​دخل راي القاعة ممسكاً بيد مورغانا بثبات، بينما خفتت الأحاديث تدريجياً حتى لم يبقَ سوى وقع خطواتهما على أرضية الرخام.

​فتوقف راي أعلى الدرج الملكي، بينما ظلت مورغانا إلى جواره.

​نظر من أعلى إلى النبلاء بنظرة هادئة حتى تقدم أحد الخدم حاملاً صينية فضية تتوسطها كؤوس الشراب، فانحنى باحترام قبل أن يمد راي يده... ويتجاوز الكؤوس كلها واكتفى بأخذ كأس من الماء الصافي.

​ماء؟

​لم يبدِ أحد أي رد فعل واضح، لكن عدداً من النبلاء تبادلوا النظرات بصمت.

​ما هي الرسالة التي يحاول إيصالها بذلك؟

​ساد الهدوء تماماً.

​كانت الدائرة السحرية المدمجة في زي راي كافية ليصل صوته إلى كل ركن من القاعة دون الحاجة لرفعه، فقام بتنشيطها بينما يلقي نظرة عابرة على الحاضرين.

​وجوه كثيرة...

​بعضها يبتسم والبعض لا، ولكن نظرات الجميع دون استثناء وقعت عليه وحده، فرفع راي الكأس قليلاً ليخفي ابتسامته التي هربت تحت هذا الضغط الهائل.

​يكاد يسمع صوت أفكارهم من خلال هذه النظرات.

​ومع ذلك ظل هادئاً.

​مقارنة بالضغط الذي شعر به خلال الاجتماع الإمبراطوري السابق فهذا لا يعتبر شيئاً.

​وبعد أن هدأت جميع الأصوات في القاعة، بدأ راي الحديث بهدوء:

​"أشكركم جميعاً على تلبية الدعوة."

​توقف راي لحظة، استجمع أنفاسه وتابع:

​"بمناسبة هذا اليوم المبارك الذي يشهد على نجاتنا من هذا الحدث الكوني الذي يتكرر كل خمس سنوات، سوف أتخطى الحديث عن الماضي، فأنتم تعرفونه جيداً، ولن أشير إلى المستقبل... فهو ما يزال غامضاً."

​"أما الحاضر... فأنتم شهداء عليه."

​"في النهاية أبارك لكم عبور هذه المحنة بسلام، ويرجى الاستمتاع بهذه المأدبة المتواضعة."

​توقف راي فساد الصمت لثوانٍ بعد أن أنهى كلماته.

​لم يتحرك أحد.

​حتى الخدم توقفوا عن الحركة، وكأن الجميع ينتظر أن يكمل الإمبراطور حديثه.

​لكن راي اكتفى بأخذ رشفة من الماء، ثم أنزل الكأس بهدوء وأنهى كلماته بشعار واحد:

​"من أجل أستر"

​عندها فقط دوى التصفيق بتردد داخل القاعة بعد أن رفع النبلاء كؤوسهم مرددين الشعار: "من أجل أستر".

​وببطء تحول التصفيق المتردد إلى تصفيق جماعي فرضه البروتوكول أكثر مما فرضته المشاعر.

​بعد لحظات من توقف التصفيق ونزول راي من الدرج وافتراقه عن مورغانا للحديث مع بعض النبلاء، وذلك بعد أن تقدم ري للوقوف بجانبه، بدأ الجو يتغير ببطء.

​قرب إحدى الطاولات، أخذ أحد النبلاء رشفة من الشراب ونقر بلسانه بانزعاج وهو يراقب راي الذي كان يحدث دوق الغرب بهدوء.

​"أتعلمون ما أزعجني؟" سأل النبيل فاستجابت مجموعته.

​لم تكن هناك حاجة لسؤال فقد تبادلت نصف القاعة نفس الأفكار متسائلين ما إن كان هذا إمبراطوراً جاداً.

​لم تكن المشكلة في قصر الخطاب، ولا في الكلمات نفسها.

​بل في كل ما سبقها.

​منذ الاجتماع الإمبراطوري الأول الذي أُجبر فيه الجميع على القدوم، لم يتوقف الإمبراطور الشاب عن انتزاع السلطة من أيدي النبلاء خطوة بعد أخرى.

​فقد فرض حضورهم، واتهم بعضهم بالخيانة، وأجبرهم على دفع التعويضات، ثم استند إلى وصية الإمبراطور الأول ليبني نظاماً جديداً دون أن يمنحهم حتى حق الاعتراض أو المشاركة فيه كأطراف أساسية.

​بعدها مباشرة توالت الأوامر بلا توقف، وتحولت مناصبهم شيئاً فشيئاً من أصحاب قرار إلى منفذين، بينما أصبحت عقوبة مخالفة أوامر القصر كافية لإلصاق تهمة الخيانة بأي شخص يقف في طريق النظام الجديد.

​ولولا أن الخيانة تلمس شرفهم وكرامتهم لكان نصف من في القاعة غير موجود حالياً.

​ولكن ورغم أن أحداً لم يجرؤ على معارضته علناً، فإن كثيرين لم يتبعوه عن اقتناع، بل لأنهم لم يعودوا يملكون خياراً آخر.

​ثم جاء الوحي...

​واختفت الكنيسة عن مراسم الطمأنينة لأول مرة.

​وتزايد تأثير غزو مملكة جورد.

​وكان الجميع ينتظر من الإمبراطور أن يمنحهم سبباً واحداً يجعلهم يصدقون أن المجازفة بالوقوف خلفه كانت القرار الصحيح.

​لكنه...

​شكرهم على الحضور.

​وأعلن أن الماضي معروف، وأن المستقبل غامض.

​ثم دعاهم للاستمتاع بالمأدبة.

​"حتى لو كانت نكتة، فهذا ليس مضحكاً"

​عبس العديد من النبلاء خلف أقنعتهم.

​الأوضاع على الحدود تزداد سوءاً، والأوضاع داخل الإمبراطورية في فوضى حقيقية، والعديد من النبلاء انضموا إلى العدو، وزاد وحي الكنيسة من سوء الوضع، والسبب الوحيد لقدومهم هنا هو الحصول على أمل وضمان أن هناك مكاسب حتى مع هذه المخاطر التي تطوف بالإمبراطورية، فهل هو جاد؟

​لو حمل كأس النبيذ فقط ورفعه لتحية أستر، لدل ذلك على أنه رغم خطورة الوضع فهناك فوائد.

​ولو حمل شيئاً غير النبيذ، لدل على أن هناك فوائد أكثر من المخاطر الظاهرة.

​لكن ما الذي يشير إليه بكأس من الماء؟

​"سحقاً" لعن أحد النبلاء وهو يشرب الكأس دفعة واحدة.

​تم وضع الكأس واللتفت بنظره ناحية راي الذي كان يحدث دوق الشرق حالياً، وبجانب الدوق كان ابنه أكيرا حاضراً، فأخذ النبيل شهيقاً طويلاً ثم أطلقه قبل أن يرسم ابتسامة على وجهه ويغلق عينيه لتخفي ما خلفهما، ثم يتقدم من أجل إلقاء التحية على أمل أن يلتقط أي معلومة ولو كانت عابرة.

​ولم يكن الوحيد الذي يفكر بذلك، فبينما اختار من يمتلك سلطة كبيرة التوجه إلى راي، فقد قرر آخرون التوجه إلى أمراء الأركان والوزراء.

​ورغم كل الاهتمام الذي سقط على الوزراء وأنجيلا وألكسندر وسيسلين ومورغانا كذلك، إلا أن هناك شخصاً واحداً لم يلتفت إليه أحد ظناً منهم أنه مجرد صحفي آخر في هذا المكان، وكان ذلك مارتس الذي تجاهل كل شيء وظل واقفاً يملأ طبقه بالحلويات بهدوء.

​وفي هذه الأثناء، كانت مورغانا قد جمعت العديد من زوجات النبلاء حولها، وكانت منسجمة في محادثة حتى شعرت بنظرة عابرة.

​رفعت رأسها نحو الطرف الآخر لتلتقي عينها بعين راي.

​ابتسمت ولوحت له تحت نظرات الزوجات، فابتسم راي رداً عليها وعاد للتركيز على محادثته، فقد كان يذكرها فقط أن عليهم المغادرة بعد قليل.

​لكن تلك النظرة العابرة كانت كافية لتستيقظ الأفاعي وتكشف عن فضولها، ومع ذلك لم تكن هناك حاجة للسؤال عن شيء من المتوقع كيف ستكون إجابته.

​هذا كان رأي البعض، لكن الأغلبية أرادت أن تعرف شيئاً آخر وأرادت جمع مزيد من المعلومات عن طبيعة الوضع داخل القصر.

​في النهاية، صحيح أنهم بادلوها الحديث نظراً لمنصبها، لكن هل تستطيع هذه الفتاة التعامل مع قسوة المجتمع وهي لا تمتلك أي خبرة تستند عليها؟

​كان هذا مثيراً للاهتمام.

​ابتسم البعض وقرر أن يجرب، بينما ابتسمت مورغانا بعجز وهي تنظر لتلك الهالات المختلفة التي تحيط بأجساد من حولها.

​'أفكارهم واضحة' كان أمراً جيداً وسيئاً، لكن لم تستطع سوى إلقاء اللوم على راي، فبسببه فقد من حولها الاهتمام بها كمديرة "ركن الروح"، وأصبح اهتمامهم بها يرتكز كشريكة للإمبراطور.

​ولم تخطئ مورغانا في توقعها، فقد تحول الحديث من الأعمال إلى أحاديث حول إقامة حفلات الشاي من أجل تعزيز ارتباطهم، ورغم أن الحديث بدا أنه بينهم، إلا أن أعين كل من يتحدث كانت ترمق مورغانا بنظرة عابرة دون أن يسألها أحد بشكل مباشر.

​وتدريجياً أُجبرت مورغانا على المشاركة في الموضوع.

​لكن هل سيكون القبول جيداً؟

​فالمسار يتجه إلى إعطاء من حولها المزيد من السلطة.

​من ناحية يبدو جيداً، لكن للاحتياط كان من الأفضل سؤال راي عن ذلك. ولحسن الحظ، اقتربت إحدى الخدم بعد نصف ساعة لإعلام مورغانا بالوقت، فاستأذنت مورغانا كما انسحب النبلاء من جانب راي عندما أتت خادمة لإعلامه أن وقت الخطاب حان، وأن التجهيزات اكتملت، فأومأ راي برأسه قبل أن ينظر للنبلاء:

​"لنتابع حديثنا لاحقاً يا سادة،"

​"نتطلع لخطابك جلالتك" ابتسم أحد النبلاء معلناً بعد استئذان راي، فكرر من حوله نفس الجملة.

​أرادوا معرفة المزيد، لكن لم يتكلم راي معهم إلا عن الأعمال وتجاهل كل التلميحات فيما يخص الوحي وغزو مملكة جورد ومع إدراك ما يضمرون له.

​ابتسم راي وأومأ برأسه قبل أن يغادر بعد أن اجتمع مع مورغانا، وخلفه راقب ري بهدوء بينما يأخذ رشفة من الكأس الذي لم يفارق يديه.

____________

نهاية الفصل

____________

نظرا لحساسية فصول التالية فقد اعود لأسلوب النشر اليومي من أجل حفاظ على جودة، فكما هو واضح، هذا الفصل يخفي أكتر مما هو واضح وفي واقع لا اخطط لتوضيح إلى ما هو دروري لكن كإشارة فمن هنا تنقسم الرواية بين الماضي والمستقبل وبشكل أدق فإن النصف أول من مأدبة يركز على ما سبق ونصف تاني يرحب بما هو مختلف، فما هو قادم أتساءل ما ان كان هناك من يستطيع تخمينه

حسنا لا اتوقع ردا على هذا رغم كل تلميحات التي تركت، لكن بعيدا عن هذا فسوف افكر بعودة لنشر اليومي، في نهاية فصل كل يوم يبدو أفضل ويمنح مزيد من وقت للتعديل خصوصا انني مشغول اغلب اليوم طوال اسبوع عدى يوم الأحد وقد انشر أكتر في ذاك اليوم كما فعلت مؤخرا فأنا متحمس بنفسي للأحداث القادمة بعد إجتماع و التي تبتعد عن سياسة قليلا.

جانا..

2026/08/03 · 136 مشاهدة · 1287 كلمة
Ryuzaki
نادي الروايات - 2026