الفصل الرابع عشر: طريق الظلال

---

غادرتُ مقر تير عند الغسق، والقمران كانا يظهران في السماء، الأخضر يبدأ بالسيطرة والأحمر يتراجع. كانت حقيبتي خفيفة، تحوي القليل من المؤن، وبعض العملات الفضية، والخنجر الذي أعطتني إياه نيرا، وبذرة سيلفا في جيبي الداخلي، وكرة الرمال الصغيرة التي أعطاني إياها كاين تدور في جيبي الآخر. المنجل كان خلف ظهري، ثقله مألوف ومريح.

لم ينظر أحد إلى الوراء وأنا أمشي. كنت وحدي، وهذا ما أردته. لأن الوحدة كانت صادقة، والصدق كان نادراً في عالم مليء بالأكاذيب.

خرجتُ من بوابات زيكسل الشرقية، وتوجهتُ شمالاً. لم تكن لدي خريطة دقيقة، فقط إشارات غامضة من فاروس عن مواقع محتملة للعظماء التسعة. قال إنهم يتحركون، ولا يبقون في مكان واحد طويلاً. لكن هناك كهفاً في جبال الشمال، يقال إنه كان ملجأً لهم في الماضي. قد يكونون هناك، أو قد لا يكونون. كانت هذه فرصتي الوحيدة.

مشيتُ ساعات، والمدينة تبتعد خلفي تدريجياً. كانت المباني تتحول إلى أكواخ، ثم إلى أطلال، ثم إلى لا شيء. الطريق كان وعِراً، مليئاً بالحجارة والأعشاب الجافة. الريح كانت باردة، تحمل رائحة التراب والموت البعيد.

في الليلة الأولى، توقفتُ تحت شجرة عجوز، جذورها بارزة كأصابع ميتة. أضرمتُ ناراً صغيرة، وجلستُ بجانبها، أنظر إلى اللهب يتمايل. كنت أفكر في كل شيء: في عيني الظلامية التي تذكرني بثمني، في دوريان الذي مات، في تيد الذي ينسى، في جين الذي فقد ذراعه، في ليرا التي بكيت أمامها، في العظماء التسعة الذين قد يكونون أملي الوحيد.

ولكن السؤال الذي راودني طوال الوقت، ذلك السؤال الذي لم أجرؤ على طرحه على نفسي: لماذا أنا هنا؟ هل لأنني أريد إنقاذ نفسي حقاً؟ أم لأنني أهرب من شيء ما؟ أم لأنني أبحث عن إجابة لسؤال لا أعرف كيف أصوغه؟

رفعتُ يدي إلى عيني الظلامية، تحت البرقع الأسود. كانت باردة كالثلج، ناعمة كالحرير، تنبض كقلب حي. لم تكن مؤلمة، لكنها كانت ثقيلة، كأنها تحمل في داخلها كل ما خسرته.

"ما أنتِ؟" همستُ للعين، وكأنها تستطيع سماعي. "هل أنتِ ثمني؟ أم أنتِ بداية شيء آخر؟"

لم تجب. فقط نبضت، وتمايلت، وذكرتني بأنني لست ما كنت عليه.

---

في الصباح التالي، واصلتُ طريقي. كانت الجبال تلوح في الأفق كأسنان عملاقة، مغطاة بالضباب والثلوج. كان الطريق طويلاً، وأنا أعرف ذلك. لكنني كنت مستعداً للمشقة. كنت بحاجة إلى الوقت لأفكر، لأتأمل، لأفهم.

كانت فلسفتي تتشكل ببطء، كقطرات ماء تحفر في صخر. كل خطوة كانت تذكرني بأن الحياة ليست سوى رحلة، وأن الوجهة ليست هي المهم، بل ما نتعلمه في الطريق. كنت أتساءل: هل القوة تستحق الثمن؟ هل الخلود هبة أم لعنة؟ هل يمكن للإنسان أن يغير مصيره، أم أنه مجرد لعبة في يد قوى لا يفهمها؟

تذكرتُ دوريان. كان رجلاً صامتاً، يرى ما لا يراه الآخرون. دفع ثمن رنينه، ومات. لكنه ترك رسالة، رسالة قال فيها: "طهروا المدينة من الفساد." هل كان يعلم أن ثمنه سيكون حياته؟ وهل كان مستعداً لذلك؟ ربما كان. ربما كان يعلم أن الموت ليس نهاية، بل مجرد انتقال إلى شيء آخر.

تذكرتُ أمي، وهي تحتضر، تهمس لي بأن عيناي جميلتان. كانت تعلم أنها ستموت، لكنها لم تخف. كانت تعلم أن الحياة تستمر، حتى بعد الموت. ربما كان هذا هو السر: أن تعيش وكأنك ستموت غداً، وأن تموت وكأنك ستعيش إلى الأبد.

تذكرتُ أبي، وهو خلف قضبان الزجاج، ينظر إليّ بعينين غارقتين في الندم. كان يدفع ثمن خياراته، ثمن خمره، ثمن هروبه من الواقع. ربما كان هو أيضاً يبحث عن إجابة، عن خلاص، عن شيء يملأ الفراغ الذي بداخله. لكنه لم يجده. أو ربما وجده متأخراً جداً.

"أنا لا أريد أن أكون مثلك،" همستُ لنفسي. "لا أريد أن أموت نادماً. لا أريد أن أدفع ثمن ما لا أفهمه."

كان هذا هو الدافع الذي يحركني. ليس الخوف من الموت، بل الخوف من الموت دون أن أفهم لماذا.

---

في اليوم الثالث، وصلتُ إلى أول عقبة. كانت المنطقة التي دخلتها مشهورة بوجود المستذئبين. قال فاروس إنهم يتجمعون هناك، بعيداً عن المدن، حيث لا أحد يزعجهم. وكان عليّ أن أعبر من خلالها للوصول إلى الجبال.

كانت الليلة مظلمة، والقمران مخفيان خلف غيوم كثيفة. مشيتُ بحذر، والمنجل في يدي، وعيني الظلامية تنبض تحت البرقع. كانت ترى ما لا تراه العين الأخرى: خيوطاً من الظل تتشابك في الهواء، كأنها خريطة حية للمكان.

ثم سمعت الصوت. كان صوتاً خفيضاً، كأنه زئير بعيد. توقفتُ، واستمعتُ. كان الصوت يتكرر، ويقترب. ثم رأيتهم.

ثلاثة مستذئبين، يخرجون من بين الصخور كظلال حية. كانت عيونهم صفراء حادة، وأنيابهم طويلة لامعة، وأجسادهم منحنية كالوحوش التي تتربص بفريستها.

"زائر،" قال أحدهم، وصوته كان أجشاً كالحجارة. "زائر في منطقتنا."

"أنا فقط أعبر،" قلتُ، وأنا أرفع المنجل. "لا أريد قتالاً."

"القتال ليس اختياراً،" قال المستذئب الثاني، وتقدم خطوة. "القتال هو مصير."

انقضّوا عليّ دفعة واحدة. كنت مستعداً. رفعتُ المنجل، وصدتُ ضربة الأول، ثم التففتُ لأتفادى الثاني. لكن الثالث كان أسرع. مخالبه غرست في كتفي، وألم حاد اخترق جسدي. تراجعتُ، وأنا أشعر بالدماء تتسرب من جرحي.

لكن الألم لم يدم طويلاً. شعرتُ بشيء يتغير في داخلي، كأن جسدي كان يستجيب للجرح، كأنه كان يشفى من تلقاء نفسه. كنت خالداً، وهذا كان معناه أنني لا أموت بسهولة.

نهضتُ، وأنا أشعر بقوة جديدة تتدفق في عروقي. رفعتُ المنجل، وهذه المرة، شعرتُ بشيء مختلف. كان المنجل يتحرك بسلاسة أكبر، وكأن الظل كان يلتف حوله، يزيد من سرعته، يزيد من قوته. كانت عيني الظلامية ترى حركات المستذئبين قبل أن ينفذوها، وكأنها كانت تقرأ نواياهم من ظلالهم.

"أنتم لا تعرفون من تقاتلون،" قلتُ، واندفعتُ نحوهم.

كان القتال سريعاً، وحشياً، لكنني كنت أسرع. كل ضربة مني كانت محسوبة، كل حركة كانت مدروسة. المنجل كان يرقص في يدي كأنه كائن حي، والظل كان يلتف حوله كرداء أسود. سقط المستذئب الأول، ثم الثاني، ثم الثالث. وقفتُ فوق جثثهم، وأنا ألهث، والدماء تتساقط من منجلي.

"هذا جديد،" همستُ لنفسي، وأنا أنظر إلى المنجل. "هذا لم يحدث من قبل."

كان الظل قد بدأ يتدفق من عيني إلى المنجل، وكأنها كانت قناة، وكأن العين لم تكن مجرد ثمن، بل كانت مصدراً لقوة جديدة. شعرتُ بأنني بدأت أفهم شيئاً لم أفهمه من قبل: أن الرنين ليس مجرد اتحاد بين مدركين، بل هو بداية لشيء أكبر، شيء لا يزال يتطور.

"الظل،" همستُ. "الظل ليس مجرد عالم آخر. إنه جزء مني."

---

في الأيام التالية، واصلتُ طريقي، وأنا أتدرب على استخدام الظل مع المنجل. كلما واجهت خطراً، كنت أستخدم العين الظلامية لترى حركات العدو، والمنجل ليضرب بسرعة وقوة. كنت أتحسن ببطء، لكن التحسن كان ملحوظاً.

في إحدى الليالي، جلستُ بجانب نار صغيرة، وأنا أنظر إلى المنجل في يدي. كان الظل يلتف حوله كخيوط سوداء رفيعة، وكأنه كان يحاول التحدث إليّ. شعرتُ بأنني كنت أقترب من شيء مهم، شيء يغير كل شيء.

"المنجل هو امتداد لإرادتي،" قلتُ لنفسي، وأنا أتذكر كلمات كايل. "والظل هو امتداد لعيني. إذا جمعتهما، فماذا سأصبح؟"

لم أجد إجابة، لكنني شعرت بأن الإجابة كانت قريبة. كنت بحاجة فقط إلى المزيد من الوقت، والمزيد من التدريب، والمزيد من الفهم.

في الطريق، كنت أفكر في فلسفة القوة. كانت القوة في هذا العالم تأتي بثمن. كل قدرة لها ثمن، وكل ثمن له قصة. دوريان دفع حياته، وتيد يدفع ذاكرته، وجين دفع ذراعه، وأنا دفعت عيني. لكن السؤال كان: هل القوة تستحق هذا الثمن؟ وهل هناك ثمن أكبر من الثمن الذي ندفعه؟

تذكرتُ كلمات المرنان في المتحف، عندما قال إنه يدفع ذاكرته. كان يعلم أنه يخسر نفسه، لكنه استمر. لماذا؟ لأن القوة كانت كل ما يملكه. لأنها كانت الطريقة الوحيدة للشعور بأنه حي. ربما كان هذا هو السر: أن القوة ليست غاية، بل وسيلة للهروب من الفراغ.

"أنا أيضاً أهرب،" اعترفتُ لنفسي. "أنا أهرب من الفراغ الذي كان يملأ حياتي القديمة. أهرب من الوحدة، من الخوف، من عدم الفهم. القوة هي طريقي للهروب، لكنها أيضاً سجني."

كانت هذه هي المفارقة. القوة التي أبحث عنها هي ما يحررني، لكنها أيضاً ما يقيّدني. كلما أصبحت أقوى، أصبحت أكثر ارتباطاً بهذا العالم، وأكثر بعداً عن نفسي.

---

في اليوم السادس، وصلتُ إلى سفح الجبال. كان الطريق صعباً، مليئاً بالصخور الزلقة والرياح الباردة. لكنني كنت مصمماً على الوصول. كانت عيني الظلامية تنبض بقوة، وكأنها تشعر بقرب الهدف.

توقفتُ عند نهر جليدي، وجلستُ على حجر كبير، وأنظر إلى الماء المتدفق. كان الماء بارداً، شفافاً، كأنه يحمل في طياته كل الأسرار التي أبحث عنها. أخرجتُ البذرة التي أعطتني إياها سيلفا، وتأملتها. كانت خضراء، تنبض بحياة خفية، كأنها تنتظر اللحظة المناسبة لتنبت.

"سأزرعك عندما أجد مكاناً آمناً،" همستُ للبذرة. "عندما أجد إجابة."

وضعتُ البذرة في جيبي، ووقفتُ لأواصل الطريق. لكن قبل أن أتحرك، سمعتُ صوتاً خلفي.

"أنت لست وحدك،" قال الصوت، وكان خفيضاً، غامضاً، كأنه قادم من بعيد.

التفتُ، ورأيت رجلاً واقفاً على بعد خطوات. كان طويلاً، يرتدي عباءة سوداء، ووجهه مخفي تحت غطاء الرأس. في يده، كان يحمل سيفاً طويلاً، مستقيم، يشع بضوء بنفسجي خافت.

"أنت!" قلتُ، وأنا أمسك بالمنجل. "الرجل من المعبد!"

"نعم،" قال الرجل، وتقدم خطوة. "وأنا هنا لأحذرك."

"تحذرني؟" سألتُ، وأنا أشعر بالغضب يتسلل إليّ. "أنت من هاجمنا، أنت من أراد قتلنا!"

"أنا من حاول منعك من أخذ العظمة،" قال الرجل، وصوته كان هادئاً. "لأن العظمة ليست لك. لكن الآن، أنت تسير في طريق خطير."

"العظماء التسعة؟"

"نعم،" قال الرجل. "هم ليسوا كما تظن. هم ليسوا حلفاء، وليسوا أعداء. هم شيء آخر."

"ماذا؟"

"هم الحراس،" قال الرجل، واقترب أكثر. "حراس العظام الحقيقيين. يحمونها من الذين يريدون استخدامها. يحمونها من تير، من القلم الأسود، من الجميع."

"إذاً، لماذا تحذرني؟"

"لأنك خالد،" قال الرجل، وعيناه تتألقان تحت غطاء الرأس. "وهذا يجعلك مختلفاً. العظماء التسعة قد يروا فيك تهديداً، أو قد يروا فيك أمل. لا أعرف ماذا سيفعلون. لكنني أعرف أنك يجب أن تكون حذراً."

"لماذا تخبرني بهذا؟"

"لأنني رأيتُ ما رأيته،" قال الرجل، وتراجع خطوة. "رأيتُ الخلود في عينيك، ورأيتُ الظل في روحك. أنت لست مجرد صائد كلاب. أنت شيء آخر."

ثم اختفى، كأنه لم يكن هناك أبداً.

وقفتُ هناك، أنظر إلى المكان الذي كان فيه، وأنا أشعر بالحيرة والخوف. كان يحذرني، لكنه لم يخبرني بما يجب أن أفعله. كان يعرف شيئاً، لكنه لم يقله.

"سأستمر،" همستُ لنفسي. "سأصل إلى العظماء التسعة، وسأعرف الحقيقة."

---

في اليوم السابع، وصلتُ أخيراً إلى الكهف.

كان الباب ضخماً، منحوتاً في الصخر، مغطى بنقوش غامضة تشبه تلك التي على العظام. وقفتُ أمامه، وأنا أشعر بثقل اللحظة. كنت قد قطعتُ كل هذه المسافة، واجهت كل هذه المخاطر، لأصل إلى هنا.

رفعتُ يدي، ولمستُ الباب. كان بارداً، خشنًا، كأنه كان ينتظرني.

"أنا كينج،" همستُ. "جئتُ لأعرف الحقيقة."

دفعتُ الباب، وفتح ببطء، يكشف عن ظلام عميق، ظلام كان ينتظرني.

دخلتُ.

---

نهاية الفصل الرابع عشر

2026/07/11 · 1 مشاهدة · 1629 كلمة
K1NG
نادي الروايات - 2026