​مع توالي الأحداث، لم تفوت إلينا الفرصة، فقد بدأت في التحرك من أجل غرس نظام الضرائب الذي لا يقبل إلا عملة جديدة، وبشكل مفاجئ كان قبول العامة للعملة الجديدة أفضل بعدة مرات من المتوقع،

​والسبب الأكبر لم يكن الصحف فقط ولا المؤتمر الصحفي، بل تصميم العملة نفسه وقدرتها الشرائية.

​فقد وجد الشخص نفسه يستطيع شراء نفس قطعة الخبز بشكل أرخص بالعملة الجديدة مقارنة بالعملة القديمة، ما جعل العامة وطبقة العمال يستخدمونها دون تردد، على عكس النبلاء والتجار، ليعكس الواقع أثره بشكل قاسٍ.

​فمهما كان رأي الطبقة النبيلة والمتوسطة، فقرار قبول العملة كان في يد الأغلبية، ومع عدم ظهور أي معارضة من العامة جعل كل من لم يرضَ بالقرار يبتلع غضبه ليراقب التغير بصمت.

​كما أن حقيقة أن المؤسسات الحكومية لا تتعامل إلا بالعملة الجديدة أجبرت طبقة التجار والطبقة المتوسطة على البدء في استخدام العملة الجديدة بغض النظر عن رأيهم، وتبقى مسألة وقت حتى تدخل الطبقة النبيلة ويتم تعميم العملة.

​وهذا الضغط بكامله وقع على كتف أنجيلا؛ فمن المطابع التي تطبع العملة أو البنوك التي تغير العملة أو المخازن التي توازن السلع في السوق لموازنة القيمة الشرائية للعملة، فقد كانت هذه الأقسام الرئيسية الثلاثة تحت مراقبة عيون أنجيلا.

​وأي خطأ كان عليها أن تتحمل مسؤوليته.

​وفي اليوم التاسع من ظهور الوحي، بدأت أخبار أن بعض النقابات مثل نقابة العمال ونقابات الكيميائيين تعود حتى لا تفقد مكانتها؛ فقد أصبح واضحاً أن هذه الإمبراطورية لم تسقط بعد.

​ولم يكن أحد مستعداً لتفويت حلبها لوقت أطول قليلاً.

​وهذه الرعشة في الاقتصاد نجحت في جعل سعر الذهب يتغير بسرعة ملحوظة ويتوقف عن النزول ويبدأ في أخذ سلم الصعود.

​ويبقى السؤال هو: إلى أي مدى سوف تصمد الخزينة الإمبراطورية؟

​......

​ليلة اليوم 10 من الوحي، ليلة مراسم الطمأنينة، وصل خبر إلى مكتب راي جعله يتوقف وينظر إلى الرسالة عدة مرات ليتأكد أن ما يقرأه صحيح:

​"الكنيسة ترفض المشاركة في مراسم الطمأنينة!"

​كان راي مرتبكاً بكل معنى للكلمة.

​قرأ الكلمات مرة أخرى. ولم تتغير، لم تكن هذه الرسالة مجرد اعتذار عن الحضور، كانت فتوى صامتة بخلع الشرعية عنه بشكل واضح.

​في هذه القارة، الإمبراطور الذي لا تباركه الكنيسة في مراسم الطمأنينة هو حاكم منبوذ، جسد بلا روح، وشجرة محكوم عليها بالذبول.

​كانت هذه إشارة حرب صريحة؛ فالرفض يعني عدم الموافقة على سياسة الإمبراطور، والأخطر من ذلك، يعني محاولة وصم راي بلقب "الملك الملعون".. اللقب الذي يطارد كل حاكم تجرأ على تحدي مباركة كنيسة النور.

​'هل تخاطر الكنيسة في الكشف عن رغباتها للعلن؟'

​هل من الممكن أن تقوم قوة عظيمة بهذه الخطوة التافهة؟

​أمسك راي الرسالة يحدق بها عدة مرات بينما يجلس وحيداً داخل المكتب، فلولا هذه الرسالة التي وصلت عبر الخدم لكان قد ذهب للنوم ومتابعة عملية إعادة البناء.

​'لكن ماذا الآن؟'

​هل تقف إمبراطورية أستر في وجه كنيسة؟

​"إنه لعبث، ففي أوقات الرخاء يلتف البعض عن الدين، بينما عند الشدة يتشبث الجميع به. وهذه الإمبراطورية أبعد ما تكون عن الرخاء؛ لذا، حتى وإن سيطر الإمبراطور على أجساد الرعية، فستظل أرواح وأذهان الغالبية أسيرة لهراء هذه الكنيسة"

​تنهد راي وكان على وشك رمي رسالة الكنيسة فظهر أحد الظلال راكعاً وفي يده رسالة سوداء، فعبس راي وتملكه شعور سيئ.

​"جلالتك، لدي رسالة من مارتس."

​نظر راي إلى ختم الرسالة، وبما أنه من الشمع فمن الواضح أنه غير مفتوح، لذلك لم يسأل وأخذ الرسالة فقط. وبعد مغادرة الظل، أخذ السكين من أجل فتحها متسائلاً لمَ ذلك الفتى أرسل الرسالة داخل غلاف أسود؟

​لا، بالتفكير بالأمر، بما أن الرسالة وصلت مع الظلال فهذا يعني أنها مرسلة من نسخة ري التي لا تزال ترافق مارتس.

​بعد كل شيء من المستحيل أن يثق بهم وهو غير متأكد حتى من ولائهم لذلك، لذلك ترك نسخة ري معهم.

​وبما أن عملية البناء الأولى لم تعد جسد راي فقط بل أعادت فتح طوابق الغرفة السرية وسرعت عملية دمج المخزن مع البرج المقلوب، مما أفقد النسخ القدرة على تشارك نفس المخزن، فلم تكن للنسخة طريقة سوى إيصال الرسالة عبر الظلال أو أن يسردها ري مباشرة.

​وبما أن ري غادر الإمبراطورية حالياً في مهمة، فمن الواضح أن إرسالها مع الظلال يعني أنها عاجلة.

​صحيح؟

​'لا... لو كانت عاجلة فهناك طريقة أسرع من أجل توصيلها، لمَ يستخدم ري الرسائل؟'

​فتح راي الظرف، ثم أخذ الورقة وفتحها ليجد جملة واحدة مكتوبة بخط عريض:

​[جلالتك، هناك مجموعة من عبدة الشياطين يغزون المدن التي سقطت خلال ليلة القمر الأحمر ويسرقون الجثث.]

​رسالة ليس بها أي رسمية، وكان هذا بالتأكيد ري.

​زفر راي مسترخياً لكن سرعان ما عبس: "أرثيل، تواصلي مع ري من أجل مزيد من التفاصيل."

​[ري ليس من أرسل هذه الرسالة.] أجابت أرثيل ببرود.

​"لكن.. "

​[أكد لي ري ذلك، ليس هو وليس مارتس من أرسل هذه الرسالة.]

​عبس راي، الآن هذا غريب.

​لم يشكك في كلام أرثيل ولم يسأل أكثر.

​طرق على المكتب مستدعياً الظل الذي أوصل الرسالة وسأله مباشرة: "قلت إن مارتس من أرسل هذه؟"

​"أجل جلالتك."

​"..." ماذا يحدث هنا؟

​مرتبكاً سأل راي مجدداً: "هل تقصد مارتس السيد السابق لمنظمة الخنجر الأسود وآمر الركن الثالث، صحيح؟"

​"أجل جلالتك، هذا ما أعلمني به الظل الذي أوصل الرسالة."

​[لا، أزرق يؤكد لك أن مارتس بقربه وقد سأله عن ذلك ولم يرسل أي رسالة بظرف أسود، وحتى لو أراد أن يفعل فلن يستطيع إرسالها مع الظلال وأنت تعلم ذلك.]

​'أنا أعلم ذلك ولهذا أنا مرتبك.'

​"أيها الظل، تحقق من مصدر الرسالة بسرعة، مارتس قد أكد أنه لم يرسل أي رسالة مشابهة لهذه."

​"علم." استجاب الظل واختفى مباشرة.

​"هل من الممكن أن هناك من أرسلها باسم مارتس؟"

​[وهل ذلك ممكن؟]

​"لا، وهذا يجعل الأمر أخطر" عبس راي وهو يضع الرسالة على المكتب: "إن كان هناك من استخدم اسم مارتس وإمكانياته لإيصال رسالة عبر الظلال بطريقة ما، فهذا من الممكن أن يسبب مشكلة كبيرة."

​[هل تعتقد؟]

​"دعنا لا نتسرع في الاستنتاج." تنهد راي وسأل: "بالمناسبة كيف تبدو الشياطين؟ هل يوجد عالم سفلي أو ما شابه؟"

​[عالم سفلي؟]

​"أعني شيئاً مثل عالم الأرواح وعالم الشياطين إلخ."

​[لا يوجد شيء من هذا القبيل، هذا العالم الذي تعيش فيه هو نفس العالم الذي تعيش فيه الأرواح والشياطين. أما عن ماهية الشياطين فهي المخلوقات التي تمكنت من النجاة خلال إعادة الضبط وأثر عليها الضباب الأسود.]

​[لذلك هناك العديد من الأنواع، أما عن مكانها فهو مجهول رغم أنه داخل الخراب. وهل تعلم؟]

​"ماذا؟"

​[بنيتك الجسدية تستطيع النجاة داخل الضباب الأسود، وإن لم تفقد عقلك فقد تتحول لشيطان نبيل.]

​"إذاً حتى إن نجوت فسوف أصبح شيطاناً؟"

​[نعم.]

​"هل من المفترض أن يكون هذا خبراً جيداً؟"

​[نعم.]

​"إذاً هل كل من لديه بنية جسدية مميزة نجا وتحول إلى شيطان؟"

​[تقريباً، فذلك مرتبط بقدرة تحمل الوعاء للضباب الأسود، ولأن هدف الضباب الأسود ليس المحو، فغالباً تنجو الكثير من المخلوقات لتعيش تحت قانون الغاب، الأقوى يتغذى على الضعيف، لذلك يسمون بشياطين، وبما أن الضباب الأسود يتسبب في قلب قواعد المانا بداخلهم، فغالباً تلك المانا التي يستخدمونها تجعلهم أقل توافقاً مع العالم وأقل عقلانية وأكثر حساسية، لذلك يطلق عليهم لقب الشياطين.]

​"لا أفهم، لكن باختصار فإن الناجين من إعادة الضبط يصبحون شياطين" لمس راي ذقنه يفكر بهدوء قبل أن يسأل: "لكن لمَ يتم استخدام الجثث من أجل استدعاء الشياطين؟"

​[لا أعلم، غالباً من أجل العثور على شيطان يملك ميولاً غريبة أو ربما استدعاء شيطان روحي فيمنحوه العديد من الأجساد حتى يجد الجسد المناسب له ليتلبسه.]

​"ما هو الشيطان الروحي؟"

​[روح تحولت إلى شيطان باختصار.]

_____________

نهاية الفصل

_____________

2026/07/27 · 155 مشاهدة · 1146 كلمة
Ryuzaki
نادي الروايات - 2026