الفصل الثالث والعشرون: سقوط الذري
---
كان قلب الجبل يهتز بعنف.
كل خطوة نخطوها داخل الممر الحجري كانت تجعل السقف يرتجف، والجدران تتشقق أكثر فأكثر. الهواء كان ثقيلاً برائحة الدم والسحر، وكأن المكان نفسه كان حيًا، يتنفس، وينتظرنا.
سرنا بصمت حتى وصلنا إلى قاعة هائلة.
في منتصفها وقف رجل طويل القامة، يرتدي عباءة سوداء تتخللها خيوط بنفسجية متوهجة، وشعره الأبيض الطويل ينسدل على كتفيه. كانت عيناه بنفسجيتين بالكامل، بلا بياض، وفي يده عصا سوداء تتدلى منها عشرات العقود المتوهجة.
ابتسم بهدوء.
"أخيرًا... وصلتم."
قبض ثور يده بقوة، واشتعل الرعد حول ذراعه.
"أنت... نارمنيا."
انحنى الرجل بانحناءة ساخرة.
"يشرفني أن اسمي ما زال معروفًا."
تقدمت خطوة، والمنجل في يدي.
"أنت من صنع كل هذه العقود."
ضحك نارمنيا ضحكة قصيرة.
"صنعتها؟"
هز رأسه ببطء.
"لا... أنا فقط منحت الجميع ما كانوا يتمنونه."
رفع أحد العقود المتوهجة أمام وجهه.
"القوة... مقابل الحرية."
ثم نظر إلى ثور.
"وأنت... كم روحًا ضحيت بها لتصبح إله الرعد؟"
اشتعل البرق بعنف حول ثور.
"اصمت."
اختفى نارمنيا في لحظة.
ظهر خلف ثور مباشرة، وضربه بعصاه.
طار ثور عبر الجدار الحجري، وتحطمت الصخور حوله.
"ثور!"
تحول فيدار فورًا إلى هيئته الذئبية العملاقة، وانقض عليه بمخالبه.
لكن نارمنيا رفع إصبعًا واحدًا.
خرجت عشرات السلاسل البنفسجية من الأرض، والتفت حول جسد فيدار، مثبتة إياه في مكانه.
"قوة عظيمة..."
ابتسم نارمنيا.
"...لكنها بلا فائدة."
صرخت فينرير، وانطلقت بسرعة البرق، ورفعت فأسها لتشطر رأسه.
لكن نارمنيا أمسك النصل بين إصبعين فقط.
ثم...
كسره.
اتسعت عيناها.
وفي اللحظة التالية، ركلها بقوة في بطنها.
اندفع جسدها عشرات الأمتار قبل أن يرتطم بالصخور.
وقفت وحدي أمامه.
شعرت لأول مرة بأن الفارق بيننا ليس كبيرًا...
بل مستحيل.
اقترب مني بهدوء.
"أنت..."
قالها وهو يبتسم.
"...تحفة جرين الديس."
تجمدت في مكاني.
"ماذا قلت؟"
"إذن... لا تعرف."
اندفعت نحوه بكل قوتي.
دار المنجل في الهواء، لكن جسده تحول إلى دخان أسود، وظهر خلفي.
ضربني بكفه.
تحطمت عظامي، واندفعت على الأرض حتى ارتطمت بالحائط.
اقترب مني ببطء، ثم جلس أمامي.
ووضع يده على رأسي.
"جرين الديس... هو من خلقك."
اتسعت عيناي.
"مستحيل."
"أنت لست بشريًا."
بدأت أنفاسي تتسارع.
"أنت تجربة."
"أنت خالد لأن موتك لم يكن جزءًا من تصميمك."
ارتجف جسدي.
"ومن... هو جرين الديس؟"
ابتسم نارمنيا.
"حتى أنا... لا أعرف حقيقته."
وفجأة...
دوّى الرعد.
خرج ثور من بين الأنقاض، وجسده كله مغطى بالبرق، وعيناه تحولتا إلى اللون الأبيض الخالص.
"ابتعد..."
قالها بصوت جعل الهواء يهتز.
"...عنه."
اندفع كالصاعقة.
اصطدمت قبضته بوجه نارمنيا، فأرسله نحو الجدار.
ولم يمنحه فرصة لالتقاط أنفاسه.
لكمة.
ثم أخرى.
ثم عشرات الضربات المتتالية، حتى بدأت القاعة كلها تهتز.
في تلك اللحظة، مزق فيدار السلاسل بقوته، وعاد إلى القتال.
أما فينرير، فأخرجت فأسًا احتياطية من ظهرها، وانطلقت مجددًا.
وقفت بصعوبة.
فتحت عيني الظلامية بالكامل.
اختفى العالم.
ورأيت الحقيقة.
كانت آلاف الخيوط البنفسجية تخرج من نارمنيا، وتتصل بجميع العقود التي زرعها في العالم.
لكنها جميعًا...
تجتمع في قلبه.
صرخت بأعلى صوتي:
"ثور!"
التفت نحوي.
"قلبه! العقد الحقيقي في قلبه!"
ابتسم ثور.
قفز عاليًا.
أطلقت ظلي نحو صدر نارمنيا، فكشفت عيني الظلامية نقطة الضعف.
انقض فيدار، وأمسك نارمنيا من الخلف بكل قوته.
وفي اللحظة نفسها قطعت فينرير السلاسل البنفسجية المحيطة بجسده.
صرخ نارمنيا بغضب.
"لااااااا!"
لكن الأوان كان قد فات.
جمع ثور كل البرق في قبضته.
ثم هبط.
وضرب قلب نارمنيا مباشرة.
انفجر ضوء بنفسجي هائل غطى القاعة بأكملها.
بدأت العقود تتحطم واحدًا تلو الآخر.
تعالت صرخات غريبة، وكأن آلاف الأرواح كانت تتحرر في اللحظة نفسها.
بدأ جسد نارمنيا يتفتت ببطء.
نظر إليّ للمرة الأخيرة.
وابتسم.
"جرين الديس..."
سعل دمًا أسود.
"...سيأتي من أجلك."
ثم تحول جسده إلى غبار أسود.
واختفى.
ساد الصمت.
لكن لم يدم طويلًا.
بدأ الجبل كله يهتز بعنف.
تشققت الأرض، وسقطت الصخور من السقف.
صرخ ثور:
"لقد انهار العقد الرئيسي! اخرجوا حالًا!"
ركضنا بكل ما نملك.
كانت الصخور تتساقط حولنا، والغبار يملأ الممرات، والجليد ينهار من السقف.
تقدم فيدار في هيئته الذئبية، محطمًا الصخور التي أغلقت الطريق.
كانت فينرير تشق طريقنا بفأسها، بينما كان ثور يدمر كل عائق يعترضنا بالرعد.
وأخيرًا...
اندفعنا خارج الجبل.
وفي اللحظة التي خرجنا فيها...
انهار الجبل بالكامل.
ارتفع عمود هائل من الغبار والثلج نحو السماء، واختفت القمة تحت الأنقاض.
وقفنا جميعًا نلهث، نراقب النهاية.
تنهد ثور طويلًا.
"انتهى..."
لكن ما حدث بعد ذلك جعلنا نتجمد في أماكننا.
بدأت خيوط ضوء زرقاء ترتفع من بين أنقاض الجبل.
واحدة...
ثم عشرات...
ثم مئات...
ثم آلاف.
كانت أشبه بأرواح صغيرة، ترتفع بهدوء نحو السماء، وتدور فوق الغابة المتجمدة في صمت مهيب.
همست:
"ما هذه؟"
رفع ثور رأسه.
"الأرواح التي كانت العقود تقيدها."
ابتسم فيدار لأول مرة منذ وقت طويل.
"إذن... لم نحرر الوحوش فقط."
أكملت فينرير بصوت خافت:
"بل حررنا هذه الأرض أيضًا."
راقبت الأضواء، وشعرت بعيني الظلامية تنبض بحرارة غريبة لم أشعر بها من قبل.
ثم...
توقفت جميع الأرواح.
وتجمعت في نقطة واحدة فوق الغابة.
كبرت تلك النقطة شيئًا فشيئًا، حتى أصبحت كرة ضخمة من الضوء الأزرق، أضاءت السماء كلها.
ساد الصمت.
ثم انفجرت بهدوء.
تناثرت آلاف الجزيئات الزرقاء فوق الغابة، قبل أن تختفي.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
"هل رأيتم ذلك؟"
أومأ الجميع.
قالت فينرير وهي تحدق في الغابة:
"شعرت... وكأن أحدًا استيقظ."
ظل ثور صامتًا للحظات، ثم استدار.
"لنغادر."
"ألن نتحقق؟"
هز رأسه.
"مهما كان ما استيقظ هناك... سيظهر لنا بنفسه عندما يحين الوقت."
بدأنا نبتعد عن أنقاض الجبل، بينما كانت الثلوج تتساقط بهدوء لأول مرة منذ بداية رحلتنا.
ولم نكن نعلم...
أن الكيان الذي استيقظ للتو، كان يراقبنا بصمت من أعماق الغابة.
الكيان الذي سيقدم نفسه لنا قريبًا باسم...
روح السقيع.
---
نهاية الفصل الثالث والعشرون