفة ذلك جعلت راي أكثر استرخاءً.
تنهد ووضع يده على رأسها: "لا بأس، بما أنني علمت هدفهم من المقطع الأول فلنتحرك على حسب هذا الافتراض. بمناسبة ذلك، ما الذي أتى بكِ فجأة؟"
"نعم تذكرت!" عاد تركيز مورغانا وأشارت: "إنه وقت الظهر، وبما أنك منعت الخدم من دخول غرفتك فكان عليّ أن آتي للاطمئنان عليك بعد أن أخبرني ري أنك استيقظت منذ مدة.. لكن انظر لنفسك!"
"ما الأمر مع هذه النظرة؟"
"لا، لا شيء،" ابتسمت مورغانا ومدت يدها لتضعها على رأس راي كما كان يفعل كل مرة: "مبروك، لقد أصبحت كائناً حياً!"
"هل تسخرين مني أيضاً؟"
"أزيل ضغط هذا الهراء الذي تتفوه به الكنيسة."
تنهد راي بعد أن أزالت مورغانا يدها وابتسم: "إنه حقاً نوع متقن من الهراء."
"إذن ما خطوتك التالية؟ فلو كان افتراضنا صحيحاً فعليك الوقوف في وجه الإمبراطورية المقدسة، إما أن ترضيها لتعطي معنى مختلفاً للوحي أو أن تعارضها لندفن معاً."
"لا يبدو أنكِ قلقة جداً من الفكرة الثانية."
"أنا أكره كنيسة النور في كلا الحالتين، وبما أنني أراك سوف تتحرك ضدها بسبب هذا الوحي فهذا يسعدني قليلاً."
"لقد أصبحتِ صريحة هذه الأيام،" ابتسم راي: "حسناً، دعيني أفكر كيف أتعامل مع هذا، لكن كأول خطوة أريد منكِ الاستعداد لمراسم الطمأنينة."
"ألن تترك هذا للكنيسة؟ فهي المسؤولة عن هذا الجزء."
"لا... هذا الجزء أصبح ركن الروح هو المسؤول عنه،" أشار راي بجدية؛ إن هذه هي الفرصة الأعظم لركن الروح من أجل زرع بذوره على هذه الأرض.
"كما تشاء."
.....
في هذه الأثناء..
في زنزانة تحت الأرض في مكان مجهول:
جسد رجل عضلي مربوط بسلاسل تغطيه الثلوج وشعره الأبيض الطويل كان يغطي ملامحه، كان تنفسه البطيء هو الدليل الوحيد على أنه لا يزال على قيد الحياة.
حتى ظهر شخص بشعر أسود وعيون ذهبية خلف الزنزانة ورمى طبقاً من الأكل إلى الرجل المقيد وهو يقول:
"استيقظ، لقد بدأت الكنيسة تهمس في أذن القارة بأن 'أستر' قد انتهت. مملكة جورد استلمت الوحي، وهم الآن يحركون خيولهم وسط الثلوج، وبفرسان النور سوف يمهدون لهم الطريق."
"هاه... وما شأني أنا في الموضوع؟"
أظهر صاحب الشعر الأسود نفاد صبر: "إلى متى سوف تسمح لهؤلاء الحثالة بسجنك هنا؟ تذكر هذه فرصتك الوحيدة، إذا تحركت واستغللت أستر..."
"توقف!" أمر واحد جعل صاحب الشعر الأسود يتوقف، وتابع السجين بهدوء: "إذا لم ترغب في الموت فغادر هذا المكان، فيصادف أنني بدأت أشعر بالملل داخل هذه الزنزانة."
"هل هذا يعني...؟"
"أوصل تحياتي إلى والدك."
"كما تشاء،" ترك صاحب الشعر الأسود صدى كلماته الأخيرة واختفى، بينما تنهد السجين ورفع رأسه يحدق في السقف قبل أن يبتسم متسائلاً:
"يا ترى، كيف حال تلك القطة؟"
___________
نهاية الفصل
___________