"انطلقا!"

قفز كل من ديون وأنا من الجرف في آن واحد تقريباً، هوينا إلى ما دون الضباب ثم غصنا عميقاً في الماء محدثين رشات قوية.

على الفور، ضربني الماء كالمطرقة الثقيلة، طارداً الهواء من رئتي وغامراً إياي في فوضى مظلمة مضطربة. لثوانٍ مؤلمة، كنت مشوشاً تماماً وأتقلب، لكن التيار، على قوته، كان يمكن التحكم به بما يكفي لكي لا أبقى غارقاً.

أجبرت عينيّ على الانفتاح، ورمقت سيلاست ليست بعيدة عني. دون إضاعة وقت، مددت يدي إليها، وثبّت ذراعها فوق كتفي وأحكمت يدي حول خصرها، ثم بدأت بجرها، صاعداً بأقصى سرعة ممكنة.

في غضون ثوانٍ طويلة ومشحونة بالتوتر، اخترقت رؤوسنا سطح الماء وتمكنت أخيراً من سحب نفس عميق وخشن.

'ما أشد برودتها...' كانت تلك أول فكرة هشة خطرت ببالي، فالماء كان بارداً لدرجة قاسية شعرت معها وكأنه ينهش جلدي.

بعد أن استنشقت ما يكفي من الهواء، استدرت بسرعة في الماء محاولاً العثور على ديون. لكن الضباب الكثيف حال دون رؤيتي لأي شيء تقريباً.

'هل نجا من القفزة؟'

"ديون؟" ناديت بصوت مجهد. كنت خائفاً جداً من الصراخ، وكانت كل غرائزي تصرخ بي أن أتابع طريقي إلى الشاطئ دونه فحسب.

ألقيت نظرة سريعة على الخريطة التي ظهرت بجانبي لأحدد اتجاهي. ثم بدأت أسبح يميناً نحو الشاطئ.

بيد أنه بعد ثوانٍ قليلة من بدئي بالسباحة، سمعت رشقات ماء على مسافة لا بأس بها خلفي. ثم نادى صوت نسائي مذعور: "سيدريك؟!"

كانت إينو! فلأننا ابتعدنا عن منطقة الغيلان المباشرة، فلا بد أنها تمكنت من الظهور مجدداً.

أدرت رأسي فوراً، لكنني لم أرَ سوى الضباب الكثيف. فناديت: "مرحباً! أنا هنا تماماً. اتبع صوتي."

لم يمض وقت طويل بعدما تحدثت حتى بدأت أسمع تحرك الماء في اتجاهي. وفي بضع ثوانٍ مشحونة، رأيت إينو أخيراً.

كانت ترتجف بعنف وهي تمسك ديون بإحكام، وبدا هو في حالة يرثى لها حقاً.

عندها تحدثت بسرعة وأسناني تصطك: "ابقي قريبة مني، الشاطئ ليس بعيداً."

ما زالت ترتجف، أومأت إينو برأسها وبدأنا نسبح بأقصى سرعة ممكنة نحو الشاطئ.

لكن بعد دقيقة واحدة بالكاد، لفت انتباهنا شيء ما.

كانت أغنية.

كان... أحدهم، أو بالأحرى شيء ما، يغني في البعيد. بدا الصوت وكأنه قادم من الضباب وبدا بشرياً، لكنه كان جميلاً بشكل مستحيل لدرجة أنه يلامس حدود الملائكية.

لكن هذا لم يكن كل شيء.

بل كنا ندرك بعض كلمات الأغنية الجميلة بشكل مخيف.

"مـ... ما هذا؟" تلعثمت إينو. "هل يوجد أحد آخر هنا؟"

'اللعنة!' انتابني الذعر فوراً إذ راودني شك فيما كان يغني بالضبط. لم تكن امرأة بالتأكيد، لكن إن كانت حدسي صحيحاً، فقد كان ذلك أحد أكثر مخلوقات البحار رعباً، المعروف باسم السيرين.

"تجاهليه!" حثثتُها وأنا أدير وجهي عن اتجاه الصوت. "فقط واصلي السباحة!"

أدارت إينو وجهها فوراً وواكبتني بسرعة، فقد كنت أواصل السباحة بأقصى ما لدي.

ألقيت نظرة سريعة على الخريطة، وخفق بصيص أمل في ذهني حيث رأيت أننا أصبحنا قريبين جداً من الشاطئ.

'قليل بعد...'

حركت ساقيّ بقوة أكبر محاولاً زيادة سرعتي، متجاهلاً الألم الحارق في كتفيّ جراء جر سيلاست.

إلا أنه مع كل ثانية تمر، لاحظت أن صوت الغناء كان يزداد علواً ببطء، وجمالاً بشكل مكثف. فجأة، بدأت أنسى ما الذي يمتلك ذلك الصوت بالضبط، واجتاحتني موجة من الارتباك.

بدأ شعور لا يقاوم بالدوران والبحث عن مصدر ذلك الجمال الساحر يتصاعد في داخلي. أبطأت حتى لم أدرك أنني توقفت تماماً.

'هاه؟ إلى أين كنت أسبح بهذه السرعة...؟'

بينما كنت أُصيغ تلك الفكرة، ازداد ارتباكي فجأة.

'انتظر... أنا في الماء؟ لماذا أنا في الماء؟ متى دخلت إلى هنا؟'

عندها، انبعث صوت إينو بجانبي، مما دفعني لأدير رأسي نحوها بسرعة: "هل نذهب لنتفقد من يغني؟ إنه... جميل للغاية."

تحولت نظراتي منها نحو اتجاه الأغنية الجميلة، ثم عبستُ.

"ألم نكن مستعجلين للوصول إلى مكان ما؟"

"هاه؟" نظرت إليّ إينو بتعبير شديد الارتباك.

جعلني ارتباك إينو أعبس بعمق أكبر. لم أستطع جمع أفكاري؛ شعرت وكأننا في عجلة من أمرنا، ولكن لماذا؟

'هل أنسى شيئاً؟'

كنت على وشك أن أنادي آيكا عندما رنّ صوتها فجأة.

'سيد، هل تمانع لو ذهبنا لإلقاء نظرة؟ لم أسمع شيئاً بهذه الجمال من قبل...'

عند سماع ذلك، عادت نظراتي إلى اتجاه الصوت. وعند هذه النقطة، لم أعد أستطيع السيطرة على الرغبة.

لقد كان جميلاً بشكل لا يقاوم حقاً.

نظرت إلى إينو وأومأت نحو الغناء: "حسناً، فلنذهب ونلقِ نظرة."

ابتسمت، واستدرنا وبدأنا نسبح ببطء نحو اتجاه الصوت. كلما اقتربنا، ازداد علواً وجمالاً.

شعرت بقلبي يتسارع في ترقب محموم، مزيج من الارتباك والشوق المطلق والخطير.

بينما كنا نواصل الاقتراب، بدأت أفكر:

'ماذا عساه يمتلك هذا الصوت العذب؟ هل يمكن لإنسان أن يغني هكذا حقاً؟'

سرعان ما بدأ ارتباكي يتحول إلى حماس مقلق.

ولكن عند تلك اللحظة...

تسببت سلسلة من الإشعارات، التي انبثقت بعنف باللون الأحمر، في ارتعاشي:

[لقد كشفت السمة الحصرية "امتيازات اللاعب" عن تشتيت للاعب عن الانغماس.]

[سبب التشتيت: إكراه.]

[قامت "امتيازات اللاعب" بتفعيل حاجز غير سردي.]

[بسبب تأثيرات الحاجز غير السردي، تم منح اللاعب تعزيزاً جزئياً ومؤقتاً لقوة الإرادة.]

فجأة، ورغم أنني لم أستطع تذكر أي شيء، مثل سبب وجودي في الماء، أو إلى أين كنت ذاهباً قبل سماع هذا الصوت، بدأ ينتابني شعور غريزي، حشوي، بأن الأغنية الجميلة التي كنت أسبح نحوها قد تكون خطيرة في الواقع. [ ترجمة زيوس]

إلا أنه وبسرعة اختفاء هذا الشعور الغريزي، بدأ يتلاشى ببطء، ليحل محله مجدداً الحماس الذي كنت أشعر به من قبل.

عندما لاحظت ما يحدث، حاولت التمسك بذلك الشعور الحدسي. وعندما أصبح الأمر صعباً للغاية، وشعرت أنني على وشك فقدانه بالكامل، أخرجت لساني وعضضت عليه بأقصى قوة لدي.

امتلأ فمي بالدم على الفور، وتسببت الصدمة اللحظية في ابتعادي بعنف عن الإكراه.

دون إضاعة أي وقت، صفعت أذني اليسرى ثلاث مرات، بأقصى قوة ممكنة، حتى لم أعد أسمع فيها سوى طنين حاد ومُصمّم.

2026/03/13 · 154 مشاهدة · 881 كلمة
ZEUS
نادي الروايات - 2026