الفصل التاسع عشر: أثر العقد

---

خرجنا من قلعة الجليد الأبدي تحت سماء رمادية ثقيلة، كأن الغيوم نفسها كانت تحزن على ما حدث. الثلج كان يتساقط بهدوء، يغطي آثار المعركة، يخفي دماء التنين التي لطخت الجليد، وكأن العالم كان يحاول أن ينسى. لكن ثور لم ينسَ.

كان يمشي أمامنا، خطواته ثقيلة، أكبر من أن تكون خطوات رجل حزين، لكنها كانت تحمل ثقلاً جديداً. لم يعد يضحك، لم يعد يمزح، لم يعد ينظر إلينا بنفس النظرة الساخرة التي اعتدنا عليها. كان يحمل في يده الطلسم البنفسجي المكسور، ينظر إليه بين الحين والآخر، كأنه كان يقرأ فيه رسالة لم يكتبها أحد.

"كم بقي في الطريق؟" سألتُ، وأنا أحاول كسر الصمت الثقيل.

"لا أعرف،" قال فيدار، وهو يمشي بجانبي. "نحن نتبع أثر العقد. ثور يقول إنه يشعر به."

"كيف يشعر به؟"

"العقد ليس مجرد سحر،" قال فيدار، ونظر إلى ثور. "إنه جزء من روح من زرعه. عندما ينكسر، يترك أثراً. مثل جرح في الهواء."

"جرح في الهواء؟"

"نعم،" قال فيدار. "كل عقد يترك ندبة. من يعرف كيف يقرأها، يستطيع أن يتتبعها إلى مصدرها."

نظرت إلى ثور، الذي كان ما يزال يمشي بصمت. "وهل ثور يستطيع قراءتها؟"

"ثور يعرف أشياء أكثر مما يظهر،" قال فيدار، وابتسم ابتسامة خفيفة. "هو ليس مجرد عضلات. هو قائد العظماء التسعة بعد أودين. لسبب."

صمتُّ، وأنا أفكر في كلماته. كنت قد رأيت ثور كجبل بشري، كقوة غاشمة، كرجل يحب القتال والضحك. لكنني لم أرَه كقائد، ولم أرَه كحزين. وهذا كان جديداً.

بعد ساعات من المشي في العاصفة الثلجية، توقف ثور فجأة. رفع يده، وأشار إلى الأمام.

"هناك،" قال، وصوته كان خفيضاً. "الكهف."

نظرتُ، ورأيت فتحة في جبل جليدي، محاطة بأعمدة من الجليد تشبه الأسنان. كانت الفتحة ضيقة، مظلمة، وكأنها فم وحش نائم. لكن ثور تقدم إليها دون تردد، وكأنه كان يعرف أنها ستكون هناك.

دخلنا الكهف، وكان الجو بداخله مختلفاً. لم يكن مجرد برد، بل كان هناك شعور غريب، شعور بأن المكان كان حياً. الجدران كانت مغطاة بنقوش، بعضها غائر، وبعضها بارز، تصور مشاهد غريبة: كائنات ضخمة مقيدة بسلاسل من الضوء، ورجال يرتدون أردية طويلة يقرؤون من كتب مضيئة، وأقمار تتدلى من السماء كالثمار الناضجة.

"ما هذا؟" همستُ، وأنا ألمس أحد النقوش.

"تاريخ،" قال فيدار، وهو يتفحص الجدران. "تاريخ قديم. قبل العظماء التسعة، قبل تير، قبل كل شيء."

"تاريخ ماذا؟"

"تاريخ العقود،" قال ثور، ولم يلتفت إلينا. كان واقفاً أمام نقش كبير في وسط الكهف، يصور رجلاً يرفع يده، ومن يده تخرج خيوط من الضوء تتشابك مع جسد تنين. "هذا هو سر العقد. كيف يزرع، كيف ينمو، كيف يقتل."

اقتربتُ، ونظرتُ إلى النقش. كان مفصلاً بشكل مذهل، كأن الفنان رأى المشهد بعينيه. الخيوط الضوئية كانت تتشابك مع جسد التنين، وتدخل في صدره، وتختفي تحت جلده. وفي أسفل النقش، كانت هناك كتابة بلغة لم أرها من قبل.

"ماذا يقول؟" سألتُ.

"يقول: 'العقد ليس سلسلة، بل جذر. يزرع في الروح، وينمو معها، ويصبح جزءاً منها. من يحاول قطعه، يقطع جزءاً من الروح أيضاً.'"

صمت طويل. شعرتُ ببرد يسري في عمودي الفقري، لم يكن برد الكهف، بل برد المعرفة.

"إذاً،" قلتُ، وأنا أنظر إلى ثور. "دستروير لم يكن مجرد مسيطر عليه. كان العقد جزءاً منه."

"نعم،" قال ثور، وصوته كان مبحوحاً. "ولهذا لم أستطع إنقاذه. كان العقد جزءاً من روحه. لو قطعته، كنت سأقتله. لو تركته، كان سيبقى مسيطراً عليه."

"لكنك قتلته،" قالت فينرير، وكان صوتها هادئاً، غير متهم.

"أعرف،" قال ثور. "لكنني قتلته كصديق، ليس كعدو. قتلته لأحرره، لا لأهزمه."

وقفتُ هناك، أنظر إليه، وأنا أشعر بشيء لم أشعر به من قبل تجاهه. احترام. كان هذا الرجل، هذا الجبل البشري، يحمل في داخله أكثر مما كنت أظن. كان يحمل حزناً عميقاً، وحباً قديماً، وقدرة على اتخاذ قرارات مستحيلة.

"ماذا نعرف عن من زرع العقد؟" سألتُ، وأنا أحاول أن أغير الموضوع إلى شيء عملي.

"ليس كثيراً،" قال فيدار، وهو يتفحص نقشاً آخر. "لكن النقوش تقول إن العقد يترك أثراً. مثل بصمة إصبع. كل صانع عقود له طريقته الخاصة."

"وهل يمكننا تتبع هذه البصمة؟"

"نعم،" قال ثور، ورفع الطلسم المكسور. "هذا الطلسم يحمل جزءاً من روح صانعه. إذا عرفت كيف تقرأه، يمكنك أن تتبع أثره إلى مصدره."

"وكيف تقرأه؟"

نظر إليّ ثور، وقال: "بالألم."

صمت طويل. شعرتُ بأن الكلمة كانت ثقيلة، أثقل من أي كلمة قالها من قبل.

"بالألم؟" كررتُ.

"العقد يزرع في الألم،" قال ثور. "الألم هو ما يربطه بالروح. لذلك، لا يمكن قراءة العقد إلا بالألم. يجب أن تسمح له بدخولك، أن تشعر به، أن تفهمه. وعندها، سيرشدك."

"وهل ستفعل هذا؟" سألتُ.

"نعم،" قال ثور، وجلس على الأرض، ووضع الطلسم أمامه. "لأنني يجب أن أعرف. يجب أن أعرف من فعل هذا بدستروير. يجب أن أعرف لماذا."

جلسنا جميعاً حوله، ننظر إليه بصمت. كان المشهد غريباً: هذا الرجل الضخم، الذي كان قبل أيام يضحك ويقذف الكتل الحجرية كأنها حصى، كان الآن جالساً كطفل يتأمل لعبة مكسورة.

أغمض ثور عينيه، ووضع يديه على الطلسم. بدأت طاقة خفيفة تتصاعد منه، ليس رعداً، بل شيئاً آخر، شيئاً أعمق، شيئاً كان يشبه الحزن المتجمد. تنفس بعمق، وبدأ الطلسم يتوهج بضوء بنفسجي خافت.

"أشعر به،" همس ثور. "أشعر بألمه. ألم دستروير، وألم صانعه. هما متشابكان، كأنهما شيء واحد."

"ماذا ترى؟" سأل فيدار، وصوته كان خفيضاً.

"أرى جبلاً،" قال ثور، وعيناه ما زالتا مغمضتين. "جبلاً من الجليد، لكن داخله نار. أرى رجلاً واقفاً على القمة، ينظر إلى الأسفل، وهو يضحك. أرى عقوداً تطفو حوله كالنجوم، كل عقد يحمل روحاً."

"من هو؟" سألتُ.

"لا أعرف،" قال ثور، وجبينه يتعرق رغم البرد. "لا أستطيع رؤية وجهه. لكنني أشعر به. أشعر بغضبه، بجنونه، برغبته في السيطرة على كل شيء."

ثم فتح عينيه فجأة، وابتعد عن الطلسم، وهو يلهث. كان وجهه شاحباً، وعيناه محمرتان، كمن عاد من رحلة طويلة.

"رأيتُه،" قال ثور، وصوته كان مرتعشاً. "رأيتُ المكان. جبل في أقصى الشمال، حيث تلتقي النار والجليد. هناك يختبئ."

"هل أنت متأكد؟" سأل فيدار.

"نعم،" قال ثور، ووقف، ورفع الطلسم. "سأعرف الطريق عندما أراه. هذا كافٍ."

نظرتُ إليه، وشعرتُ بشيء غريب. كان قد تغير. لم يعد ذلك الرجل الذي يضحك بسهولة، بل أصبح رجلاً يحمل هدفاً، هدفاً قد يدفع به إلى الجنون.

"ماذا سنفعل عندما نصل؟" سألتُ.

نظر إليّ ثور، وقال: "سنقتله."

كانت الكلمة باردة، جافة، كالجليد الذي يحيط بنا. لم يكن فيها غضب، ولا حقد، ولا حتى رغبة في الانتقام. كانت مجرد حقيقة، حقيقة يعرفها، ويعرف أن لا مفر منها.

"وهل هذا سيعيد دستروير؟" سألتُ، دون أن أفكر.

نظر إليّ ثور، وصمت طويلاً. ثم قال: "لا. لكنه سيمنع الآخرين من المعاناة مثله. هذا يكفي."

وقفتُ، وأنا أشعر بأنني فهمت شيئاً عن ثور لم أفهمه من قبل. لم يكن يبحث عن الانتقام، بل عن العدالة. لم يكن يريد أن يقتل، بل أن يمنع. وهذا كان فرقاً كبيراً.

"إذاً،" قلتُ، ونظرتُ إلى الطلسم في يده. "كيف نبدأ؟"

ابتسم ثور ابتسامة حزينة، وقال: "نتبع الأثر. الجبل الذي رأيته ليس بعيداً. يومين، ثلاثة على الأكثر. ثم سنصل."

خرجنا من الكهف، والعاصفة الثلجية كانت قد هدأت قليلاً. السماء كانت لا تزال رمادية، لكن الثلج كان يتساقط بشكل أخف، كأن العالم كان يتنفس الصعداء. مشينا في صمت، وكل منا كان يفكر في ما رآه وسمعه.

بعد ساعات من المشي، توقف فيدار فجأة. رفع يده، وأشار إلى الأمام.

"انظروا،" قال.

نظرتُ، ورأيت شيئاً في الأفق. كان ضوءاً خافتاً، يتلألأ كنجم بعيد، لكنه كان على الأرض. كان يتحرك ببطء، كأنه كان يطفو فوق الثلج.

"ما هذا؟" سألتُ.

"أثر آخر،" قال فيدار، وعيناه تضيقان. "عقد آخر. لكن هذه المرة، ليس ميتاً. إنه حي."

"حي؟" سألتُ، وأنا أشعر بالقلق.

"نعم،" قال فيدار. "هناك عقد آخر في هذه المنطقة. ربما كان صانع العقد يزرع المزيد."

نظر ثور إلى الضوء، وقال: "سنتتبعه."

"هل أنت متأكد؟" سأل فيدار. "قد يكون فخاً."

"أعرف،" قال ثور. "لكنني لا أهتم. إذا كان هناك عقد آخر، فهناك روح أخرى تعاني. وسأنقذها، مثلما أنقذت دستروير."

نظرت إليه، وشعرتُ بالإعجاب يختلط بالخوف. كان هذا الرجل مستعداً للموت من أجل إنقاذ أرواح لا يعرفها. لم يكن يفعل ذلك من أجل المجد، ولا من أجل المال، ولا حتى من أجل الانتقام. كان يفعل ذلك لأنه يعرف الألم، ولا يريد أن يراه الآخرون.

"سأتبعك،" قلتُ، دون أن أفكر.

نظر إليّ ثور، وابتسم. لم تكن ابتسامته كالسابق، كانت أكثر دفئاً، أكثر إنسانية.

"شكراً، يا حشرة،" قال.

ثم تقدمنا نحو الضوء، والثلج يتساقط حولنا كالذكريات التي لا تموت.

---

بعد ساعات من المطاردة، وصلنا إلى وادٍ ضيق، محاط بجبال جليدية شاهقة. في وسطه، كان هناك مخلوق غريب: كان يشبه الذئب، لكنه كان أكبر بكثير، وجسمه كان مغطى بجليد شفاف، وكأنه كان مصنوعاً من بلورة متجمدة. عيناه كانتا زرقاوين، لكنهما كانتا فارغتين، كأن الروح قد غادرتهما.

"عقد آخر،" همس فيدار. "هذا الذئب كان يوماً كائناً حراً. الآن هو مجرد أداة."

"هل يمكننا إنقاذه؟" سألتُ.

"لا،" قال ثور، وصوته كان حزيناً. "العقد قد نضج. إنه جزء من روحه الآن. لا يمكن فصله دون قتله."

"إذاً، ماذا سنفعل؟"

"سنحرره،" قال ثور، ورفع قبضته. "كما حررت دستروير."

تقدم نحو الذئب، وبدأت طاقة الرعد تتشكل حول قبضته. لكن الذئب كان أسرع. انقضّ عليه بأنياب جليدية حادة، وكادت تخترق صدره لولا أن فيدار تدخل بسرعة، وتحول إلى مستذئب، وصد الهجمة.

"ثور،" صرخ فيدار، وهو يصد أنياب الذئب بمخالبه. "لا تفعلها وحدك. نحن معك."

نظر ثور إلى فيدار، ثم إلى فينرير، ثم إليّ. كان هناك شيء في عينيه، شيء لم أره من قبل. كان امتناناً.

"حسناً،" قال ثور. "معاً."

هاجمنا الذئب كفريق. فينرير كانت أسرع، تتحرك حوله كالظل، تشتت انتباهه. فيدار كان يصد هجماته، ويحمي ثور. وأنا، كنت أبحث عن ثغرة، عن نقطة ضعف. ورأيتها.

"هناك،" صرختُ، وأشرتُ إلى رقبة الذئب، حيث كان العقد يتلألأ تحت الجليد. "اضرب هناك!"

نظر ثور إليّ، ثم إلى المكان الذي أشرت إليه. رفع قبضته، وأطلق موجة من الرعد، أصابت رقبة الذئب بدقة. انكسر العقد، وسقط الذئب على الأرض، وجسده يتبخر كدخان أبيض.

وقفنا هناك، نلهث، ننظر إلى المكان الذي كان فيه الذئب. كان الصمت ثقيلاً، لكنه كان صمتاً مختلفاً. كان صمت النصر، ليس على العدو، بل على الألم.

"أحسنت،" قال ثور، ونظر إليّ. "لولا رؤيتك، لما نجحنا."

"لم أفعل شيئاً،" قلتُ، وأنا أشعر بالحرج. "أنتم من قاتلتم."

"أنت رأيتَ،" قال ثور. "وهذا هو الأهم."

وقفنا هناك، في وسط الوادي الجليدي، والثلج يتساقط حولنا كأنه يبارك ما فعلناه. شعرتُ بشيء غريب، شعور بأنني كنت جزءاً من شيء أكبر مني، شيء يتجاوز الخلود، ويتجاوز القوة، ويتجاوز حتى الموت.

"هيا،" قال ثور، وهو يتجه. "الرحلة لم تنتهِ بعد."

ومشينا، والثلج يتساقط، والبرد يعض، والأمل يبدأ في التكون.

---

نهاية الفصل التاسع عشر

2026/07/11 · 1 مشاهدة · 1631 كلمة
K1NG
نادي الروايات - 2026