دخل مارتس ومسح الغرفة بعينيه من باب العادة، لكن عينيه ضاقتا أكثر حين وقعتا على ري؛ فالمعلومات كانت تشير لعدم وجوده في العاصمة.
بشكل أدق، لقد تركه قبل خمسة أيام في مدينة الضباب، وكان بعض رجاله يراقبون تحركاته، لكن كيف حضر هنا وآخر تقرير يؤكد أنه لا يزال في مدينة الضباب؟
حسناً، لم يكن هناك وقت للتفكير بذلك؛ تجاهل ارتباكه، وتقدم بوقار لينحني أمام صاحب الشعر أبيض والعيون الذهبية:
"أحيي شمس الإمبراطورية، مارتس فلون يستجيب لنداء جلالتك."
ابتسم راي وهو ينظر إلى مارتس، أحد الأسياد الثلاثة لمنظمة الخنجر الأسود والمرشح الأقوى، الذي رشحه ري من أجل قيادة ركن الاستخبارات.
أومأ راي بهدوء وتحدت: "مارتس فلون، يؤسفني أن لقاءنا تأخر إلى هذا الحد، يسرني قدومك، لقد سمعت الكثير عنك، لكن سمعت أنك من عرق إلف الظلام أيضاً."
"أنت محق جلالتك،" نزع مارتس القلادة التي يرتديها مؤكداً، ومن أذنيه إلى شعره وصولاً إلى لون بشرته الذي تحول إلى الرمادي، تغير شكله مؤكداً أن شكله السابق لم يكن سوى تمويه.
"أعتذر عن إخفاء ذلك، كان لأغراض عدم جذب الانتباه أثناء دخول القلعة."
"حسناً، قبل أن أبدأ فأن لدي سؤال."
"تحت أمر جلالتك."
"هل تخجل من إظهار عرقك؟"
ارتجف جسد مارتس، لكنه حافظ على ابتسامته قبل أن يجيب: "لا جلالتك، لا أخجل مما أنا عليه."
"جيد، لأنك سوف تمثل صورة العمود الثالث في الصحف مستقبلاً، ومن الجيد أن تعتاد على الأضواء."
"عفواً؟" ارتبك مارتس ورفع رأسه.
"دعنا نجلس أولاً،" قام راي من مكتبه وأشار إلى مارتس بالجلوس معه على أريكة من أجل الاجتماع، وكذلك ترك ري ما في يده وحضر إلى الطاولة، وعلى الطاولة كانت هناك خريطة الإمبراطورية التي تم تعديلها، وقد فقدت 45% من أراضيها لصالح مملكة جورد.
"تريد أن تسأل لمَ قلت إنه يجب أن تعتاد على الضوء؟"
"إن سمح لي جلالتك بسؤال،" أجاب مارتس باحترام.
"الأمر بسيط، الاختباء خلف الجدران ضعف، والاختباء خلف 'الحقيقة' هو القوة المطلقة. أريدكم في الصحف كأبطال، لكي تتحركوا في الواقع كأشباح. وبما أنني قررت منحك مقعد الركن الثالث رسمياً ولو بشكل مؤقت، فأريدك أن تكون مستعداً لذلك؛ فوجه قائد هذا الركن يجب أن يكون معروفاً."
"تحت أمر جلالتك."قبل مارتس دون إعتراض.
"لقد وصلني تقرير مهمة الاختبار الذي خضعت له لترتقي لهذا المنصب،" توقف راي وأخذ أوراقاً من ري: "وقد قمت بعمل جيد، لكن أسلوبك لا يزال يعتمد على اللعب في الظلال، يبدو كما لو أنك كنت تفكر أن الشيء الذي أنت مسؤول عنه هو مجرد منظمة تجسس تابعة للحكومة."
توقف راي وفحص وجه مارتس ثم ابتسم، فلم يكن من الممكن قراءة تعبير مارتس، لكن صمته يؤكد ذلك.
وفجئة تحدت مارتس "جلالتك، لقد اطلعت على تفاصيل هذا الركن، وحسب اعتقادي الأولي فمهمة هذا الركن هي جمع المعلومات وتزويد الحكومة بالمعلومات التي تحتاجها. إن سمحت لي، هل هناك أي أهمية لظهورنا للعلن؟ فجميع الدول تفضل إبقاء الفرق التي تجمع المعلومات في الظل حتى لا يتعرض أعضاؤها للتهديد مما يؤدي لكشف المعلومات."
أومأ راي موافقاً مع رأي مارتس، ورغم أن مارتس تجاهل ما قاله راي قبل قليل دون وعي، إلا أن راي لم يهتم كثيراً وتحدث بهدوء: "حسناً، يبدو أن ري لم يشرح؛ عملكم له أهمية كبيرة في المستقبل، أنت وكل من معك لستم أدوات، بل جزء من إمبراطورية أستر المستقبلية. دوركم لا يقتصر على التجسس بل مراقبة المعلومات والتدخل فيها، وكل ذلك من أجل حماية أمن الإمبراطورية، ولكم نصيبكم من الشهرة. هذا ليس اختياراً، بل هذا أمر."
"وأنا تحت أمر جلالتك."
تابع راي "إن كان عملكم هو جمع المعلومات كما تقول فأنت محق في ما تقوله ، لكن أريد منك الظهور أمام شعب الإمبراطورية وتعلن بفخر أنكم العضو المسؤول عن حماية خصوصية هذه الإمبراطورية."
"وهذا يعني أن كل موظف في هذا الركن عليه أن يدرك أنه جزء من كيان ضخم ويتحمل المسؤولية، وهذه الخطوة التي تبدو عديمة الفائدة تهدف لزرع الولاء في الموظفين، وبطبع من يخون فسوف يجد نفسه ضد إمبراطورية كاملة، ومن يظهر ولاءه فسوف يجد إمبراطورية كاملة في ظهره تدعمه."
"اخد راي نفس قصير وتابع"بل حتى لو مات أي موظف في سبيل تنفيذ المهام، فعليه أن يتخلى عن حياته مستريحاً، فكل من تركه خلف ظهره سوف تعتني به الإمبراطورية جيداً، وبطبع من يُظلم سوف يجد الإمبراطورية أول من يدافع عنه"
"وهذا السبب في أن على هذا الركن أن يظهر للعامة؛ حتى تكون تحركات الإمبراطورية في الحالات المذكورة سابقاً مدعومة بقبول العامة. وكما قلت، جانبكم الجيد سوف يظهر للعلن مثل الكنيسة التي تحظى بقبول العامة بصورة مشرقة وتخفي أفعالها في الظل."
"فهمت."
ابتسم راي وسأل: "هل فهمت بسبب مثال الكنيسة؟"
"لا أنكر ذلك."
"حسناً، يسعدني أنك فهمت، وهذا ليس خطاباً من أجل كسب ولائك بل حقيقة. ثم دعنا نترك هذا جانباً ونبدأ بسبب اجتماع اليوم، فلديك فرصة اليوم من أجل أن تثبت أنك جزء من الإمبراطورية."
مرر ري بعض الأوراق إلى مارتس وشرح الوضع الحالي وهجوم الكنيسة ومملكة جورد وكيف سيتم التعامل معها، ثم أتى دور ركن الاستخبارات وهو معرفة ماذا حدث وماذا سوف يحدث، وكذلك اعتراض ومنع أي محاولة من أجل تصحيح الشائعات التي سوف تنتشر والعمل على إثباتها.
يعني سوف تنشر الصحف أخباراً وسوف يقول ركن الروح إنها حقيقية، وهو من الجانب عليه منع أن يتم طمس تلك الشائعات، ومن جانب آخر عليه التسلل إلى صفوف العدو ومراقبة الوضع.
"هل تستطيع القيام بهذا؟"
"أجل جلالتك."
"جيد، لكن أريد سماع أفكارك."
"إذاً اسمح لي بسؤال جلالتك، ما الذي تعنيه بالاختباء خلف الحقيقة؟"
تفاجأ راي قليلاً؛ فقد كان ينتظر سؤالاً عن المهمة، لكن سؤال مارتس ركز على ما قاله سابقاً.
متجاهلاً كيف يعمل عقل الطرف الآخر، ابتسم راي وشرح الفرق بين "الإعلام الانتقائي" و"الإعلام الشامل الموجه":
"في الصحافة الحالية التي تعتمدها العديد من الممالك، يكون اعتمادها أساسياً على مبدأ 'التعتيم'؛ إذا حدثت مشكلة، يتم منع النشر عنها تماماً، وهذا يجعل الشعب يشك في كل ما يُقال ويبحث عن الشائعات في الخفاء."
تابع راي مباشرة: "ما نريد استخدامه هو الإغراق بالمعلومات، والذي يعتمد على مبدأ 'الشفافية الموجهة'؛ حيث بدلاً من إخفاء المعلومة، نقوم بنشر 'حقائق كثيرة' ومفصلة، والهدف هو التحول."
"التحول؟"
أجاب راي"نعم، عندما يرى الشعب أن الحكومة تنشر حقائق لم تكن تُنشر سابقاً، تنشأ ثقة عمياء. هذه الثقة هي التي تسمح لنا لاحقاً بتمرير أي معلومة استخباراتية وسط الأخبار الحقيقية، وسيتقبلها الناس كأنها حقيقة مطلقة."
توقف راي قليلاً ثم تابع، وقد اهتز تعبير مارتس قليلاً: "وهذا يعني أن تحويلك لشخصية معروفة يهدف إلى جعل الاستخبارات جزءاً من الكيان الوطني المحبوب الذي لا يتجاهل العامة ويحترم رأيهم، وليس مجرد جهاز أمني مرعب يختبئ في الظلام، لتنفيد أوامر إمبراطور، هل تفهم ذلك؟"
"أجل جلالتك."
"حسناً، مهمتك الآن هي تصفية الجواسيس الأجانب داخل العاصمة والسيطرة على المعلومات. عليك التأكد من أن 'الحقيقة' التي نريد نشرها في الصحف هي الوحيدة التي تصل لآذان الشعب، وسحق أي إشاعة معادية في مهدها، بما في ذلك سحق إيمان الناس بالوحي الذي سيتم نشره."
توقف راي وأخذ ري بعض الأوراق ومررها إلى مارتس، وبعد أخذها تكلم ري: [سوف تتعاون مع ركن الروح في هذا، سيكون هناك اجتماع بينك وبين الملكة قريباً، وسوف تكون جوهرة الشتاء ومدينة كالون نقطة البداية.]
"هل سيتم استخدام الآنسة فلورين؟"سأل مارتس مستغربا فعلى حيب مراقبته لها لم يرى من تلك الفتاة أي فائدة حتى الأن.
____________
نهاية الفصل
____________