الفصل الرابع والعشرون: الغابة

---

خرجنا من أنقاض الجبل المنهار تحت سماء بدأت تكتسي بلون مختلف. لم تكن رمادية كالسابق، بل كانت تميل إلى الزرقة، كأن العالم كان يتنفس الصعداء بعد أن انتهت المعركة. الثلج كان لا يزال يتساقط، لكنه كان أخف، أهدأ، كأنه كان يهمس بدلاً من أن يصرخ.

كنا نسير بصمت، كل منا غارق في أفكاره. ثور كان يتقدمنا، خطواته ثقيلة لكنها لم تعد تحمل نفس الغضب الذي كان يحمله من قبل. كان قد أنجز ما جاء من أجله، لكن الثمن كان باهظاً. فيدار كان بجانبي، وعيناه البنيتان تتألقان بفضول خفي. فينرير كانت خلفنا، فأسها على كتفها، ونظراتها تبحث في الأفق كمن ينتظر شيئاً.

ثم شعرتُ به.

كان برداً مختلفاً، ليس برد الجليد، بل برداً روحياً، كأن شيئاً قديماً كان يقترب منا. توقفتُ، ورفعتُ يدي، وأشرتُ إلى الآخرين بالتوقف.

"هناك شيء،" قلتُ، وعيني الظلامية تنبض تحت البرقع. "شيء يقترب."

"ماذا؟" سأل ثور، ويده كانت على قبضته.

"لا أعرف،" قلتُ. "لكنه ليس عدواً. إنه... مختلف."

وفجأة، ظهرت أمامنا.

كانت كياناً من الضوء الأزرق، يتلألأ كالنجم في ليلة مظلمة. لم يكن لها شكل محدد، بل كانت تتغير باستمرار، كأنها كانت مصنوعة من الثلج المتطاير والضوء المتجمد. لكن عينيها كانتا واضحتين، زرقاوين كبحيرة متجمدة، تحملان في عمقهما حكمة قديمة، أقدم من أي شيء رأيته.

"أنا روح السقيع،" قال الكيان، وصوته كان ناعماً كالثلج المتساقط، لكنه حمل ثقلاً هائلاً. "لقد أنقذتم غابتي، وأنقذتم أرواحاً كثيرة من براثن نارمنيا. أنا ممتنة."

وقفتُ، وأنا أنظر إليها بدهشة. كانت هذه هي المرة الأولى التي أرى فيها كياناً بهذا الشكل، كياناً ليس من لحم ودم، بل من طاقة ووعي.

"لم نفعل شيئاً،" قلتُ، وأنا أحاول أن أبدو متواضعاً. "كنا فقط نتبع أثر العقد."

"أنتم فعلتم الكثير،" قالت روح السقيع، وتقدمت خطوة، فأحسست ببرد يمر من خلالي. "لقد حررتم دستروير، وحررتم الييتي، وحررتم أرواحاً أخرى لا تعد ولا تحصى. أنتم لم تفعلوا ذلك من أجل المجد، بل من أجل العدالة. وهذا نادر."

"نحن فقط... فعلنا ما كان يجب أن نفعله،" قال ثور، وصوته كان خفيضاً.

ابتسمت روح السقيع، ابتسامة خفيفة كالثلج المتطاير. "ولهذا، سأذهب معكم. عربون شكر مني. سأساعدكم في ما تحتاجون إليه، طالما أنتم في هذه الأراضي."

"معنا؟" سأل فيدار، وعيناه تتسعان. "إلى مملكة فارسا؟"

"نعم،" قالت روح السقيع. "لقد حان وقت تغيير. لقد حان وقت أن أرى العالم خارج غابتي."

صمت طويل. نظرنا إلى بعضنا، ونحن نحاول استيعاب ما قالته. كانت روح السقيع، الكيان الأسطوري الذي كنا نبحث عنه، ستأتي معنا طواعية.

"شكراً،" قلتُ، وأنا أنظر إليها. "شكراً لك."

"لا تشكرني،" قالت روح السقيع، ونظرت إليّ بعينيها الزرقاوين. "أنت مختلف، يا كينج. أنت تحمل شيئاً في داخلك، شيئاً قديماً، شيئاً لا تفهمه بعد. لكنك ستكتشفه قريباً."

ثم اختفت، كأنها كانت مجرد وميض من الضوء، لكنني شعرتُ بأنها كانت معنا، تتبعنا كظل خفيف.

---

واصلنا السير، والثلج كان لا يزال يتساقط، لكن الجو كان أكثر هدوءاً. فيدار كان بجانبي، وكلانا صامت، نفكر في ما حدث.

"كينج،" قال فيدار فجأة، وصوته كان خفيضاً. "هل أنت بخير؟"

"نعم،" قلتُ، وأنا أحاول أن أبدو طبيعياً. "لماذا تسأل؟"

"لأنك تبدو مختلفاً،" قال فيدار، ونظر إليّ بعينيه البنيتين. "منذ أن قال نارمنيا عن جرين الديس، وأنت تغيرت. أصبحت أكثر... صمتاً."

وقفتُ، ونظرتُ إليه. كان هناك شيء في عينيه، شيء صادق، شيء جعلني أرغب في التحدث.

"فيدار،" قلتُ، وصوتي كان مبحوحاً. "هل تعتقد أنني إنسان؟"

توقف فيدار، ونظر إليّ بدهشة. "ماذا تقصد؟"

"أقصد،" قلتُ، وأنا أبحث عن الكلمات. "أنا لست من هذا العالم. جئتُ من مكان آخر، بطريقة لا أفهمها. أنا خالد، لكنني لا أعرف لماذا. أنا صنع، لكنني لا أعرف من صنعني. كل شيء عني غامض، كل شيء عني غير مكتمل."

صمت فيدار، ثم جلس على صخرة قريبة، وأشار إليّ بالجلوس بجانبه. جلستُ، وأنا أنظر إلى الثلج يتساقط بين قدميّ.

"اسمع، كينج،" قال فيدار، وصوته كان هادئاً. "أنا لا أعرف من أين جئت، ولا أعرف كيف صُنعت. لكنني أعرف شيئاً واحداً: أنت هنا. أنت تتنفس، وتفكر، وتشعر، وتتألم، وتحب. هذه هي علامات الإنسان، وليست علامات الآلة."

"لكنني لست إنساناً عادياً،" قلتُ. "أنا لا أموت. أنا أتذكر كل شيء. كل موت، كل ألم، كل لحظة. هذا ليس طبيعياً."

"الطبيعي ممل،" قال فيدار، وابتسم. "الطبيعي لا يغير شيئاً. أنت، يا كينج، أنت تغير الأشياء. أنت تغير الناس من حولك. أنت تغير نفسك. هذا هو ما يهم."

"لكنني لا أعرف من أنا،" قلتُ، وأنا أشعر بالدموع تتسرب من عيني اليمنى. "لا أعرف من صنعني، ولا أعرف لماذا، ولا أعرف ما هو هدفي."

"ربما هذا هو هدفك،" قال فيدار، ونظر إليّ بعينين عميقتين. "ربما هدفك هو أن تكتشف ذلك. أنت لست هنا لتعرف كل شيء منذ البداية. أنت هنا لتتعلم، لتسقط، لتقوم، لتتغير. هذا هو معنى الحياة."

"لكنني خالد،" قلتُ. "كيف يمكنني أن أتعلم إذا كنت لا أموت؟"

"الموت ليس المعلم الوحيد،" قال فيدار. "الألم معلم. الحب معلم. الخسارة معلم. وأنت، يا كينج، لديك كل هذه الأشياء. لديك أكثر من معظم الناس. استخدمها."

صمت طويل، وأنا أفكر في كلماته. كان على حق. كنت قد تعلمت الكثير في هذه الرحلة، ليس من الموت، بل من الألم، من الخسارة، من الأمل.

"و جرين الديس؟" سألتُ. "من هو؟ ولماذا صنعني؟"

"لا أعرف،" قال فيدار، وهز رأسه. "لكنني أعرف شيئاً واحداً: من صنعك لا يهم. ما يهم هو من تختار أن تكون. أنت لست مجرد نتاج تجربة، أنت إنسان، بإرادتك، باختياراتك، بأخطائك. هذا هو ما يحدد من أنت."

"ولكن كيف يمكنني أن أكون إنساناً إذا كنت خالداً؟" سألتُ، وأنا أشعر بالحيرة.

"الإنسانية ليست في الفناء،" قال فيدار، ونظر إليّ بعينين ثاقبتين. "الإنسانية في الروح. في القدرة على الحب، على الألم، على التغيير. أنت تملك كل هذه الأشياء، يا كينج. أنت أكثر إنسانية من كثير من البشر الذين يعرفون الموت."

وقفتُ، وأنا أشعر بشيء يتغير في داخلي. لم أعد أشعر بالارتباك، بل شعرت بالوضوح. لم أعد أشعر بالخوف، بل شعرت بالعزيمة.

"شكراً، فيدار،" قلتُ، ونظرتُ إليه. "شكراً على هذه الكلمات."

"لا تشكرني،" قال فيدار، ووقف أيضاً. "فقط تذكر: أنت لست وحيداً. لدينا جميعاً أسئلة بلا إجابات. لكننا نواصل السير. هذا هو كل ما يمكننا فعله."

ومشينا، والثلج يتساقط، والبرد يعض، لكنني شعرتُ بدفء لم أشعر به من قبل. كان دفء الصداقة، دفء الفهم، دفء الأمل.

---

استمررنا في السير لساعات، والمناظر تتغير ببطء. كنا نقترب من حدود الأراضي المتجمدة، حيث يبدأ الثلج بالتلاشي، وتظهر الصخور العارية. كانت الرحلة تقترب من نهايتها، لكنني شعرتُ بأن شيئاً جديداً كان يبدأ.

ثم توقف ثور فجأة.

رفع يده، وأشار إلى الأمام. كان هناك شيء يقف في وسط الطريق، شيء لم أرَه من قبل.

كان ضخماً، هائلاً، أطول من أي شيء رأيته. جسده كان مغطى بشعر أبيض كثيف، وعيناه كانتا حمراوين كالجمر، وأنيابه كانت طويلة كالخناجر، تتدلى من فمه المفتوح. لكن الأغرب كان شكل جسده: كان نحيلاً، طويلاً، وكأنه كان مزيجاً بين الذئب والإنسان، لكنه كان أكبر، وأكثر وحشية.

"ما هذا؟" همستُ، وأنا أمسك بالمنجل.

نظر ثور إلى الكيان، وعيناه تتسعان بصدمة لم أرها من قبل.

"لا يمكن،" قال ثور، وصوته كان مرتعشاً. "هذا مستحيل."

"ماذا؟" سأل فيدار، وعيناه تضيقان.

"هذا هو الوينديغو،" قال ثور، وصوته كان خفيضاً، مرتعشاً. "لم أرَه من قبل. كنت أظن أنه مجرد أسطورة."

"أسطورة؟" سألتُ.

"نعم،" قال ثور. "يقال إنه كيان قديم، أقدم من أي شيء في هذا العالم. قوته لا تُقاس. من يراه، نادراً ما ينجو."

وقف الوينديغو أمامنا، وعيناه الحمراوان تحدقان فينا بفضول بارد. لم يهاجم، لم يتحرك، فقط وقف هناك، كأنه كان ينتظر شيئاً. كان صامتاً، لكن حضوره كان يملأ المكان، يخنق الهواء، يجعل كل شيء حوله يبدو صغيراً، تافهاً، هامشياً.

أحسست ببرد يمر من خلالي، برد مختلف، أعمق، كأنه كان يلمس روحي. لم يتحرك، لم يتكلم، لكن عينيه كانتا تراقباننا، تدرسنا، توزننا.

وقفتُ هناك، أنظر إليه، وأنا أشعر بالحيرة والخوف والفضول. كان الوينديغو يعرف شيئاً، شيئاً عني، عن خلودي، عن جرين الديس. لكنه كان صامتاً، ينتظر.

نظر إليّ ثور، وقال: "لقد رأيتَ الوينديغو، ونجوت. هذا نادر. ربما هذا يعني شيئاً."

"ربما،" قلتُ، وأنا أنظر إلى الوينديغو الذي كان ما يزال واقفاً أمامنا، صامتاً، مرعباً، أبدياً.

وفجأة، دون سابق إنذار، اختفى الوينديغو. لم يتبخر، لم يتحرك، فقط اختفى، كأنه لم يكن هناك أبداً. لكن أثره بقي، برداً في الهواء، وثقلاً في الصدر، وسؤالاً بلا إجابة.

"أين ذهب؟" سألت فينرير، وهي تنظر حولها بذهول.

"لا أعرف،" قال ثور، وصوته كان خفيضاً. "لكنني أعرف أنه سيظهر مرة أخرى. عندما يحين الوقت."

وقفنا هناك، في وسط الثلج المتساقط، ننظر إلى المكان الذي كان فيه الوينديغو. كان الصمت ثقيلاً، مليئاً بالأسئلة التي لا إجابات لها.

"هيا،" قال ثور أخيراً، وتوجه جنوباً. "الرحلة لم تنتهِ بعد."

ومشينا، والثلج يتساقط، والبرد يعض، والأسئلة تتراكم في صدورنا كالثلج على الجبال.

لكنني كنت أعرف أن هذه لم تكن النهاية. كانت مجرد بداية جديدة.

---

نهاية الفصل الرابع والعشرون

2026/07/11 · 1 مشاهدة · 1363 كلمة
K1NG
نادي الروايات - 2026