مر يومان من التحضيرات، وخمسة أيام منذ أن وصلت أخبار الوحي إلى القصر، وعلى السطح لم تقم مورغانا وركن الروح بأي تحركات؛ حيث ركزت على خلق نوع من السكون المريب في العديد من المدن الاستراتيجية وعلى رأسها العاصمة.
بينما استمر راي في إعادة ترتيب القطع التي يملكها ومحاولة دفع النظام للأمام قدر الإمكان.
وصباح اليوم الخامس، ضيف جديد حل على القصر.
سارعت إحدى الخادمات من أجل ترك عملها واستقبال الضيف؛ لوليتا التي كانت مهمتها مراقبة تصرفات أكيرا، لاحظت تحركات الخدم المستعجلة على عكس المعتاد.
"ماذا يجري؟"
رغم أن القصر معتاد على استقبال العديد من الضيوف كل يوم منذ نهاية الشتاء الأسود، إلا أن هذه التحركات تدل على أن هناك أوامر من الأعلى بأن الضيف القادم مهم.
فلحقت لوليتا بالخادمات واصطفت قرب كيمي قبل أن تسألها ما إن كانت تعرف من هو القادم، ورغم علم كيمي بمن هو القادم إلا أنها لم تكشف عن ذلك؛ فقبل أن تكون خادمة، فهي جزء من أطراف عمود الروح أيضاً.
وحتى لو كانت لا تعلم أن الفرقة التي تعمل معها هي فرقة تابعة للإمبراطورية وجزء من عمود الروح، إلا أنها تدرك مهمتها وتعلم أن لفت الانتباه قد يكون أسرع طريقة للموت.
فتجاهلت لوليتا ووقفت بهدوء تنتظر وصول العربة للتأكد من الخبر الذي تعرفه بأن القادم هو ضيف الشرف للبرج الأسود.
على كل حال، مهما فعلت لم يكن ذلك مهماً طالما تلتزم بالبروتوكول، ولم يكن البروتوكول الحالي صعباً؛ فبجانب الإمبراطور يُمنع رفع عينيك والنظر إلى عيون الضيوف مباشرة، وبالطبع هناك قواعد لا يجب مخالفتها لكنها متعلقة بالإمبراطور بشكل عام.
منها وضع اليدين كلتيهما إلى الأمام وانحناء الرأس باحترام أمام الإمبراطور.
أيضاً لا يجوز التحدث قبل أن يبادر الإمبراطور بالسؤال، وكذلك لا يجوز الاعتراض على أوامره ولا إبداء رأي، وفي المكان الذي يوجد فيه الإمبراطور يجب حتماً أن تكون على بعد ثلاث خطوات خلفه أو أكثر.
لكن من النادر رؤية الإمبراطور يتجول رغم أنه في القصر، مما جعل هذه القواعد عديمة الفائدة حتى الآن.
على أي حال، وصل اليوم خبر حضور ضيف، وبصفتها شخصاً من الأطراف كان عليها أن تكون على اطلاع بأي تحركات مريبة من الخدم. وبعد لحظات من الانتظار، وصلت عربة يجرها حصان واحد إلى بوابة القصر.
نزل السائق وفتح الباب ليخرج رجل يملك عينين ضيقتين، عدل الرجل ملابسه الرسمية، ثم ابتسم ومد يده من أجل الشابة خلفه التي بدت مرتبكة وغير معتادة على مثل هذه التصرفات.
في تلك اللحظة، وعلى الرغم من التدريبات المكثفة التي خضعت لها كيمي، وعلماً أن البروتوكول يفرض عليها خفض نظرها نحو الأرض، إلا أن الفضول غلى بداخلها عندما سمعت صوت الفتاة خلف الرجل الذي نزل.
'ألم يكن هو الوحيد الذي سوف يأتي اليوم؟'
مرتبكةً، حاولت خلسةً تفحص الرجل صاحب العينين الضيقتين، لكنها سقطت في المحظور؛ فقد التقط الضيف نظرتها في جزء من الثانية وهو يدخل.
لم تكن مجرد نظرة، بل كانت شعاعاً نافذاً اخترق روحها، مما جعل جسدها يرتجف ببرودة كأن صقيع الخارج قد استوطن بداخلها.
لكن لم تتغير ابتسامته وتجاهلها بهدوء بينما يسير في ممر الخدم، وخلفه الفتاة الشابة التي ترافقه تبدو كعصفورٍ صغير ضائع وسط أعمدة الرخام الشاهقة؛ ملامحها رقيقة، وعيناها الواسعتان تلمعان ببراءة وهي تحاول جاهدةً ألا تتعثر بطرف ثوبها.
تقدم الرجل بخطى واثقة نحو رئيسة الخدم التي استقبلته بهدوء تام، لتطلب منه بعدها أن يلحق بها نحو مكتب الإمبراطور.
"مارتس،" همست الفتاة فجأة إلى الرجل وسألت: "هل حقاً لا بأس بقدومي لهذا المكان؟"
"لا تقلقي، استرخي، لن يحدث شيء."
"هل أنت متأكد؟" همست الفتاة أملًا أن يقول شيئاً يريحها، لكن مارتس اكتفى بتكرار نفس الكلام وطلب منها الاسترخاء مجدداً.
لكن لا فائدة من ذلك؛ الخبر الجيد الوحيد هو أن الإمبراطور ليس هو الذي قام بدعوتها، لكن علمها أن الإمبراطورة هي من استدعتها لم يجعل هذا الخبر جيداً مع ذلك.
قد تكون فتاة رقيقة، لكنها لم تكن غبية؛ كانت تدرك أن استدعاء الإمبراطورة لها يحمل خلفه غاية، لكنها لم تملك خياراً سوى الحضور حمايةً لعائلتها وحماية نفسها، فهذا استدعاء من عائلة ملكية وهو لا يختلف عن أمر مطلق بالحضور.
لكن الآن كل خطوة أثقل من الأخرى.
كانت متأكدة أنه لولا وجود مارتس لكانت قد انهارت قرب الباب من فرط التوتر؛ هذا الرجل الهادئ الذي لم تلتقِ به إلا قبل خمسة أيام فقط، حيث أتى للقائها حاملاً الرسالة ومنحها خمسة أيام كاملة لتجهيز نفسها بكل احترام، أصبح هو خيطها الوحيد الذي تستطيع التمسك به داخل هذا القصر.
رغم أن ذلك الخيط الذي يرسم ابتسامة على وجهه كان أكثر توتراً منها في هذه اللحظة!
وبين فكرة وأخرى، لم يعلم الاثنان متى وصلا أمام باب مكتب الإمبراطور.
"لقد وصلنا، من هنا يجب أن تكمل وحدك، بينما سوف آخذ الآنسة إلى مكتب الإمبراطورة."
"حسناً."
"لا، لحظة!" أرادت رئيسة الخدم عزل الفتاة لنقلها إلى جناح الإمبراطورة، لكن الفتاة ترددت وسألت بصوت خفيض: "ألن ألقي التحية على جلالته أولاً؟"
ابتسم مارتس بهدوء وأجاب: "سوف تقابلين جلالة الملكة، لا يمكنكِ مقابلة جلالته في مكتبه دون موعد مسبق، إن كنتِ ترغبين في ذلك فيمكنني سؤاله."
"لا لا، بالطبع يمكنك الذهاب، لكن..."
فهم مارتس وأخذ يربت على رأسها: "لا تقلقي، سوف تكونين بخير، لكن من الجيد أن تقابلي جلالته، فما رأيكِ؟"
"لا، بالطبع لا!" رفضت فلورين بشكل قاطع.
"حسناً،" نظر مارتس بخيبة أمل للفتاة، كان يتمنى لو يستخدمها لفهم الشخص الذي سوف يقابله بشكل أفضل، لكنه لم يتمكن من إجبارها، ثم بهدوء طلب من رئيسة الخدم أن تعتني بها. وقبل أن يغادر مارتس سألته الفتاة بهدوء:
"هل سوف تعود معي لاحقاً؟"
أكد مارتس بهدوء، ثم ربت على رأسها كفتاة صغيرة وطلب منها التصرف بأدب قبل أن يفترقا. ومع وقوفه أمام الباب، تحرك الحراس من أجل الطرق والحصول على إذن بفتح الباب، وسرعان ما أتى صوت ري من الداخل يسلمهم إذن الدخول.
في هذه الأثناء تنهدت فلورين بينما لحقت برئيسة الخدم إلى مكتب الإمبراطورة، ثم ما هي إلا لحظات قليلة حتى عاد التوتر ليغزو جسدها.
'يا إلهي، أتمنى ألا يحدث شيء!'
....
بالعودة إلى المكتب، فتحت الأبواب ودخل مارتس ليسيطر عليه التوتر، لكن لم ينعكس التوتر في حركاته أو تصرفاته.
لقد أعلن ولاءه لـ "ري" وكان يحترم هذا الشخص، لكن الآن يقف أمام صاحب العرش وجهاً لوجه وسيد الشخص الذي أخضعه؛ كيف سوف تكون شخصيته؟ كيف عليه التصرف؟ هذا ما كان يقلقه، فقد جمع معلومات لكنها كانت قليلة جداً.
قليلة جداً لدرجة جعلته يشك في كل المعلومات التي جمعها؛ فالفتى الذي كان مثل الدمية في يد النبلاء تحول فجأة في أحد الأيام لمفترس يكشر عن أنيابه.
ولم يكن هناك أي تحضير لذلك!
حدث كل شيء فجأة لدرجة جعلت الأمر يبدو كشخص مختلف تماماً، مما جعل أي معلومات من الماضي معلومات مشكوكاً فيها، وأي معلومات جديدة بدت تافهة لدرجة كان من الصعب تصديقها.
هل كان يمثل أم حدث تغير غيّر قلبه؟
لا أحد يعلم.
فوق ذلك، خلفيته كقائد منظمة مجرمين مطلوبين للعدالة جعلت الضغط الذي يتعرض له مارتس أقوى، فأخذ أولاً نفساً وهدأ، وسار إلى الداخل بخطوات محسوبة، أملًا ألا ينقلب الوضع في الدقائق التالية.
____________
نهاية الفصل
____________