الفصل الثالث عشر: جذور في الظل

---

جالستُ في غرفتي، وأنظر إلى عيني الظلامية في انعكاس المرآة. كانت شعلة سوداء تتمايل كالنار في ليلة بلا ريح، تنبض كقلب حي، تذكرني بكل لحظة، بكل خيار، بكل طريق سلكته. لم تكن تنمو، لم تكن تتوسع. كانت كما هي، ثابتة، باردة، تذكير دائم بالثمن الذي دفعته.

لكن الخوف كان ينمو في داخلي. الخوف من البقاء، الخوف من الركود، الخوف من أن أظل عالقاً في تير إلى الأبد، أقاتل معارك ليست معاركي، وأخدم قضايا ليست قضاياي. كنت قد سئمت. سئمت من التوازن، من الإنقاذ، من التضحية. سئمت من أن أكون أداة في يد فاروس، ومن أن أكون مجرد صائد كلاب في منظمة لا تفهم ما أنا عليه حقاً.

نهضتُ، وخرجتُ من غرفتي، ومشيتُ في ممرات تير المظلمة. كانت الساعة متأخرة، والجميع نائمون، لكنني كنت أعرف أن فاروس وبِس كانا مستيقظين. هما دائماً مستيقظان.

وجدتهما في غرفة فاروس، جالسين حول طاولة صغيرة، ساعة فاروس القديمة مفتوحة بينهما. نظر إليّ فاروس، ورفع حاجباً.

"كينج؟" قال، وصوته كان هادئاً. "في هذه الساعة المتأخرة؟"

"لدي طلب،" قلتُ، وأنا أقف عند الباب. "ليس طلباً عادياً. لكنني بحاجة إليه."

نظر إليّ بِس، وعيناه الداكتان كانتا ثاقبتين. قال: "تكلم."

جلستُ على الكرسي المقابل لهما، وأنا أشعر بثقل اللحظة. كنت قد فكرت في هذه الكلمات طوال الليل.

"أريد أن أغادر تير،" قلتُ، والكلمات خرجت أكثر هدوءاً مما توقعت.

صمت طويل. فاروس أغلق ساعته ببطء، ونظر إليّ بعينين زرقاوين كالجليد. بِس لم يتحرك، لكن عينيه كانتا تحترقان بفضول خفي.

"تغادر تير؟" قال فاروس أخيراً، وصوته كان حاداً. "لماذا؟"

"لأنني لم أعد أنتمي إلى هنا،" قلتُ، وأنا أنظر إليهما. "لقد جئتُ إلى هذا العالم هارباً من حياتي القديمة، وأنا ممتن لكل ما فعلتموه من أجلي. لكنني لست صائد كلاب. لست عضواً في تير. أنا شيء آخر."

"ماذا تقصد؟" سأل بِس، وصوته كان خفيضاً.

"أقصد أنني خالد،" قلتُ. "وأنا لا أعرف لماذا. أقصد أن عيني الظلامية تنبض كل ليلة، وتذكرني بأنني لست كباقي البشر. أقصد أنني سئمت من القتال من أجل قضايا لا تهمني، ومن التضحية من أجل أشخاص لا يعرفونني حقاً."

صمت طويل آخر. فاروس نظر إلى بِس، وتبادلَا نظرة طويلة. ثم قال فاروس: "وما خطتك؟"

"سأذهب إلى العظماء التسعة،" قلتُ، ورفعتُ ذقني. "سأبحث عن إجاباتي هناك. عن الخلود، عن العظام، عن المؤسسين. عن من صنعني."

"العظماء التسعة خطرون،" قال فاروس، وعيناه تضيقان. "لا يثقون بأحد. إذا عرفوا أنك من تير، لن يقتلونك. سيعذبونك. لأنك خالد، ولن تستطيع الموت، وسيبقى ألمك إلى الأبد."

"أعرف،" قلتُ، وشعرتُ بقشعريرة تسري في عمودي الفقري. "لكنني مستعد لدفع الثمن. لأن البقاء هنا دون إجابات هو موت بطيء أيضاً."

نظر فاروس إلى بِس، وتبادلَا نظرة أخرى. ثم قال فاروس: "سأوافق. لكن بشرط."

"ما هو؟"

"ستتدرب مع تيد وجين لمدة أسبوع. هما أفضل جواسيس تير. سيعلمانك كل ما تحتاج إلى معرفته للبقاء على قيد الحياة في عالم لا يرحم. وبعد أسبوع، ستذهب. وإذا فشلت، لن نعرفك."

"أوافق،" قلتُ، ومددتُ يدي.

صافحني فاروس، وكانت مصافحته باردة كالجليد. بِس لم يقل شيئاً، لكنه أومأ برأسه، وكأنه يقول: "أنا أوافق أيضاً."

نهضتُ، وخرجتُ من الغرفة، وأنا أشعر بثقل القرار. كنت قد بدأت طريقاً جديداً، طريقاً قد يكلفني حياتي. لكنه كان الطريق الوحيد الذي يمكنني سلكه. لأن البقاء في تير كان يعني أن أظل عالقاً في حياة ليست حياتي. والذهاب إلى العظماء التسعة كان يعني أن أجد إجاباتي، حتى لو كان الثمن هو كل شيء.

---

في صباح اليوم التالي، بدأ التدريب.

تيد كان واقفاً في قاعة التدريب، وكاتاناه الجليدية في يده، وعيناه الجليديتان تضيقان. جين كان بجانبه، هراوته الحجرية موضوعة على الأرض، وذراعه المقطوعة مغطاة بغطاء أسود.

"لقد أخبرنا فاروس،" قال تيد، وصوته كان بارداً كالثلج. "ستتدرب معنا لمدة أسبوع. سنعلمك كل ما نعرفه عن البقاء في الظل."

"ماذا تشمل التدريبات؟" سألتُ.

"التمويه،" قال جين، وصوته كان عميقاً كالأرض. "التخفي. قراءة الناس. الاندماج. الظل. كل ما تحتاجه لتكون حراً."

"ولماذا أنتما؟" سألتُ. "لماذا أنتما جواسيس تير؟"

نظر تيد إلى جين، ثم قال: "لأننا ندفع ثمن رنيننا. أنا أفقد ذاكرتي، وجين فقد ذراعه. التجسس هو الطريقة الوحيدة التي نستطيع بها خدمة تير دون المخاطرة بفقدان ما تبقى منا."

"وأنت،" قال جين، ونظر إليّ بعينين بنيتين داكنتين. "أنت تبحث عن إجابات. هذا التدريب قد يساعدك في العثور عليها."

صمتُ، وأنا أفكر في كلماته. كانا يعرفان. كانا يعرفان أنني لست هنا من أجل تير، بل من أجل نفسي.

"لنبدأ،" قال تيد، ورفع كاتاناه الجليدية. "الدرس الأول: التمويه."

---

كان الأسبوع طويلاً، مرهقاً، مؤلماً.

تعلمتُ كيف أغير ملامحي، كيف أغير صوتي، كيف أغير طريقة مشيي. تعلمتُ كيف أندمج في أي مكان، كيف أختفي في الظل، كيف أقرأ الناس من نظراتهم، من حركاتهم، من أنفاسهم.

تيد كان معلماً قاسياً. كان يكرر التمارين حتى أتعب، ثم يعيدها مجدداً. كان يقول: "خطأ واحد قد يكلفك حياتك."

جين كان مختلفاً. كان صبوراً، هادئاً، يعلمني كيف أستمع، كيف أنتظر، كيف أتحمل الصمت. كان يقول: "الصبر هو سلاحك الأهم."

وفي الليل، كنت أعود إلى غرفتي، وأنا أشعر بالإرهاق يلتهم جسدي. لكنني لم أنم. كنت أفكر. أفكر في العظماء التسعة، في العظام، في الخلود، في من صنعني. كنت أفكر في أن هذه كانت فرصتي الوحيدة لإيجاد إجاباتي، حتى لو كان الثمن هو كل شيء.

---

في اليوم السابع، كان التدريب قد انتهى.

وقفتُ أمام تيد وجين في قاعة التدريب، وأنا أشعر بأنني مختلف. كنت أتحرك بسلاسة أكبر، أنظر بعمق أكبر، أفكر بشكل أسرع.

"أنت جاهز،" قال تيد، ووضع كاتاناه الجليدية في غمدها. "لقد تعلمت كل ما يمكننا تعليمه."

"لكن تذكر،" قال جين، ونظر إليّ بعينين عميقتين. "العظماء التسعة ليسوا مثلنا. إنهم لا يثقون بأحد. إذا شعرت بالخطر، اهرب."

"لن أكون بطلاً،" قلتُ، وابتسمتُ. "أنا فقط أريد إجابات."

نظر إليّ تيد، وقال: "نتمنى لك التوفيق، كينج."

"شكراً،" قلتُ، وصافحتهما.

ثم خرجتُ من قاعة التدريب، وأنا أشعر بثقل الخطوات.

---

في المساء، اجتمع الجميع في القاعة الرئيسية.

ليرا كانت واقفة بجانب الطاولة، وعيناها الخضراوان تلمعان بقلق. نيرا كانت خلفها، خناجرها في يديها، ووجهها معبّراً عن الحزن. كايل كان جالساً، سيفه الطويل موضوعاً على الطاولة. كاين كان واقفاً في زاويته، والرمال تدور حول كتفه ببطء. سيلفا كانت جالسة على الأرض، والنبات على كتفها يتحرك بعصبية. فاروس كان على رأس الطاولة، ساعته القديمة مفتوحة في يده. بِس كان في زاويته المظلمة، صامتاً كالعادة.

"لقد أخبرنا فاروس،" قالت ليرا، وصوتها كان مبحوحاً. "أنت تذهب إلى العظماء التسعة."

"نعم،" قلتُ، وأنا أنظر إليها. "هذا هو القرار الوحيد الذي يمكنني اتخاذه."

"لكنهم خطرون،" قالت، وتقدمت خطوة. "قد يقتلونك."

"أعرف،" قلتُ، وابتسمتُ برغم الألم. "لكن البقاء هنا دون إجابات هو موت بطيء أيضاً. العظماء التسعة قد يكونون أملي الوحيد لفهم من أنا."

وقفت ليرا أمامي، ونظرت إليّ بعينين خضراوين حزينتين. "سأفتقدك،" همست.

"سأفتقدك أيضاً،" قلتُ، وشعرتُ بالدموع تتسرب من عيني اليمنى. "لكنني سأعود. أعدك."

"أعدني،" قالت، ووضعت يدها على صدري. "أعدني أن تعود حياً."

"أعدك،" قلتُ، ووضعتُ يدي على يدها.

نظر الجميع إلينا، وكان الصمت ثقيلاً. ثم تقدمت نيرا، ووضعت خنجرها في يدي.

"خذ هذا،" قالت، وصوتها كان خفيضاً. "للتذكير. وللحماية."

نظرتُ إلى الخنجر، وكان جميلاً، نصله يلمع بلمعة فضية باردة. وضعته في حزامي، بجانب المنجل.

"شكراً،" قلتُ.

ثم تقدم كايل، ووضع يده على كتفي. "كن حذراً، يا كينج. لقد أصبحت واحداً منا. لا تنسَ ذلك."

"لن أنسى،" قلتُ.

تقدم كاين، وأطلق كرة رملية صغيرة تدور حول يدي. "هذه هدية. إذا احتجت مساعدة، أرسلها. الرمال ستصل إليّ."

نظرتُ إلى كرة الرمال، وهي تدور حول يدي ككوكب صغير. "شكراً، كاين."

تقدمت سيلفا، ووضعت بذرة صغيرة في يدي. "ازرعها عندما تجد مكاناً آمناً. ستذكرك بأن الحياة تستمر."

نظرتُ إلى البذرة، وكانت خضراء، تنبض بحياة خفية. "شكراً، سيلفا."

ثم نظرتُ إلى الجميع، وأنا أشعر بثقل اللحظة. كانوا جميعاً هناك، يودعوني، يقلقون عليّ، يحبونني. شعرتُ بشيء غريب في صدري، شيء لم أشعر به منذ سنوات. شعرتُ بأنني لست وحيداً.

لكنني كنت أعرف أنني سأخونهم. لأنني لم أكن أبحث عن العظماء التسعة من أجل تير. كنت أبحث عنهم من أجل نفسي. وكان هذا هو الفرق الذي جعلني أبتسم ابتسامة حزينة.

"سأعود،" قلتُ، ونظرتُ إليهم جميعاً. "أعدكم. سأعود."

ثم التفتُ، ومشيتُ نحو الباب.

في الخارج، كان القمر الأحمر يخفت، والأخضر يشتد. ليلة جديدة كانت تبدأ.

وكنت وحدي في طريقي. كنت ذاهباً إلى العظماء التسعة. ليس كجاسوس، بل كباحث عن الحقيقة. عن إجاباتي. عن من أنا حقاً.

---

نهاية الفصل الثالث عشر

2026/07/11 · 0 مشاهدة · 1293 كلمة
K1NG
نادي الروايات - 2026