الفصل العشرون: صيادو الظلال

---

استمرت رحلتنا عبر الأراضي المتجمدة لساعات أخرى، والثلج كان يتساقط بلا توقف، كأن السماء كانت تبكي على ما فقدناه. كنا نمشي في صمت، كل منا غارق في أفكاره، ونحن نتبع أثر العقد الذي كان ثور يشعر به. كان الطلسم البنفسجي المكسور في يده، ينبض أحياناً بضوء خافت، كأنه كان يرشدنا إلى حيث لا نراه.

بعد مسيرة طويلة، ظهرت في الأفق معالم قرية جليدية مهجورة. كانت منازلها منحوتة في كتل جليدية ضخمة، وأسقفها مغطاة بطبقات سميكة من الثلج، ونوافذها مكسوة بالجليد المتجمد. لم تكن هناك حركة، ولا ضوء، ولا صوت. كانت القرية ميتة، كأن الحياة نفسها قد هجرتها منذ زمن بعيد.

"هنا،" قال ثور، وتوقف عند مدخل القرية. "الأثر قوي. صانع العقد كان هنا."

"هل تتأكد؟" سأل فيدار، وهو يتفحص المنطقة بعينيه البنيتين.

"نعم،" قال ثور، ورفع الطلسم. "ينبض بقوة. كأنه يريد أن يخبرنا بشيء."

دخلنا القرية بحذر، وخطواتنا تئن على الثلج المتجمد. كانت الشوارع ضيقة، والمباني متراصة كأسنان مكسورة. في كل مكان، كانت هناك آثار لمعركة قديمة: جليد مكسور، جدران محطمة، وبقايا أسلحة مبعثرة. لكن لم يكن هناك جثث، ولا دماء، ولا أي أثر للسكان.

"أين هم؟" سألتُ، وأنا أنظر حولي. "السكان... أين ذهبوا؟"

"هذا هو السؤال،" قال فيدار، وهو يركع ليفحص الأرض. "لا آثار للقتال. لا جثث. لا شيء. كأنهم اختفوا فجأة."

"العقد،" قال ثور، وصوته كان حاداً. "صانع العقد لم يكتفِ بالكائنات. لقد استخدم العقود على البشر أيضاً."

شعرتُ بقشعريرة تسري في عمودي الفقري. كنت قد رأيت ما تفعله العقود بالكائنات القوية، لكن فكرة استخدامها على البشر كانت مختلفة. كانت أكثر وحشية، أكثر انتهاكاً.

"هل يمكن أن يكونوا ما زالوا هنا؟" سألتُ.

"ربما،" قال فيدار، ووقف. "لكن ليس كبشر. كأدوات."

صمت طويل. كنا واقفين في وسط القرية المهجورة، والثلج يتساقط حولنا ككفن أبيض. شعرتُ بأنني كنت في مقبرة، ليس للأجساد، بل للأرواح.

"هناك شيء هنا،" قالت فينرير فجأة، وكان صوتها حاداً، منتبهاً. "شخص يراقبنا."

رفعنا رؤوسنا، ونظرنا حولنا. لكن لم يكن هناك أحد. فقط الجليد، والثلج، والصمت.

"أين؟" سأل فيدار.

"في الظل،" قالت فينرير، ويدها كانت على فأسها. "هناك من يتحرك في الظل."

نظرتُ إلى الظلال التي كانت تلقيها المباني على الثلج. كانت طويلة، ممدودة، تتمايل برفق مع الريح. لكنني رأيت شيئاً آخر. رأيت حركة، ليست من الريح. كانت ظلالاً تتحرك بشكل غير طبيعي، كأنها كانت حية.

"أنا أراها،" قلتُ، وعيني الظلامية كانت تنبض تحت البرقع. "الظلال... تتحرك."

"ماذا؟" سأل فيدار، ونظر إليّ.

"الظلال ليست مجرد ظلال،" قلتُ. "إنها كائنات. إنها تراقبنا."

وفجأة، انفجرت الظلال من حولنا. كانت تتصاعد من الأرض، وتتشكل على شكل رجال، مسلحين بأسلحة مصنوعة من الظل الخالص. كانت أعينهم فارغة، سوداء، كأنها كانت مجرد ثقوب في الوجود.

"صيادو الظلال،" همس فيدار، وعيناه تتسعان. "كنت أظنهم مجرد أسطورة."

"ما هم؟" سألتُ، وأنا أمسك بالمنجل.

"محاربون مصنوعون من الظل،" قال فيدار. "يستخدمهم صانعو العقود كحراس. لا يمكن قتلهم بالطرق العادية."

"إذاً، كيف نقتلهم؟"

"بالضوء،" قال ثور، ورفع قبضته، وبدأ الرعد يتشكل حولها. "أو بالقوة الكافية لتحطيمهم."

ثم هجم.

كان ثور كالصاعقة، يضرب الظلال بقبضاته المذهلة. كل ضربة كانت تصدر صوت رعد عالٍ، وتطلق موجات من الضوء الأبيض، تحطم الظلال كالزجاج. لكن الظلال كانت تتجدد بسرعة، كأنها كانت لا نهائية.

"هذا لا ينفع،" صرخ فيدار، وهو يحاول صد هجمة ظل بسيفه. "إنهم يتجددون!"

"إذاً،" قالت فينرير، ورفعت فأسها، "سنجعلهم يتجددون ببطء."

انقضت على الظلال بسرعة لا تصدق، وبدأت تقطعها إلى أجزاء صغيرة. كل قطعة كانت تتبخر ببطء، أبطأ مما كانت تتجدد. كانت تضعفهم تدريجياً، لكنها كانت أيضاً تستهلك طاقتها.

"هذا يعمل،" صرخ ثور، ورأى ما تفعله فينرير. "استمري!"

لكن الظلال كانت أكثر عدداً مما كنا نظن. كانت تخرج من كل زاوية، من كل ظل، من كل مكان. كنا محاصرين، ونحن نقاتل بشراسة، لكن العدد كان ضدنا.

"لا يمكننا الاستمرار هكذا،" صرختُ، وأنا أضرب ظلاً بالمنجل. "هناك الكثير منهم!"

"أعرف،" قال فيدار، وعيناه تضيقان. "لهذا، سأغير قواعد اللعبة."

ثم تحول.

في لحظة، تضخم جسده، وتمزقت ملابسه، ونبت منه شعر كثيف، وتحول وجهه إلى خطم حاد بأنياب طويلة. لكن عينيه ما زالتا بنيتين، وما زالتا تحملان وعياً كاملاً. لم يكن مثل المستذئبين العاديين، كان أكثر تحكماً، أكثر قوة، أكثر وعياً.

"الآن،" قال فيدار، وصوته كان عميقاً كالوحش، لكنه كان واضحاً. "سأريكم معنى القوة الحقيقية."

انقض على الظلال بشراسة لا تصدق. كان أسرع، وأقوى، وأكثر وحشية من أي وقت مضى. مخالبه كانت تمزق الظلال كأنها ورق، وأنيابه كانت تسحقها كأنها طين. كل ضربة منه كانت تحطم ظلاً كاملاً، وكل حركة كانت تخلق فراغاً في صفوفهم.

"هذا مذهل،" همست فينرير، وهي تنظر إليه بدهشة. "لم أرَه بهذه القوة من قبل."

"إنه يتحكم بتحوله بالكامل،" قال ثور، وهو يضرب ظلاً آخر. "هذا هو سر قوته. ليس فقط التحول، بل السيطرة عليه."

وقفتُ أنظر إلى فيدار، وأنا أشعر بالدهشة. كان مختلفاً تماماً عن المستذئب الذي رأيته في أول ليلة لي في هذا العالم. ذلك كان وحشاً يفقد السيطرة، وهذا كان محارباً يستخدم وحشيته كسلاح.

"تعالوا،" صرخ فيدار، وهو يمزق ظلاً آخر. "لننتهِ من هذا!"

اندفعنا جميعاً نحو الظلال المتبقية، وبدأنا نقاتل كفريق واحد. ثور كان يضرب بالرعد، فينرير كانت تقطع بالسرعة، وأنا كنت أستخدم المنجل وعيني الظلامية لرؤية تحركاتهم قبل أن ينفذوها. وفيدار كان في المنتصف، يمحو الظلال كأنها لم تكن موجودة.

بعد معركة طويلة، انهارت آخر الظلال على الأرض، وتلاشت كدخان في مهب الريح. وقفنا هناك، نلهث، ننظر إلى المكان الذي كانوا فيه.

"انتهى،" قال ثور، وهو يمسح العرق عن جبينه. "لحسن الحظ."

"ليس تماماً،" قالت فينرير، وهي تشير إلى شيء على الأرض.

كان هناك ظل واحد، لم يتبخر بالكامل. كان يتلوى على الأرض، يحاول النهوض. تقدمت فينرير نحوه، وفأسها مرفوعة، لكنها توقفت عندما رأت شيئاً في يده.

"انتظر،" قالت، وجثت بجانبه. "لديه شيء."

رفعت يده، ووجدت قطعة من الورق، مكتوب عليها بخط غامق. قرأته بصوت خافت:

"'أنتم تلعبون لعبة أكبر منكم. العقد ليس سوى البداية.'"

صمت طويل. نظرنا إلى بعضنا، ونحن نحاول فهم ما يعنيه هذا.

"ما هذا؟" سألتُ.

"رسالة،" قال فيدار، وهو يعود إلى شكله البشري. "رسالة من صانع العقد."

"لكن لماذا يتركها؟" سألت فينرير.

"لأنه يريدنا أن نعرف،" قال ثور، وعيناه تضيقان. "يريدنا أن نعرف أننا مجرد قطع في لعبة أكبر."

"ولماذا؟"

"لأنه متأكد من أنه سيفوز،" قال ثور، ورفع الرسالة. "يريدنا أن نخاف، أن نتردد، أن نشك في أنفسنا. هذا هو سلاحه الحقيقي."

وقفتُ، وأنا أنظر إلى الرسالة، وأشعر بشيء غريب. لم يكن خوفاً، ولا تردداً. كان فضولاً. فضول لمعرفة من وراء كل هذا، ولماذا.

"إذاً،" قلتُ، ونظرتُ إلى ثور. "ماذا نفعل الآن؟"

نظر إليّ ثور، وابتسم. كانت ابتسامته حازمة، كمن يعرف الطريق.

"نواصل،" قال. "نذهب إلى الجبل، ونجد صانع العقد، وننهي هذه اللعبة."

"وماذا عن الرسالة؟" سألت فينرير.

"نحتفظ بها،" قال ثور، ووضعها في جيبه. "كتذكير بأننا لسنا وحدنا. وأن هناك من يريدنا أن نخاف."

ثم التفت، ومشى نحو الشمال. تبعناه، والثلج يتساقط حولنا كالذكريات التي لا تموت.

---

بعد ساعات من المشي، توقفنا للراحة تحت صخرة جليدية كبيرة. كنا جميعاً مرهقين، لكن فيدار كان يبدو مختلفاً. لم يكن متعباً، بل كان أكثر حيوية من أي وقت مضى. كان تحوله قد أعطاه طاقة جديدة، وكأنه كان يستمد قوته من الوحش داخله.

"كيف تشعر؟" سألته، وأنا أجلس بجانبه.

"بخير،" قال فيدار، وابتسم. "أفضل من أي وقت مضى."

"كنت أظن أن التحول يرهقك."

"كان يرهقني،" قال فيدار، ونظر إلى يديه. "في الماضي. لكنني تعلمت كيف أستخدمه بشكل مختلف. لم أعد أقاوم الوحش، بل أصبحت أتعاون معه."

"التعاون؟"

"نعم،" قال فيدار. "الوحش ليس عدواً، هو جزء مني. كلما قاتلته، أرهقني. لكن عندما قبلته، أصبحت طاقته طاقتي."

نظرت إليه، وأنا أفكر في كلماته. كان هذا مشابهاً لما قاله لي ثور عن التحمل، وما قالته فينرير عن الحركة، وما قاله لوكي عن الأرواح. كل واحد منهم كان يتعامل مع قوته بطريقته الخاصة.

"هل هذا ينطبق على كل شيء؟" سألتُ. "على الخلود، على العين الظلامية، على كل شيء؟"

"ربما،" قال فيدار، ونظر إليّ. "ربما السر ليس في قمع ما نحن عليه، بل في قبوله."

صمت طويل، وأنا أفكر في كلماته. كنت قد قضيتُ حياتي كلها أحاول أن أكون شيئاً آخر، أن أهرب من نفسي، من خلودي، من عيني. لكن ربما كان الحل في الاتجاه المعاكس. ربما كان الحل في القبول.

"شكراً،" قلتُ.

"على ماذا؟" سأل فيدار.

"على هذه الكلمات،" قلتُ. "على جعلني أفكر."

ابتسم فيدار، وقال: "هذا ما يفعله الأصدقاء."

صدمتُ. كلمة "أصدقاء" كانت ثقيلة، لم أتوقع سماعها من فيدار. كنا مجرد فريق مهمة، مجرد مجموعة من الغرباء الذين جمعتهم الظروف. لكن ربما كنا أكثر من ذلك.

"هل تعتبرني صديقاً؟" سألتُ.

"نعم،" قال فيدار، ونظر إليّ. "أنت لست مجرد حشرة، كينج. أنت واحد منا."

وقفتُ، وأنا أشعر بشيء غريب في صدري. لم يكن خوفاً، ولا حزناً، بل شيء آخر. كان دفئاً.

"شكراً،" همستُ.

ثم نظرتُ إلى الأفق، حيث كان الجبل يلوح في البعيد. كان الطريق طويلاً، لكنني كنت أعرف أنني لست وحدي.

"هيا،" قلتُ، ووقفتُ. "لدينا صياد لنلحقه."

ومشينا، والثلج يتساقط، والبرد يعض، والأمل يبدأ في التكون.

---

نهاية الفصل العشرون

2026/07/11 · 0 مشاهدة · 1393 كلمة
K1NG
نادي الروايات - 2026