الفصل الحادي والعشرون: الجليد والظل

---

استمرت رحلتنا عبر الأراضي المتجمدة لثلاثة أيام أخرى، والثلج كان يتساقط بلا توقف، كأن السماء كانت تحاول دفن كل شيء تحت طبقات بيضاء لا نهاية لها. كنا نمشي في صمت، كل منا غارق في أفكاره، ونحن نقترب ببطء من الجبل الذي رآه ثور في رؤيته. الجبل الذي يختبئ فيه صانع العقد.

لكن الطريق لم يكن سهلاً.

في اليوم الرابع، بدأت الأرض تتغير. لم يعد الثلج أبيض ناصعاً، بل أصبح رمادياً، مخلوطاً بالغبار والصخور المتفتتة. الريح كانت أقوى، تحمل معها رائحة غريبة، رائحة حيوان، رائحة وحش.

"هناك شيء هنا،" قال فيدار، وتوقف فجأة، ورفع يده للإشارة بالتوقف. "شيء كبير."

"ماذا؟" سألتُ، وأنا أمسك بالمنجل، وعيني الظلامية تنبض تحت البرقع.

"لا أعرف،" قال فيدار، وعيناه البنيتان تضيقان. "لكنني أشعر به. رائحته قوية، قديمة، وحشية."

قبل أن يرد أحد، سمعنا صوتاً. لم يكن زئيراً، ولا عواءً، بل كان شيئاً آخر. كان صوتاً ثقيلاً، كأن شيئاً ضخماً كان يسحب نفسه على الثلج. ثم رأيناه.

خرج من خلف تل جليدي، كان ضخماً، هائلاً، يغطي جسده بالكامل فرو أبيض كثيف، وعيناه صفراوان حادتان كالجمر، وأنيابه طويلة كالخناجر، تتدلى من فمه المفتوح. كان طوله يتجاوز الثلاثة أمتار، وجسده كان مفتول العضلات، وكأنه جبل من اللحم والفراء.

"ييتي،" همس ثور، وعيناه تتسعان. "ييتي جبلي. نادراً ما يظهرون في هذه المنطقة."

"يبدو غاضباً،" قالت فينرير، ويدها كانت على فأسها.

"إنه ليس غاضباً،" قال فيدار، وعيناه تضيقان. "إنه خائف."

"خائف؟" سألتُ، وأنا أنظر إلى الوحش الضخم الذي كان يقف أمامنا. "من ماذا يخاف؟"

"من شيء أكبر،" قال فيدار. "شيء جعله يهرب من منزله."

قبل أن نتمكن من التفكير أكثر، هجم الييتي علينا. كان سريعاً بشكل مدهش لجسده الضخم، ومخالبه الضخمة كانت تنشر الهواء كأنها سيوف. ثور تفادى الضربة الأولى بقفزة جانبية، لكن الييتي كان أسرع مما توقعنا، وضرب فيدار بظهر يده، فأرسله إلى الخلف.

"فيدار!" صرخ ثور، واندفع نحو الييتي بقبضته المشحونة بالرعد. ضرب صدر الوحش بقوة، فأطلق موجة من الصدمة، لكن الييتي كان صلباً كالجبل، ولم يتراجع سوى خطوات قليلة.

"هذا الوحش قوي،" قال ثور، وعيناه تتألقان بلهفة القتال. "لكنني أقوى."

ثم هجم مجدداً، وهذه المرة، ضرب الييتي في رأسه، فأصدر صوتاً كالرعد، وارتطم الوحش بالأرض، لكنه نهض بسرعة، وهدر بغضب.

"لا تقتلوه،" قال فيدار، وهو ينهض، ويمسح الدم عن شفته. "هو ليس عدواً. إنه ضحية، مثل دستروير."

"ماذا؟" سأل ثور، وتوقف.

"انظروا إلى عينيه،" قال فيدار، وأشار إلى الييتي. "إنها فارغة. هناك عقد فيه."

نظرتُ إلى عيني الييتي، ورأيت ما رآه فيدار. كانت عيناه صفراوان، لكنهما كانتا فارغتين، كأن الروح قد غادرتهما. كان هناك وميض خافت من الضوء البنفسجي في حدقتيه، مثل الذي رأيته في عيني دستروير.

"عقد آخر،" همستُ. "صانع العقد يزرعهم في كل مكان."

"إذاً،" قال ثور، وقبضته ما زالت مشحونة بالرعد. "ماذا نفعل؟"

"نحرره،" قال فيدار، وتقدم خطوة. "لكن هذه المرة، بدون قتله."

"كيف؟" سأل ثور. "العقد جزء من روحه."

"ربما،" قال فيدار، ونظر إليّ. "لكن هناك طريقة أخرى. العين الظلامية لكينج يمكنها رؤية العقد. يمكنها أن ترى أين يلتقي بالروح. إذا استطعنا قطعه في المكان الصحيح، ربما نستطيع تحرير الوحش دون قتله."

نظر الجميع إليّ، وشعرتُ بثقل النظرات. كنت قد استخدمت عيني الظلامية من قبل، لكن ليس بهذه الطريقة. لم أحاول أبداً رؤية شيء بهذا التعقيد.

"سأحاول،" قلتُ، ورفعتُ يدي إلى البرقع الأسود.

خلعتُ البرقع ببطء، وكشفت عن العين الظلامية. كانت تنبض، تتمايل كالنار السوداء، ترى ما لا تراه العين الأخرى. ركزتُ على الييتي، وحاولتُ أن أرى ما وراء الجسد، ما وراء الفراء واللحم.

ورأيته.

كان العقد هناك، في صدر الييتي، خيوط بنفسجية تتشابك مع قلبه، وتدخل في روحه، وتختفي في أعماقه. كان العقد متصلاً بالروح بشكل عميق، لكنني رأيت نقطة ضعف. كانت هناك خيوط أرق، أضعف، عند تقاطع العقد مع الروح.

"أراه،" همستُ. "أرى نقطة الضعف."

"أين؟" سأل ثور.

"في صدره،" قلتُ. "عند تقاطع الخيوط. إذا ضربت هناك بدقة، ربما ينكسر العقد دون أن يقتله."

"هل أنت متأكد؟" سأل فيدار.

"لا،" اعترفتُ. "لكنها الفرصة الوحيدة."

نظر ثور إلى الييتي، ثم إلىّ، ثم قال: "سأثق بك."

ثم اندفع نحو الييتي، وهذه المرة، لم يضرب بقوة، بل بدقة. رفع قبضته، وترك الرعد يتشكل حولها، ثم ضرب صدر الوحش في المكان الذي أشرت إليه.

انفجر الضوء البنفسجي من صدر الييتي، وصرخ الوحش صرخة مدوية، ثم سقط على الأرض، وهو يلهث. لكن العقد كان قد انكسر. رأيت الخيوط البنفسجية تتبخر كدخان، وروح الييتي تعود إلى عينيه.

نهض الوحش ببطء، ونظر إلينا بعينين لم تعدا فارغتين. كانتا خضراوين، حزينتين، ممتنتين. نظر إلى ثور، ثم إلىّ، ثم انحنى برأسه، كأنه يشكرنا.

"لقد نجحنا،" همستُ، وأنا أشعر بالدهشة.

"لقد نجحنا،" قال فيدار، ووضع يده على كتفي. "بفضلك."

نظرتُ إلى الييتي، الذي كان ينهض ببطء، وينظر إلينا بعينين دامعتين. ثم التفت، ومشى بعيداً، واختفى في العاصفة الثلجية.

"أين ذهب؟" سألتُ.

"إلى منزله،" قال ثور، ونظر إلى الأفق. "إلى حيث كان قبل أن يسرقه صانع العقد."

صمت طويل، وأنا أفكر في ما حدث. كنا قد أنقذنا روحاً أخرى، روحاً لم نكن نعرفها، لكنها كانت تستحق الخلاص.

"هيا،" قال ثور، وتوجه شمالاً. "الرحلة لم تنتهِ بعد."

---

بعد ساعات من المشي، توقفنا للراحة تحت صخرة جليدية كبيرة. كنا جميعاً مرهقين، لكنني كنت أشعر بشيء آخر. كنت أشعر بأن عيني الظلامية كانت أكثر وعياً، أكثر استجابة. وكأن استخدامها في إنقاذ الييتي قد أيقظ فيها شيئاً.

جلستُ وحدي، بعيداً عن الآخرين، وأنا أنظر إلى المنجل في يدي. كان النصل يلمع بلمعة فضية باردة، وكأنه كان ينتظر شيئاً. رفعتُ يدي إلى عيني الظلامية، وتركتها ترى المنجل.

ورأيت شيئاً غريباً.

كان الظل يلتف حول المنجل كخيوط رفيعة، كأن العين كانت تمد يديها إلى السلاح. شعرتُ بأنني أستطيع توجيه هذا الظل، أستطيع تشكيله، أستطيع استخدامه.

"ماذا تفعل؟" سأل فينرير، وهي تقف بجانبي، تنظر إليّ بفضول.

"لا أعرف،" اعترفتُ. "لكنني أشعر بشيء. كأن العين تريد أن تخبرني بشيء."

"دعها تخبرك،" قالت فينرير، وجلست بجانبي. "لا تقاومها. فقط استمع."

أغمضتُ عيني اليمنى، وتركت العين الظلامية ترى. ركزتُ على المنجل، وحاولتُ أن أسمع ما كان يقوله الظل. وكان هناك صوت، خافتاً، غامضاً، كأنه قادم من بعيد.

"الظل ليس عدواً،" همس الصوت. "الظل هو جزء منك. استخدمه."

فتحت عيني، ونظرتُ إلى المنجل. كان الظل يلتف حوله كخيوط سوداء رفيعة، تتمايل كالنار. رفعتُ يدي، وحركتُ المنجل ببطء، وشعرتُ بأن الظل يتحرك معي.

"ماذا ترى؟" سأل فيدار، وهو يقترب منا.

"أرى الظل،" قلتُ. "أرى كيف يتحرك، كيف يتشكل، كيف يمكن استخدامه."

"استخدمه،" قال فيدار، وابتسم. "دعنا نرى ما يمكنك فعله."

وقفتُ، ورفعتُ المنجل، وركزتُ على الظل الذي كان يلتف حوله. شعرتُ بأنني أستطيع توجيهه، أستطيع تشكيله، أستطيع استخدامه كسلاح. أطلقتُ موجة من الظل نحو صخرة قريبة، وقطعتها إلى نصفين كأنها ورقة.

"مذهل،" همس ثور، وعيناه تتسعان. "لقد استخدمت الظل كسلاح."

"لم أكن أعرف أنني أستطيع فعل ذلك،" قلتُ، وأنا أنظر إلى المنجل في يدي. "كنت أظن أن العين مجرد رؤية."

"العين ليست مجرد رؤية،" قال فيدار. "العين هي بوابة. بوابة إلى الظل، وإلى قوته. أنت فقط بحاجة إلى تعلم كيف تستخدمها."

وقفتُ هناك، وأنا أشعر بقوة جديدة تتدفق في داخلي. لم أعد مجرد مراقب، لم أعد مجرد خالد يحاول البقاء على قيد الحياة. كنت شيئاً آخر. كنت قوة، قوة يمكن استخدامها، يمكن تشكيلها، يمكن توجيهها.

"هيا،" قال ثور، وتوجه شمالاً. "لدينا صانع عقد لنلحقه."

ومشينا، والثلج يتساقط، والبرد يعض، والأمل يبدأ في التكون.

---

في اليوم التالي، وصلنا إلى سفح الجبل الذي رآه ثور في رؤيته. كان الجبل ضخماً، مهيباً، مغطى بالجليد والثلج، لكن في قمته، كان هناك شيء غريب. كان هناك دخان يتصاعد، دخان أسود كثيف، كأن النار كانت تشتعل في قلب الجبل.

"هنا،" قال ثور، ونظر إلى القمة. "هنا يختبئ."

"كيف نصل إلى القمة؟" سألتُ.

"نصعد،" قال ثور، وتقدم خطوة. "لكن هذه المرة، لن أقفز. سنصعد معاً."

بدأنا الصعود، وكان الطريق صعباً، زلقاً، محفوفاً بالمخاطر. الثلج كان ينهار تحت أقدامنا، والصخور كانت تتفتت، والريح كانت تعوي كالذئاب الجائعة. لكننا واصلنا الصعود، خطوة بخطوة، ونحن نعلم أن الهدف كان قريباً.

في منتصف الطريق، توقف ثور فجأة، ورفع يده.

"انتظروا،" قال، وعيناه تضيقان. "هناك شيء هنا."

"ماذا؟" سأل فيدار.

"عقد،" قال ثور. "عقد آخر. لكن هذه المرة، ليس في كائن. إنه في الجبل نفسه."

"في الجبل؟" سألتُ، وأنا أشعر بالحيرة.

"نعم،" قال ثور. "صانع العقد زرع عقوداً في الجبل نفسه. لجعله حصناً منيعاً."

"كيف نكسرها؟" سألت فينرير.

"بالقوة،" قال ثور، ورفع قبضته. "أو بالظل."

نظر إليّ، وقال: "أنت، يا كينج. عينك الظلامية يمكنها رؤية العقود. هل تستطيع توجيهي إلى مكانها؟"

أغمضتُ عيني اليمنى، وتركت العين الظلامية ترى. رأيت العقود، خيوطاً بنفسجية تتشابك في الجبل، تمسكه معاً كشبكة عنكبوت عملاقة. كانت هناك نقاط ضعف، نقاط حيث كانت الخيوط أرق، أضعف.

"هناك،" قلتُ، وأشرتُ إلى ثلاثة أماكن على الجبل. "هناك العقود. إذا كسرتموها، سينهار الحصن."

"حسناً،" قال ثور، ورفع قبضته. "سأكسرها."

انطلق ثور نحو أول عقد، وضربه بقبضته المشحونة بالرعد. انفجر الضوء البنفسجي، وتصدع الجبل. ثم انطلق نحو الثاني، وضربه مجدداً. ثم نحو الثالث.

وعندما كسر العقد الثالث، اهتز الجبل كله، وتصدع، وبدأ ينهار.

"اهربوا!" صرخ فيدار، واندفعنا جميعاً نحو القمة، والجبل ينهار خلفنا.

وصلنا إلى القمة في اللحظة الأخيرة، ووقفنا نلهث، ننظر إلى الجبل الذي كان ينهار تحته. في وسط القمة، كان هناك باب حجري ضخم، مغطى بنقوش غامضة.

"هنا،" قال ثور، ونظر إلى الباب. "هنا يختبئ."

دفع الباب، وفتح، وكشف عن ممر مظلم، ينزل إلى عمق الجبل.

"هيا،" قال ثور، ودخل أولاً. "لننهِ هذا."

دخلنا خلفه، والظلام يحيط بنا من كل جانب، وعيني الظلامية كانت ترى كل شيء.

كانت الرحلة تقترب من نهايتها.

---

نهاية الفصل الحادي والعشرون

2026/07/11 · 0 مشاهدة · 1480 كلمة
K1NG
نادي الروايات - 2026