​لبعض الوقت وفي جميع أرجاء العاصمة، جذبت الصحيفة ثانيةً اهتمام فئة كبيرة من الناس بفضل صفحاتها الأخيرة.

​لو كانت الأخبار وحدها حملت طابعاً مثيراً، فما حملته الصفحة الأخيرة بعد السؤال عن الشطرنج كان شيئاً من نوع آخر؛ مربعات تطلب ملأها بحروف.

​"كلمات متقاطعة؟"

​"ما رأيك؟" سأل فرانكو وهو ينظر إلى مارك الذي يسير بجانبه وينظر لنفس الجريدة ونفس الصفحة.

​"تبدو جيدة لملء الوقت، هل تجرب؟ ما رأيك أن نتراهن؟"

​"لستُ مهتماً".

​"هيا، انظر هناك تلميحات عن الكلمة المطلوبة".

​"أخبرتك لستُ مهتماً"؛ أبعد فرانكو يد مارك وغير موضعه: "على أي حال، ما رأيك في هذه الأخبار؟ من الواضح أن الصحيفة تهين النبلاء".

​"ما شأننا نحن بهذا؟" أدار مارك عينيه وعاد للاهتمام بالصحيفة متجاهلاً الموضوع، لكن فرانكو أصر:

​"ألم ترَ الوضع هذه الأيام؟ من أخبار منتشرة إلى شائعات والآن هذا؛ هيا، ليس هناك شخص غير مهتم أكثر منك بهذه الأشياء".

​"إن كنتُ سوف أقول شيئاً فأنا أتمنى فقط ألا تؤثر هذه الأخبار على يومي، أما الباقي فلا أهتم. على أي حال، هل تعلم ما الشيء الذي يبدأ بحرف # وينتهي بحرف # ويحضن العاصمة من كل اتجاه؟"

​تنهد فرانكو وترك الموضوع ينزاح جانباً: "أرني ما لديك".

​...

​بالعودة إلى القصر، وبعد ملاحظة الصفحة الأخيرة والتي عادةً كانت تحمل وجوه الشخصيات الأكثر شهرة في الإمبراطورية، وليس هناك مفاجأة أن "ري" كان يحتل دائماً المركز الأول، وبعده مباشرة "ليلي" ثم "سيسلين" وباقي الوزراء.

​لكن هذه المرة حملت ثلاث مربعات ولعبة جديدة.

​"ربما يكون هذا مفيداً قليلاً لإلهاء الشعب عن سوداوية الشتاء".

​ربما.. مجرد احتمال، لكنه أفضل من لا شيء.

​تنهد راي ووضع الصحيفة جانباً: "يبدو أنها تستغل كل ما تحصل عليه مني بشكل جيد".

​وهذا جيد، لكن سيكون عليّ أن أبدأ بالتفكير في كيفية مكافأتها.

​'شخص فاشل مثلي في اختيار الهدايا، من الأفضل له طلب مساعدة ري؛ فآخر شخص اخترتُ هدية له كان أخي الصغير، شكرني ثم وجدتها لاحقاً بين القمامة'.

​'التفكير بالأمر يجعلني أشتاق قليلاً لعالمي'؛ ابتسم راي ابتسامة نادرة وقرر العودة إلى العمل.

​لكن بإشارة من الظلال اختفت ابتسامته واهتز جسده للحظة، فتوقع ظهور أحدهم، وفعلاً ظهر وانحنى باحترام معلناً: "جلالتك، دخلت الرقم 87 نطاق العاصمة برفقة الهرم المقلوب، هل تريد منها الحضور للمكتب مباشرة؟"

​"هل وصل؟" الهرم المقلوب؛ كدتُ أنسى هذه المهمة بالكامل من كثرة العمل وتأخر الأخبار عنهم.

​"حسناً، أعلم ري بذلك وأخبره بالعودة"؛ أمر راي بهدوء وانتظر، فغادر الظل بعد الاستئذان. وبعد انتظار دام بضع ثوانٍ، حمل راي القلم وعاد للعمل، مدركاً أن الظل قال إنه "يكاد يصل" وليس أنه وصل.

​تفاصيل سخيفة الاهتمام بها.

​في هذه الأثناء... قطعت الرقم 87 المسافة الفاصلة بينها وبين العاصمة بسرعة متسارعة، ومع اقترابها من أسوار العاصمة بدأت تخفف سرعتها وتركت جسدها يسقط ويندمج مع الظلال ثم يختفي، لتمر تحت الأسوار دون أن يلاحظها أحد.

​دخلت المدينة ثم دفعت نفسها خارج الظلال، ومن سطح إلى آخر قفزت بمرونة، ثم تحدثت لثلاث شخصيات يلحقون بها.

​رمقتهم بندرة فسمعت أمراً واحداً: 'لا داعي للتوقف'.

​بذلك زادت سرعتها وتوجهت إلى القلعة مباشرة، ودون اعتراض أحد اخترقت جدران القلعة واقتربت من المكتب الهادئ، ولم يكن به شخص غير الإمبراطور، فأرسلت الرقم 87 إشارة جعلت القلم يتوقف ليرفع راي عينيه.

​"تعال".

​"جلالتك"؛ خرجت الرقم 87 والظلام يغطي جسدها.

​"كيف كانت الرحلة؟" سأل راي.

​"لم نواجه مشكلة كبيرة، لكن كان هناك لقاء غير متوقع بيننا وبين الحرس المخفي لإمبراطورية سيلينا".

​إمبراطورية سيلينا؟

​لا يعقل أنهم يرغبون أيضاً باستغلال حالة الإمبراطورية لكسب بعض الفوائد، صحيح؟ أم أنهم هنا من أجل الديون؟

​لا، لا يزال هناك أربعة أشهر لطلب تسديد الفوائد.

​"جلالتك، حسب علمنا فإن إمبراطورية سيلينا تمر حالياً بحرب خلافة بين الأمراء لتمرير التاج، فلا نعتقد أن سبب تواجد الحرس المخفي داخل الإمبراطورية يحمل دلالة عدائية، كما أن حامل الهرم المقلوب هو شخص منهم، وقد قرر مرافقتنا لمقابلتك دون اعتراض أو شروط كثيرة".

​أدركت الرقم 87 سبب عبوس راي لتصحح كلامها.

​"حرب خلافة؟" توقف راي والتقط كلمة أخرى: "هل هناك مدينة دمرت من طرفهم؟"

​توقفت الرقم 87 ثم رفعت رأسها قليلاً: "هل يرغب جلالتك في استجواب الطرف الآخر لمعرفة التفاصيل؟"

​"ماذا تعتقدين؟" سأل راي، فأومأ الرقم 87 برأسه.

​"سوف أخرجها"؛ تحركت يد الرقم 87 لتلمس جبينها وتطرد الظلال أولاً.

​عبست قليلاً بينما تتجسد أجساد ظلال خلفها، ثم توقفت، جمعت أنفاسها قليلاً، ولمست جبينها من جديد وطردت ليانا فوراً.

​ومن كرة الضوء تجسد جسد ليانا، فانقشع الضوء وفتحت عينيها مرتبكة، نظرت حولها ثم إلى راي ثم إلى الظلال: "هل وصلنا؟"

​"جلالتك، هذه ليانا، حاملة الهرم المقلوب وكذلك حارس من أعضاء الحرس المخفي الخاص بإمبراطورية سيلينا"؛ عرفت الرقم 87 ليانا، فوقفت الأخيرة تستوعب ما يحدث، لكن حين التقت عيونها بعيون راي ارتجف جسدها بالكامل.

​ضاقت عينا راي وسأل: "هل أنتِ بخير؟"

​تحركت الظلال بسرعة ووقفت أمام راي، يحدقون بدماء تنزل من عيني وأنف ليانا، وهي تحاول رفع عينيها لتنظر إلى راي وتسأل: "لماذا تفعل هذا؟"

​عبس راي أمام السؤال، وكذلك الظلال.

​غلف ضوء قرمزي جسد ليانا وانقلبت عيناها، فخرجت أضواء فوق جسدها لترفعها قليلاً عن الأرض، وفوق رأسها تجسد الهرم المقلوب.

​كيان قرمزي واضح وبهندسة غريبة.

​دار حول نفسه عدة مرات وسحب طاقة من جسد ليانا بينما يراقب راي، فتظهر مزيد من الظلال حوله لحمايته.

​ثم توقف الهرم عن سحب الطاقة من جسد ليانا.

​توقف مكانه وحل الصمت على المكتب، ولم يكسر ذلك الصمت سوى صوت سقوط جسد ليانا.

​مصيرها مجهول، لكن انتباه الجميع تحول إلى الهرم الذي بدأ يرتجف مكانه قبل أن يتحرك، فتحركت الظلال بشكل أسرع.

​«حاجز» «حاجز» «حاجز» «حاجز» «حاجز» «حاجز» «حاجز» «حاجز» «حاجز» «حاجز» «حاجز»

​تراكمت الطبقات كأنها تحاول إعادة تعريف المسافة بين الكيان والمكتب.

​لكن الهرم لم يبطئ، ولم يلاحظ، ولم يهتم.

​كان يتحرك في خط واحد… كأنه لا يرى العالم، بل يرى الهدف وحده.

​في لحظة واحدة، تمزق أول حاجز.

​ثم الثاني.

​ثم الثالث…

​ولم يكن هناك “اختراق”، بل محو متسلسل لكل ما وُضع في طريقه.

​حتى الظل الذي وقف أمام راي مباشرة… كان وجوده من عدمه غير مهم.

​اخترق الهرم المقلوب صدره… وتجاوز الظل الذي أمامه… ليصل إلى راي مباشرة.

​بدون مسافة.

​بدون وقت للتفكير.

​"سيدي!" خرجت صرخة كون متأخرة… كأن الصوت نفسه أدرك أنه لم يعد ذا قيمة.

​مدّ يده لكن الفراغ سبقه.

​اختفى راي.

​وانطفأت نقطة وجود داخل المشهد.

​لم يبقَ سوى أثره الأخير… سراب يتلاشى قبل أن يقرر إن كان قد وُجد أصلاً.

​توقف الهرم كأن هدفه قد تحقق، ثم انطفأ الضوء القرمزي فجأة… وسقط الهرم على الأرض بلا مقاومة.

​لحظة صمت.

​ثم بدأ الإدراك.

​واحداً تلو الآخر، ارتجفت الظلال.

​ليس في المكتب فقط… بل في العمق الذي لا يُرى.

​كأن شبكة كاملة من الوعي تعرضت لقطع مفاجئ في المصدر.

​«رقم 900… رقم 350…»

​تتابعت الأرقام والظلال في اضطراب غير مفهوم، تتشارك شعوراً واحداً لم يُخلق لها من قبل:

​الارتباط… انقطع.

​وفي أقصى النظام، في بحر الفوضى الأبعد…

​توقف “رقم واحد”.

​لم يتحرك ولم يسأل.

​فقط رفع رأسه ببطء، وكأن شيئاً بعيداً جداً عنه انطفأ للتو: "…ماذا حدث؟"

​وفي سماء العاصمة… توقف ري.

​لم يهبط فقط، بل اتسعت عيناه للحظة، ثم جاء السؤال محملاً بالغضب:

​[ لماذا ليوناردو؟ ]

​وفي اللحظة التالية… لم يعد هناك انتظار.

​تحول إلى أسرع ما يمكنه التفكير به، وحش بهيئة غريبة متعدد الأجنحة، فحلق واندفع نحو القلعة.

__________

نهاية الفصل

__________

2026/05/03 · 20 مشاهدة · 1124 كلمة
Ryuzaki
نادي الروايات - 2026