لكن ثقل الإرهاق الشديد، وحرارة الصحراء التي لا تفارق الجسد، غدَيا عبئًا لا يُطاق مع مرور الوقت. بدا الفتيان يتخلون عن كبريائهم الواحد تلو الآخر، متجاهلين كل العواقب، واختاروا راحة الماء المنعش حين استدرنا أخيرًا وقفزنا إلى النهر الصغير.
“تستّري يا امرأة وقحة،” تمتمتُ باندفاع، وألقيت إليها عباءتي التي أخرجتها من مخزوني، ثم أدرت رأسي جانبًا وانحنيت لأرشّ جسدي بالماء. “شكرًا لك...” قهقهت إيفلين ببراءة وهي تلتقط القماش وتشرع في لفّه حول جسدها.
تحولت آيكا من حالتها الكامنة إلى هيئتها البشرية، وخطت إلى الماء بجانبي. لم نغتسل جميعنا اغتسالًا كاملًا، لكننا تنظّفنا واستمتعنا ببرودة النهر.
أدركنا ظاهرة غريبة ونحن في النهر؛ فكما حدث عندما كنا على التلال في الجانب الآخر من الصحراء، ها قد غابت الشمس وحل المساء تقريبًا ونحن على هذا الجانب. بدا الأمر وكأن الصحراء بحد ذاتها كانت المكان الوحيد الذي يتوقف فيه الزمن وتتسامر فيه الشمس، وما أن عبرنا حدودها حتى عاد إيقاع العالم الطبيعي يتدفق مسرعًا ليحتفي بلقائنا.
بقينا في الماء لأكثر من ثلاثين دقيقة قبل أن نجرّ أجسادنا بصعوبة إلى الضفة الصخرية المقابلة. بعد أن ابتعدنا عن نفوذ الصحراء، كان التغير المفاجئ في درجة الحرارة صادمًا بقدر ما كانت الحرارة نفسها. فقد كانت البرودة قاسية لدرجة أننا اضطررنا فورًا للبدء في إعداد المخيم وإشعال النار.
بينما بدأت إينو التجهيزات، ألقيت نظرة على ما حولنا. على بُعد بضع مئات من الأمتار أمامنا، بدأت تتراءى غابة غريبة ونابضة بالحياة، أوراق أشجارها حمراء وبيضاء. كانت الأشجار متباعدة على نحو يوحي بأنها أعمدة من صنع البشر لا نمو طبيعي، ويمتد طريق عريض يتجه مباشرة نحو بستان الدمى، مخترقًا قلب الغابة ثم يختفي في الغموض المتزايد للظلال المتشابكة لأوراقها الحمراء والبيضاء.
كانت الأرض حيث تبدأ الغابة عبارة عن بساط سميك من الأوراق المتساقطة الحمراء والبيضاء، لدرجة أن أي حركة فيها ستُسمع من هذا المكان البعيد. حتى من موقعنا هذا، كان بالإمكان رؤية شجرة ضخمة وغريبة المظهر تتربع في قلب الغابة، تعلو بقمّتها بقية الأشجار، بينما تمتد أغصانها الملتوية نحو السماء المظلمة. عند التدقيق، بدا ظل الشجرة الضخمة في عمق الغابة البعيد وكأنه لامرأة عارية تمد ذراعيها كما لو أنها تحتضن السماء.
“سنصل إلى بستان الدمى غدًا،” أخبرت إينو المجموعة وهي تنهي إشعال النار.
“أخيرًا!” هتفت إيفلين وهي تسقط على حجر كبير كان جوليوس قد قرّبه من النار. “آه... هل يمكنني أن آكل أرنبًا كاملًا بمفردي؟ من فضلك...”
“وأنا أيضًا...” قاطعتها سيلاست بخجل، رافعة إصبعًا.
رفع ابن عرس الصغير الجاثم على كتف سيلاست يده بتردد، وبدا أكثر خجلًا. “آه... وأنا الثالث.”
قهقهت إينو وهي تدس خصلة شعر شاردة خلف أذنها، ثم انحنت نحو ابن عرس بابتسامة دافئة. “بالتأكيد.”
ثم اعتدلت ورفعت إبهامها لكل من إيفلين وسيلاست قبل أن تستدير وتقترب مني. كعادتي، سلمتها بعض أرانب الجبال، وقد أتقنت إينو إعداد العشاء لنا.
بعد أن فرغت من عملها، أكلنا جميعًا كأطفال جائعين، حتى شيطان الاستسلام الذي كان في هيئة المخلوق التهم طعامه بشراهة. كان من المدهش حقًا أن يتمكن ابن عرس صغير من إنهاء أرنب كامل بمفرده.
على الرغم من أننا قضينا شهرين تقريبًا معًا، لم يسأل أحد قطّ لماذا لم تتخذ رفيقة سيلاست هيئتها البشرية لتنضم إلينا. كانت الأسئلة المتعلقة برفقاء الروح شديدة الخصوصية، ولهذا، احترم الجميع هذا الحد غير المنطوق.
غربت الشمس، وبعد وقت قصير من انتهائنا من الطعام، غرق الجميع في نوم عميق، فقد كنا جميعًا منهكين من الرحلة الطويلة عبر الصحراء. بيد أنني لم أستطع النوم مع الآخرين، فكان لدي أمر يجب أن أُنجزه. وهكذا، ورغم تعبي الشديد، تطوعت لتولي الحراسة الأولى.
حتى منتصف الليل، جلستُ بجوار النار، أمضغ نصل عشبة وأنا غارق في أفكاري، متأملًا ألسنة اللهب المتراقصة من موقد المخيم. جلست آيكا بجانبي، وهي التي قضت معظم الرحلة في حالتها الكامنة ولم تستطع النوم، تسحب القوى السحرية بهدوء وعيناها مغلقتان. من زاوية عيني، لمحتها ترتجف قليلًا من برد الليل.
بدأت في تسخين بعض الشاي، صببته في كوب صغير. بعد بضع دقائق من منتصف الليل، زفرت الهواء البارد ونهضتُ، لكن قبل أن أغادر، أخرجتُ بطانية سميكة من مخزوني ولففتها حولها لتدفئتها.
ارتجفت وفتحت عينيها ببطء، وعندما رفعت بصرها، التقت عينيها بيدي الممدودة التي تعرض عليها كوب الشاي. “شكرًا لك...” همستْ بخفوت وهي تمد يدها لتأخذ الكوب.
أومأت لها برأسي، وبحلول الوقت الذي احتست فيه رشفة، كنت قد ابتعدتُ بهدوء بضعة أمتار عن موقد المخيم. [ ترجمة زيوس]
انحنيت أرضًا، ومررت يدي فوق التراب، وبينما فعلت ذلك، تجسد جسد أودري من مخزوني. حدقت في الجثة الهامدة لبضع ثوانٍ، ثم رفعت يدي فوقها، وعلى الفور تقريبًا، ظهر إشعار مألوف أمامي.
[هل تود استخدام قدرة الرفيق: الشرنقة، لتهب حياة جديدة للشخصية أودري سيريس بلاتيني، مقابل 500 نقطة كارما؟]
'نعم...'
[جارٍ تفعيل قدرة الرفيق: الشرنقة...]
على الفور، اجتاحت عاصفة باردة المخيم. مرت بضع ثوانٍ، ثم انفجرت شرنقة من اللهب الأسود بعنف من الأرض، تلتف وتلفّ جسد أودري بالكامل. كعادتها، اشتعلت النيران بضراوة لبضع ثوانٍ، ثم اختفت فجأة كما ظهرت.
عاد جسد أودري ليبدو نضرًا وحيًا. حدقتُ في وجهها الهادئ، أبحث عن أي علامة حركة. مرت بضع ثوانٍ طويلة مؤلمة، ثم... انفتحت عيناها فجأة.