12 - رماد ما قبل الرحيل

الفصل الثاني عشر: رماد ما قبل الرحيل

---

لم أنم تلك الليلة.

لم يكن الفشل في المتحف هو ما أبقاني مستيقظاً، بل الكلمات التي تركها ذلك المرنان خلفه. كانت تدور في رأسي كعقارب ساعة لا تتوقف.

"الحقيقة عن المؤسسين... عن العظام... عن الخلود."

كنت أحدق في سقف غرفتي، بينما ضوء القمر الأخضر يتسلل من النافذة، فيرسم خطوطاً باهتة فوق الجدران. أما القمر الأحمر فكان يغمر نصف الغرفة بضوء يشبه الدم اليابس.

مددت يدي نحو عيني الظلامية.

كانت تنبض.

ببطء...

ثم بسرعة...

ثم عادت إلى هدوئها، وكأن شيئاً في مكان بعيد يناديني.

أغمضت عيني، لكنني لم أرَ الظلام.

رأيت غابة.

أشجار سوداء بلا أوراق، تمتد جذوعها حتى السماء، وبينها رجال يقفون في دائرة. تسعة أشخاص، وجوههم مطموسة، يحمل كل واحد منهم عظمة مختلفة. أحدهم رفع رأسه نحوي.

"اقترب."

ارتجف جسدي.

ثم انكسرت الرؤية فجأة.

استيقظت جالساً فوق السرير ألهث، وقطرات العرق تغطي جبيني.

طرقات خفيفة جاءت من الباب.

"كينج."

كان صوت ليرا.

تنفست ببطء ثم فتحت الباب.

وقفت أمامي تحمل كوبين من الشاي الساخن.

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

"توقعت أنك لن تنام."

أخذت الكوب دون كلام.

دخلت وجلست على الكرسي الخشبي، بينما بقيت هي واقفة قرب النافذة.

ساد الصمت.

قالت أخيراً:

"أنت تلوم نفسك."

لم أجب.

"أعرف هذا الوجه."

ضحكت بسخرية.

"وهل تعرفين أيضاً كيف أتوقف عن التفكير؟"

هزت رأسها.

"لا."

جلست بجانبي.

"لكنني أعرف أن الإنسان عندما يبدأ بمحاسبة نفسه على كل شيء... يتوقف عن رؤية الأشياء التي أمامه."

نظرت إلى البخار المتصاعد من الكوب.

"لقد هرب."

"نعم."

"وأخذ الكتاب."

"نعم."

"إذاً فشلنا."

ابتسمت ليرا ابتسامة حزينة.

"الفشل الحقيقي... أن تتوقف بعد أول هزيمة."

سكت قليلاً.

ثم سألتها:

"ليرا... هل تؤمنين بأن تير تخفي عنا شيئاً؟"

تغيرت ملامحها.

"لماذا تسأل؟"

"لأن الجميع يتحدث عن المؤسسين وكأنهم أسطورة... لكن كل من يقترب من الحقيقة يختفي."

لم تجب مباشرة.

نظرت عبر النافذة.

"عندما انضممت إلى تير... أقسمت ألا أبحث في الماضي."

"ولماذا؟"

"لأن الذين بحثوا قبلي... لم يعودوا."

...

خرجت من الغرفة بعد دقائق.

لم أعد أحتمل الجدران.

كان مقر تير هادئاً على غير عادته.

معظم الأعضاء نائمون.

المصابيح الزيتية تضيء الممرات بحزن، والهواء يحمل رائحة الكتب القديمة والحديد.

بينما كنت أعبر المكتبة، لمحت فاروس.

كان يقف وحده.

ينظر إلى رف قديم.

لم يشعر بي.

كان يحمل صورة صغيرة في يده.

وللمرة الأولى منذ عرفته...

رأيته يبتسم.

ابتسامة قصيرة جداً.

ثم اختفت.

اقتربت.

"لم أرك تبتسم من قبل."

التفت بسرعة، وأغلق الصورة داخل معطفه.

"ولن تراني مجدداً."

ابتسمت.

"من كانت؟"

نظر إلي طويلاً.

ثم قال:

"شخص مات."

لم أسأل أكثر.

جلس على أحد الكراسي وأشار إلي بالجلوس.

"أخبرني يا كينج... لماذا كنت مصراً على مواجهة المرنان وحدك؟"

أجبت دون تفكير.

"لأنني حسبت الاحتمالات."

"وهل نجحت الحسابات؟"

"...لا."

"إذاً تعلم شيئاً."

رفعت رأسي.

"الأرقام لا تستطيع حساب البشر."

ساد الصمت.

ثم أخرج ساعته القديمة.

فتحها.

كانت عقاربها تتحرك بعكس الاتجاه الطبيعي.

سألته:

"لماذا ساعتك مكسورة؟"

ابتسم ابتسامة غريبة.

"ليست مكسورة."

"إذاً لماذا تدور للخلف؟"

أغلقها.

"لأن الزمن لا يسير دائماً إلى الأمام."

نهض وغادر.

وتركني مع سؤال جديد.

...

في صباح اليوم التالي استدعانا بِس إلى ساحة التدريب.

كان يقف في منتصف الساحة، ويداه خلف ظهره.

لا يحمل سلاحاً.

ولا يبدو مستعداً للقتال.

قال بهدوء:

"قاتلوني."

نظر الجميع إلى بعضهم.

كايل اندفع أولاً.

ضربة واحدة.

اختفى بِس.

ظهر خلفه.

دفعه بإصبع واحد.

فسقط أرضاً.

ثم هاجمت ليرا.

إعصار كامل.

مر الهواء خلال جسده.

كأنه دخان.

ثم وجدت نفسها على الأرض أيضاً.

تقدم تيد.

كاتاناه الجليدية لمعَت.

لكن قبل أن يصل...

كان سيفه قد أصبح في يد بِس.

دون أن يشعر.

نظر إلي.

"أنت."

تقدمت.

رفعت المنجل.

لم أهاجم مباشرة.

بدأت أحسب.

زاوية الكتف.

اتجاه القدم.

المسافة.

سرعة التنفس.

كل شيء.

ثم اندفعت.

ضربة أولى.

تفاداها.

ثانية.

اختفى.

ثالثة.

أمسك المنجل.

ابتسم.

"ما زلت تحسب."

شددت قبضتي.

"لأن الحساب ينقذ الحياة."

قال:

"أحياناً."

ثم دفعني.

لم يكن الدفع قوياً.

لكنني شعرت كأن جبلاً اصطدم بي.

تدحرجت عدة أمتار.

وقفت بصعوبة.

ابتسم بِس للمرة الأولى.

"تحسنت."

سألته وأنا ألهث:

"كيف هزمتنا جميعاً؟"

رفع إصبعه نحو رأسه.

"القتال يبدأ هنا."

ثم أشار إلى قلبه.

"وينتهي هنا."

استدار وغادر.

كالعادة.

دون تفسير.

...

بعد انتهاء التدريب، جلست وحدي فوق سطح المبنى.

كانت المدينة تمتد أمامي تحت ضوء القمرين.

هادئة...

لكنها ليست آمنة.

أخرجت العظمة البيضاء من جيبي.

مررت أصابعي فوق النقش الدائري.

وفجأة...

شعرت بحرارة خفيفة.

لم تكن حرارة تؤلم.

بل حرارة تنبض.

ثم سمعت صوتاً.

همسة بعيدة.

"اقترب..."

قفزت واقفاً.

التفت حولي.

لا أحد.

لكن الهمسة تكررت.

"اقترب..."

ثم توقفت.

وضعت العظمة داخل جيبي بسرعة.

وفي تلك اللحظة فقط...

أدركت شيئاً.

منذ أن التقطت هذه العظمة...

بدأت الأحلام.

وبدأت الرؤى.

وبدأت الأسئلة.

ربما...

المشكلة ليست في عيني.

بل في هذه العظمة.

رفعت رأسي نحو القمرين.

وشعرت لأول مرة...

أن شيئاً ما هناك...

ينظر إلي أيضاً.

---

نهاية الفصل الثاني عشر

2026/07/11 · 1 مشاهدة · 753 كلمة
K1NG
نادي الروايات - 2026