شعر راي بضيق طفيف من فكرة المستقبل الذي قد تظهر فيه المعارضة والجدل حول كل قرار يتخذه. "أليس من الأفضل وضع قاعدة ذهبية مسبقاً؟"
[مثل ماذا؟]
"شيء مثل: يجب أن تظل كلمة الإمبراطور هي القانون الأعلى والنهائي أو ما شابه.. لكن السؤال هو: كيف سأرسخ ذلك للأبد؟"
[سؤال جيد، لا تتوقع مني إجابة عليه.]
"تسك" نقر راي بلسانه خائباً ثم قام من مكانه متوجهاً إلى المكتب بينما يسأل: "على أي حال ألم تجدي شيئاً من أجل تسريع عملية إعادة البناء؟"
[لقد أخبرتك، بجانب أن الأكل له تأثير شبه ملحوظ على العملية فليست هناك نتائج أخرى كما أنك لا تفعل الكثير هذه الأيام حتى أتمكن من الحصول على بيانات أكثر عن جسدك.]
"ألا أذهب للتدريب كل صباح؟"
[لا تسمِّ تسخيناتٍ تدريباً، كل ما تفعله هو الذهاب واللعب بأسلحة مختلفة والمغادرة قبل أن يبدأ الفرسان تدريبهم.]
"على الأقل أفعل شيئاً."
[هنيئا لك، بجانب ذلك، ألم تكن مهتماً بمعرفة مستوى قوة الفرسان؟]
"وهل لدي وقت لذلك الآن؟" تنهد راي عاجزاً.
صحيح أنه أخبر كاي برغبته في زيارة تدريبات الفرسان، لكن بما أن ذلك لم يكن من أولوياته وبما أن إعادة البناء أجبرته على النوم كل يوم لخمس ساعات على الأقل فكان يصرف كل باقي وقته في العمل أو التخطيط.
عالماً أن مشاهدة تدريبات الفرسان سوف تحتاج منه بضع ساعات ليلتقط شيئاً، قرر راي تأجيل ذلك.
وعاد للتركيز على الوثائق والأختام.
بينما قضى مارتس يوماً كاملاً في اجتماعات مغلقة مع ري ومورغانا فقط من أجل تنسيق التحركات القادمة بين الأركان ووضع خطة في متناول قدرة وموارد الطرفين.
وفي صباح اليوم التالي، أعاد مارتس فلورين إلى مدينتها في عربة أفضل وتحت حراسة أكبر. وفي الظلام خارج القلعة، اختبأ رجال مارتس لمراقبة أي تحركات تهدد سلامة من في العربة. بينما اختبأت الظلال خلفهم لمراقبتهم ومراقبة العربة وضمان عودتها سالمة بأمر من مورغانا.
بما أن بوابات المدن لا تزال مغلقة فقد اتخذت العربة مساراً ناحية بوابة النقل، وبما أن مدينة كالين تعتبر مدينة صغيرة لا تحتوي على مصفوفة نقل فكان المسار يقتضي الذهاب إلى أقرب مدينة إلى مدينة كالين.
ومن هناك افترق مارتس عن فلورين دون السؤال عما جرى في اجتماعها مع مورغانا فلم يكن مهتماً، ثم تركها في رعاية أحد السيوف السابقة الذي رافقها وحرص على سلامتها حتى وصلت إلى مدينة كالين لتجد أهل المدينة في استقبالها.
"ما الذي يجري هنا؟"
كانت نبرة فلورين مرتبكة، هل كان هذا التجمهر فضولاً بسبب العربة والحراس؟
حتى لو كانت كذلك، فلا تزال فترة إغلاق المدن جارية، ودون تفويض خاص من غير الممكن الدخول أو الخروج، وهذا ينطبق على كل مدن الإمبراطورية بما فيها المدينة التي أتت منها قبل قليل.
لكن الآن أبواب مدينة كالين مفتوحة وهناك حشد من الناس أمام البوابة.
عندما توقفت العربة تماماً، بدا على جميع من ينتظرون ملامح العلم المسبق بمن سوف يخرج من العربة، وخرجت فلورين بعد سيد السيف الطويل لتجد سيد المدينة أول من تقدم من أجل الترحيب بها، ولم تعلم إلا في وقت لاحق أن أخباراً عن لقائها بالإمبراطورة وعن أعمالها خلال ليلة الشتاء الأسود قد انتشرت في جميع أرجاء الإمبراطورية.
ولم تكن فلورين هي الوحيدة التي وجدت اسمها على عناوين الصحف الرسمية هذا الصباح، لكنها كانت ألمع نجمة في هذا الشتاء ولم تبخل الصحف في الإشادة بها وبآخرين.
في مساء ذلك اليوم داخل قصر سيد المدينة للذي أصراره على حضورها إلى المؤدوبة التي أعدها، وقفت فلورين خارج قاعة حفلات في إحدى الشرف تحدق في السماء الغائمة ناحية القمر الأبيض المختبئ بين الغيوم.
لسبب ما لم تستطع نسيان المقابلة بينها وبين الإمبراطورة.
تنهدت مجددا وأخذت رشفة من كأسها ثم حدقت في الشراب مرتبكة، تسترجع ذلك اللقاء المربك مع الإمبراطورة.
فعندما غادرت هذه المدينة تخلت عن فكرة الرجوع، فقد كانت تعلم أنه في اللحظة التي تستخدم فيها تلك القدرة التي استيقظت بعد موت أمها وتجذب أصحاب السلطة فسوف يطمعون بها.
فحتى العامة يدركون مدى تميز القدرات الفطرية، ناهيك عن قدرة نادرة تستطيع الشفاء وترافقها سمة نادرة؛ سمة الطبيعة.
هذا الشيء النادر حتى بين الجان لن يكون هناك من لن يطمع به، لكن لم تتوقع أن أول من وصلته الأخبار كان القصر.
هل كان اللورد من أعلمهم؟
لكن عندما سألته نفى ذلك وطلب منها عدم التفكير كثيراً.
ومع ذلك لماذا عادت إلى المدينة؟
لقد ذهبت وهي تتوقع أوامراً، لكن ما حصلت عليه كان "التشجيع والاحترام".
في ذلك اليوم استقبلتها الإمبراطورة بدفء أذاب رعب الفتاة، ومدحت أعمالها قبل أن تعدها بدعم إمبراطوري ثم كافأتها وتركت لها حرية العودة أو البقاء وتقرير مصيرها.
والآن بعد أن اختارت أن تعود لمدينتها، ماذا بعد؟
"هل كان عليَّ أن أختار البقاء؟" تنهدت فلورين ثم شربت الكأس كله دفعة واحدة.
ليس كما لو أن ذلك الخيار لم يعد متاحاً، لكن بطريقة ما فضلت أن يحاول الطرف الآخر استغلالها بشكل واضح على أن يأخذ موقفاً غامضاً كما فعل الآن.
والآن بعد العودة إلى المدينة ونشر أعمالها، عليها حقاً التفكير في خطوتها التالية قبل أن يتوقف القصر عن حمايتها.
"فلورين!" اقتحمت إحدى الفتيات الشرفة، فاستدارت فلورين مبتسمة بعد أن أوقفت أفكارها:
"أنا قادمة."
وبينما تتوالى الأحداث والأعمال، بدأ النظام يستقر مع تدخل ركن جهاز الاستخبارات الذي أصبح أحد أكثر الأركان نشاطاً، وبدأ يزود أطراف النظام بمعلومات حتى لاحظ الوزراء هذا التغيير الجذري؛ فالإمبراطورية التي كانت تترنح بدأت تستعيد توازنها بطريقة ما فجئة ودون مقدمات.
لم يعلم أحد ماذا يحدث، كيف يحدث ولماذا يحدث هذا الآن، لم يدرك البعض حتى أن السلطة التي تم منحهم إياها قد فتحت أعينهم على هذا النظام وساهمت في هذا الاستقرار في بضعة أيام، لكن كان هناك شيء واحد لاحظه الجميع دون استثناء:
قلب هذه الإمبراطورية ينبض من جديد.
ونتيجة لذلك انقسم الرأي العام إلى ثلاثة معسكرات، لكن الصحف لم تمنحهم وقتاً للتفكير. و لم تمنحهم وقتاً من أجل معارضة أي فكرة، فمع توقف الصحيفة الرسمية عن نشر الأساطير والقصص العشوائية، لتتخصص في "أخبار السياسة الجادة" وأعمال الوزراء،
أصبح من غير الممكن بناء رأي مضاد قبل أن يخرج خبر جديد ينتقد الهراء. لكن لأن المدح لم يعد حكراً على الإمبراطور، فلم يسلم أي مسؤول من الشائعات؛ فهناك وزراء بدت نظرة العامة لهم إيجابية مثل إلينا، بينما بدت النظرة إلى بعض الوزراء سلبية مثل دوق الجنوب، بينما ظلت النظرة إلى بعض الوزراء محايدة مثل ليلى.
وفي اليوم الثامن لتلقي الوحي، ظهر ما يُعرف ولأول مرة بـ "المؤتمر الصحفي" بقيادة إلينا وأنجيلا للإعلان عن العملة الجديدة.
ومع نجاح أول مؤتمر صحفي، بدأت المعلومات تتدفق كالشلال حتى اكتسب بعض الصحفيين مكانة وشهرة أعلى من بعض الوزراء لأسلوبهم الفريد في السرد.
ولتدفق هذا الكم من المعلومات جانب سلبي، وهو أن المطابع بدأت تعجز عن مواكبة حجم الأخبار اليومية، ليخلق هذا الجانب السلبي جانباً إيجابياً؛ فهنا تدخل التجار ورأى أصحاب الأموال الفرصة السانحة، وبدأوا يطلبون تراخيص لإصدار صحفهم الخاصة طمعاً في ركوب هذه الموجة.
ولم يتوقف الأمر عند الإعلام، بل امتد لـ "براءات الاختراع".
فجأة، أصبح بإمكان أي شخص شراء حق تصنيع تقنية ما وبيعها لحسابه مقابل ضريبة بسيطة للدولة ورسوم براءة اختراع، وأكثر من استغل ذلك هو ري الذي وضع العديد من المخططات لأدوات يومية مما رفع مكانة برج السحر الإمبراطوري، فقرر راي تغيير اسم البرج.
وبإدراك التجار فائدة هذا النظام، وإدراك كل عبقري فائدة برج المعرفة، بدأ النبلاء في التحرك أيضاً من أجل الحصول على جزء من هذه الفوائد.
وكان من أبرزهم ابن دوق الشرق "أكيرا"، الذي كان أول من احتكر براءة اختراع الكاميرا التي أصبحت من أشهر العناصر في الإمبراطورية بفضل الصحف المنتشرة والصور التي تم استخدام الكاميرا من أجل التقاطها.
حيث بجانب صور الوزراء، فقد كانت صورة الضحية من أسطورة حاصد الجليد هي أحد أشهر الصور التي لا يزال الحديث جارياً عنها داخل الإمبراطورية.
ورغم أن أكيرا كان الأشهر كـ مستثمر، فقد كان هناك أشهر مفكر؛ فعديد من الشخصيات سارعت من أجل الحصول على حماية فكرتها حتى لا يسرقها شخص آخر، بعد أن ظهرت فوائد رسوم براءة الاختراع بأبهى صورها ليظهر مخترع تخطت شهرته شهرة أكيرا.
وذلك الشخص كان بكل تأكيد المستشار الأول للإمبراطور: فينتوري والذي أصبح الجميع تقريبا يفصل إشارة له بلقب ري.
____________
نهاية الفصل
____________