الفصل الثاني والأربعون : حديقة عزيز الجميلة [10]
________________________________________
انضممت إلى ديون، وسارت خلفي سيليست وإيفلين بصمتٍ مطبق. بدأنا جميعًا نسير بخطوات هادئة على الدرب الطويل المتعرج المؤدي إلى مدخل الكهف.
لم يمضِ وقت طويل حتى بلغنا المدخل. توقفنا عند الصخور الوعرة لفم النفق، نطل بحذر لنتفحص الساحة الخارجية المكشوفة. أصوات حفيف الأوراق الجافة والرياح البعيدة سرعان ما رفعت من توترنا، أما المنظر المروع للساحة، فقد زاد من حدة القلق في نفوسنا.
خارج الكهف، انتصبت أكواخ مثلثة ضخمة ومتباعدة، بُنيت من عيدان خيزران عديدة رُبطت ببعضها البعض، ترتفع بحدة عن الأرض. قُطعت أبوابها الدائرية في قواعدها، وكانت تبعد عن بعضها البعض بضعة أمتار. لم تبدُ هذه الأكواخ كمساكن فعلية بقدر ما بدت كنُصب تذكارية بدائية ومشؤومة، وقد غلفت الظلال فتحاتها بالكامل.
انتشرت عظام لا حصر لها من كائنات شتى في كل مكان على الأرض وبين الأكواخ. هذا المشهد، مقترنًا بضباب الليل الكثيف، منح المكان هالة من الغرابة المرعبة حقًا. [ ترجمة زيوس]
“إلى أين نذهب من هنا؟” تمتم ديون بارتياع وهو يتلفت حوله.
أدرت نظري إلى الخريطة، فرأيت أن بعض الأكواخ كانت تحتوي على نقاط حمراء بداخلها، بينما كان معظمها الآخر فارغًا. كانت الغيلان صيادين ليليين، ولذلك استنتجت على الفور أن الشاغلين الغائبين كانوا في صيدهم الليلي، مما يعني أن السبيل الوحيد للتسلل خارجًا هو التحرك بهدوء بين الأكواخ الفارغة.
التفت إلى ديون قائلاً: “بعض هذه الأكواخ يوجد بداخلها غيلان، وبعضها الآخر خالٍ. إذا أردنا الخروج من هنا بصمت، فعلينا أن نتحرك بهدوء بين الأكواخ الفارغة.”
رفع ديون حاجبيه متسائلاً: “كيف تعلم أن بعضها يضم غيلانًا والبعض الآخر لا؟”
أدرت وجهي عنه وأجبت: “أمتلك قدرة تخولني رؤية ذلك.”
حدق ديون إليّ بتساؤل للحظة، ثم ارتشف رشفة من شرابه ومسح فمه، وقال: “حسناً. تقدّم أنت.”
التفت لأنظر إلى سيليست وإيفلين، ثم قلت: “التزموا الصمت التام. هؤلاء المخلوقات يتمتعون بسمع حاد جدًا. إن أيقظنا أياً منهم داخل تلك الأكواخ، فسنكون في عداد الهالكين.”
أومأت الفتاتان برأسيهما موافقتين. بينما ديون اكتفى بالبلع بصعوبة.
التفتُ بعدها وخرجت من الكهف، أتحرك بخفة وصمت، أتجنب العظام المتناثرة بحذر. عندما وصلت إلى الكوخ الأول واتكأت عليه، رأيت أن الآخرين قد تبعوني عن كثب، وقد التصقوا هم أيضاً بأعمدة الخيزران، وعيونهم ترتعد في كل اتجاه.
ألقيت نظرة سريعة على الخريطة. ثم كررنا العملية الصامتة: اندفاعة سريعة نحو الظل التالي، حبس الأنفاس قرب الخيزران الخشن، ومسح للمنطقة بحثاً عن الكوخ الآمن التالي.
استمر هذا التنقل بين الأكواخ لعدة دقائق مشحونة بالتوتر. ورغم حظنا في عدم مواجهة أي غيلان، فإن متاهة الأكواخ هذه بدت بلا نهاية. ومع كل ثانية تمر في الصمت، كان رعبنا يتصاعد أكثر فأكثر.
بعد بضعة أكواخ أخرى، أصبحت حركاتنا مضطربة: اضطررنا باستمرار لتغيير الاتجاه لتجنب الغيلان التي تخرج من أكواخها. وأحيانًا كنا نتوقف لفترات مؤلمة حتى يصبح الطريق إلى الكوخ التالي واضحًا.
في نهاية المطاف، وصلنا إلى مركز الساحة المكشوفة.
لكن هناك كانت مشكلة.
كان المركز عبارة عن سهلٍ خالٍ، ولم يكن الكوخ التالي يظهر إلا بعد عدة مئات من الأمتار.
الشيء الوحيد في المنتصف كان أعمدة خشبية ضخمة وطويلة، رُبطت بها جثث كائنات. بدت جميع الكائنات محترقة، وبعضها كان لا يزال يتصاعد منه دخان خفيف، بينما كانت جلودها مشدودة ولحومها متفحمة. على الأرض، كانت كثافة العظام عالية لدرجة أنها كونت بساطًا أبيض كالجير، مما جعل من المستحيل أن نخطو خطوة واحدة دون إحداث صوت طقطقة.
'آه!'
في تلك اللحظة، التفت ديون وهمس: “ماذا نفعل الآن؟”
تفحصت الخريطة. لم أجد أي نقاط حمراء حتى مجموعة الأكواح المأهولة على الجانب البعيد، فنظرت إلى ديون وقلت: “سوف نعبر.”
“هاه؟” تمتم ديون وهو يرتعش. “يبدو هذا الخيار الأكثر خطورة.”
عندها فقط، تحدثت إيفلين أخيرًا لأول مرة: “أنا… أنا أظن ذلك أيضاً. أليس هناك طريق آخر؟”
هززت رأسي. “تركيز الأكواخ المليئة بالغيلان في الشرق والغرب عالٍ جداً. سوف نُكتشف إن حاولنا التحرك في أي من الاتجاهين. الشمال هو مسارنا الوحيد.”
ساد الصمت للحظة، ثم ارتشف ديون بضع جرعات من شرابه وقال: “إذن لننطلق.”
تقدم هو الركب، يجهد نفسه للتحرك بصمت رغم حالته التي يغلّفها السكر.
تبعته أنا عن كثب، ولحقت الفتاتان بعد وقت قصير.
على الرغم من قصارى جهدنا للبقاء هادئين، كان من الصعب تجنب إصدار الضوضاء ونحن نسير فوق العظام المتناثرة. كنت أرتجف في كل مرة أسمع فيها صوت طقطقة من أحدهم.
بعد عدة دقائق، كنا قد بلغنا تقريبًا الجانب الآخر. حتى الآن، بدا كل شيء يسير بسلاسة. للحظة، سمحت لنفسي بأن أصدق أننا قد ننجح بالفعل في ذلك.
كان بإمكاني حتى رؤية الكوخ الذي كان من المفترض أن نتكئ عليه من خلال الضباب الكثيف.
'لقد اقتربنا،'
فكرت، وأنا أشعر بأن ثقل الدقائق الأخيرة بدأ يزول أخيرًا عن كاهلي.
لكن بينما كنت أستنشق نفساً من الراحة، وفي اللحظة التي شعرت فيها بالأمان المؤقت...
سمعت فجأة صوت بوق عالٍ جعلنا نحن الأربعة نتجمد في أماكننا.
“ما… ما هذا؟” تمتم ديون بكلمات متداخلة، وكاد أن يسقط زجاجته وهو يلتفت لينظر في الاتجاه الذي جاء منه الصوت الصاخب.
في حالة من الذعر، أدرت رأسي أنا أيضاً بسرعة نحو مصدر الصوت، الذي كان السجن. “اللعنة! لقد علموا بأننا هربنا.”
“ماذا نفعل الآن—” بدأت إيفلين كلامها بهمس مرتجف.
ولكن قبل أن تُكمل كلامها، بدأت أصوات صاخبة شبيهة بضحكات نساء متشنجة تتردد في كل مكان حولنا، مما جعلنا ندير رؤوسنا بعنف كحيوانات مذعورة، بل ونتراجع نحو بعضنا البعض.
ثم، في الثواني التالية، تعمق رعبنا عندما بدأنا نرى عيونًا حمراء تتوهج من خلال الضباب المحيط بنا من كل جانب…