الفصل المئة والثالث والأربعون : عالم بلا سحر
________________________________________
استدارت سيلاست ورحلت متعثرة، تاركةً ليفي مذهولًا تمامًا. بعد لحظات قليلة، تمتم قائلًا: "ما الذي حل بها؟"
عندها بالذات، توهج وشمُه الغريب بحرارة خافتة وتحوّل إلى رجلٍ مفتول العضلات يفوق ليفي طولًا بقليل. كان إفْريت، رفيق ليفي، يبدو مطابقًا له تقريبًا، لكنه كان أكثر خشونة ومليئًا بالندوب على جسده.
كان شعره الأحمر فوضويًا وطويلًا، ولم يكن يرتدي قميصًا، بل كانت الضمادات ملفوفة حول صدر إفْريت ويديه، وإن كانت تلك للزينة فقط. كان حافي القدمين، وتوقف سرواله الداكن الذي ارتداه فوق كاحليه.
"هل تريدني أن أراقبها؟" سأل بلهجة مازحة وصوت يوحي بالمكر.
رمقه ليفي بنظرة جادة.
على عكس سيدريك الذي كان يمقتُه كليًا، كانت علاقته بسيلاست معقدة بعض الشيء. لم يكن يكرهها تمامًا، بل كان يشعر بالخزي والإرهاق منها.
كانت عائلة مارتيني على دراية تامة برفيق سيلاست، لكنها لم تستخدم قواها أمامهم قط خوفًا من الثمن الذي يتوجب عليها دفعه. ولأنها لم تخبرهم يومًا ما هو هذا الثمن، فقد اعتبروها منذ زمن بعيد إخفاقًا آخر.
لكن ليفي كان الوحيد آنذاك الذي يعرف حقيقة ثمن قدراتها ومدى قوتها التي يمكن أن تصل إليها لو أنها التزمت به.
لذلك لم يكن يكرهها؛ بل كان منزعجًا ومرهقًا من اضطرارها للعيش بهذه الطريقة، خاصة وأنه كان يعلم أنها تتفوق على سيدريك بوضوح.
تمنى لو أنها تتجاوز خوفها من أن تقتل نفسها. ففي النهاية، لم يكن ذلك الموت الحقيقي بالنسبة لها. كما أنه علم أنها كانت تخفي الحقيقة عمدًا بشأن ثمن قدراتها ومهاراتها كي لا يكون سيدريك هو الوحيد المكروه في العائلة.
ولذلك، تمنى أن تكف أخيرًا عن هوسها بملاحقة سيدريك وأن تخبر عائلتها على الأقل بمدى قوتها الحقيقية. ربما حينها سيتوقفون عن التركيز على لعنتها ويبدأون بمنحها الاحترام الذي تستحقه.
تنهد ليفي بيأس وفرك جسر أنفه. "ابحث عن المجموعة التي آوتها، وتأكد من أنها بخير، ثم عد وأبلغني."
"أمرك يا زعيم،" ألقى إفْريت تحية عسكرية متهاونة، ثم انصرف.
وضع ليفي يديه في جيوبه، ثم استدار وسار متجهًا نحو الثكنات.
بعد مضي بعض الوقت...
تعثرت سيلاست ودخلت حجرتها الصغيرة، ثم سقطت على الأرض في إحدى الزوايا. كان هذا أحد الأيام التي بلغ فيها مرضها ذروته، وكان لا يُطاق بالنسبة لها. ظلت قابضة على أذنيها وتمتم بصوت خافت للحد من الأصوات.
في لحظة ما، مدت يدها إلى حقيبة ظهرها، وأخرجت الريشة السوداء التي أعطاها إياها سيدريك. لم تكن ترغب بشيء أكثر الآن من أن تتصل به، ليساعدها كما كان يفعل في الماضي، لكن بسبب شعورها بالذنب وعدم الاستحقاق، بالإضافة إلى الأصوات الصارخة التي تملأ رأسها، لم تستطع أن تتواصل معه.
لذلك، أسقطت الريشة على الأرض بجانبها، وقبضت على أذنيها مرة أخرى، واستمرت في التمتمة.
مع ذلك، في تلك اللحظة بالذات، تلاشت الريشة وتحولت إلى خيوط من الدخان تجمعت لتشكل غرابًا، وبعدها تغيرت إلى هيئة سيدريك.
جثم سيدريك أمامها، مستقطبًا انتباهها أخيرًا. رفعت نظرها إليه بعينين ضبابيتين لترى ابتسامة دافئة تزين وجهه.
"لماذا لم تستدعياني؟" سألها بصوت رقيق تملؤه مودة حقيقية.
هزت سيلاست رأسها. "كيف لي ذلك؟ أنا لا أستحق."
تنهد سيدريك.
ثم فتح ذراعيه وقال: "تعالي إلى هنا."
انهارت سيلاست على الفور بين ذراعيه وانخرطت في نحيب مرير.
"لا تستمعي لما تقوله الأصوات. اتصلي بي دائمًا حين تحتاجين إليّ،" همس سيدريك وهو يربت على شعرها. "دائمًا... وسآتي."
بعد لحظة، ابتعد قليلًا لينظر إليها، ثم قال: "هل تريدين أن تسمعي شيئًا جنونيًا؟"
أومأت سيلاست برأسها ببطء.
جلس سيدريك بجانبها وربت على ساقه. ثم وضعت سيلاست رأسها ببطء على حجره بينما بدأ يتحدث.
"حلمت حلمًا غريبًا بعالم جميل يختلف كليًا عن عالمنا. عالم بلا سحر وكل مشاكله،" قال وعصا صوته كما لو كان يتخيله مرة أخرى. "عاش الناس في مدن ضخمة من الزجاج والصلب، وحلقوا عبر السماء في طيور معدنية عملاقة. لم تكن هناك وحوش مخيفة... ورغم وجود روابط بين الناس، إلا أنها لم تكن كروابطنا. كانت مجرد... بسيطة."
نظر إليها ومرر يده في شعرها. "في ذلك العالم، أظن أنكِ ستكونين فتاة عادية فحسب، تذهبين إلى مدرسة عادية، ولديكِ الكثير من الأصدقاء. لن تضطري لإخفاء أي شيء. ستكونين سعيدة فحسب..."
استمعت سيلاست إليه يتحدث، بينما كانت تتخيل هذا العالم الذي روى عنه. وفي النهاية، لم تعد تسمع الأصوات الصارخة في رأسها.
واصل سيدريك رواية قصصه عن المدن الزجاجية حتى غطت في نوم هادئ.
في هذه الأثناء...
رفع إفْريت حاجبًا وهو يتفحص من بعيد الملجأ الذي دخلت إليه سيلاست. كان ليفي ومجموعته خارجين للصيد، لذلك لم يكونوا في الغابة عندما بنت مجموعة سيدريك الملجأ.
"أي مجموعة بنت هذا؟"
بدأ إفْريت يتقدم بضع خطوات ليلقي نظرة أفضل. لكن فجأة، شعر بسيف يضغط على مؤخرة عنقه.
ثم تبع ذلك صوت أنثوي بارد:
"أتبحث عن شيء يا إفْريت؟"
تصلب إفْريت أولًا، ثم استرخى، وابتسم وتمتم: "أعتقد أنه تدنيس للمقدسات أن ينادي شخص ليس هو الحامل بالاسم الحقيقي لرفيق."
استدار ببطء ليرى آيكا تمسك بيدها سيفها على حلقه، وباليد الأخرى تمسك غليون دخان طويلًا.
أزفرت آيكا عمودًا طويلًا من الدخان التَف حولهما، ثم قالت ببرود: "في حال لم تكن تدرك، لا أبالي بشيء كثير في أي عالم."
اتسعت ابتسامة إفْريت، رغم أن النصل كان يغرز في عنقه. بعد بضع ثوانٍ من سحب آيكا ما يكفي من الدم لتوضيح نقطتها، تحدث أخيرًا. "اهدئي يا جميلة... لقد جئت لأتفقد سيلاست فحسب."
لم يتغير تعبير آيكا، لكنها مالت بغليونها قليلًا. "استدر وعد إلى سيدك قبل أن أقرر أن رأسك القبيح سيبدو أفضل على حربة."
للحظة، تبادلا النظرات بحدة.
ثم استخدم إفْريت إصبعين ليدفع النصل عن عنقه بلا مبالاة، واقترب منها خطوة. "تعلمين،" قال بصوت خافت، "تبدين أكثر إثارة حين تحاولين قتلي."
كشفت ابتسامته عن سن ذهبية بينما انحنى أقرب. "ما رأيك أن نتشاطر مشروبًا في إحدى هذه الليالي؟ أعرف مكانًا لا يهتم بالتدنيس."
"أوه؟" ابتسمت آيكا وانحنت ببطء نحوه، مما جعله يزداد حماسًا، لتقول له بعد ذلك هامسة في أذنه بتعبير مقزز: "أفضل أن أشرب السم."
تلاشى تعبير إفْريت.
ابتعدت آيكا إلى الخلف. ثم بينما بدأت تمشي مبتعدة، ضربته بكتفها وهي تمر بجانبه، وكادت أن تفقده توازنه. "أنت تثير اشمئزازي. سأذهب لأتقيأ الآن."
ثم أغمَدت نصلها قبل أن تضيف: "في المرة القادمة التي أراك فيها هنا، لن أستخدم الجانب المسطح من النصل."
وقف إفْريت هناك لثانية، يراقبها وهي تختفي في ظلال مدخل الملجأ. ثم فرك المكان على عنقه حيث كان النصل.
"جمهور صعب،" تمتم أخيرًا قبل أن يستدير ويعود إلى الثكنات.
في وقت لاحق من تلك الليلة...
جلستُ على الأرض في غرفتي، أنظر إلى شاشات متعددة تحوم أمامي. كانت خرائط تشير إلى مناطق مختلفة حول بستان الدمى.
كنت أبحث حاليًا عن منطقة ليست شديدة الخطورة لمجموعتي لتهاجمها. بالطبع، لا يزال لدي الكثير من اللحم في مخزوني، لذا لم يكن تركيزي على الطعام حقًا، بل على اكتساب نقاط الخبرة.
كنت لا أزال أتفحص الخرائط عندما سقطت آيكا فجأة خلفي وأسندت ذقنها بقوة على كتفي بينما أطلقت تنهيدة طويلة.
"بماذا أنت مشغول؟" تمتمت، ودفء أنفاسها يلامس عنقي.
"أبحث فحسب عن مكان يمكننا أن ننجز فيه عملًا حقيقيًا،" أجبت.
نظرت من الشاشة إليّ، وحين رأت تعبيري المتوتر، أغمضت عينيها وأسندت المزيد من وزنها عليّ.
"ما الذي يشغل بالك؟"
رغم قدرتها على قراءة أفكاري، كانت آيكا تنتظرني دائمًا لأقولها بصوت عالٍ. بعد الأيام القليلة الأولى من ارتباطنا، لم تقتحم خصوصيتي أبدًا إلا إذا كنت أتحدث إليها ذهنيًا. [ ترجمة زيوس]
مرت بضع ثوانٍ قبل أن أتنهد وأجيب أخيرًا: "أريدنا أن نعمل بجد حتى نصل إلى المستوى الخامس عشر قبل انتهاء الشهرين."
فتحت آيكا عينيها ببطء وسألت: "هل تريد عتادنا الملكي؟"
"نعم."