الفصل الخامس والعشرون: ضحكة في الثلج

---

استمرت رحلتنا عبر الأراضي المتجمدة لأيام، والثلج كان يخف تدريجياً كلما اقتربنا من حدود مملكة فارسا. المناظر كانت تتغير ببطء: الجليد الأبيض الناصع تحول إلى ثلج رمادي، ثم إلى أرض جرداء تغطيها صخور سوداء، ثم إلى تلال خضراء باهتة كأن الربيع كان يحاول أن يولد من رحم الشتاء. كنا نسير في صمت، كل منا يحمل أفكاره، والروح التي كانت تتبعنا كانت كظل خفيف، تكاد تكون غير مرئية لكن حضورها كان ثقيلاً.

ثور كان يتقدمنا، خطواته الكبيرة كانت تترك أثراً عميقاً في التراب الرطب. فينرير كانت بجانبي، فأسها على كتفها، وعيناها تبحثان في الأفق كمن ينتظر شيئاً. فيدار كان خلفنا، وعيناه البنيتان تحملان فضولاً خفياً، كأنه كان يقرأ ما في نفسي دون أن يتكلم. وأنا، كنت أسير في المنتصف، وعيني الظلامية تنبض تحت البرقع، ترى الظلال التي لا يراها الآخرون، ترى الخيوط الخفية التي تتشابك في الهواء.

"نحن نقترب،" قال ثور، وصوته كان عميقاً كالرعد. "بعد هذا التل، سترون حدود مملكة فارسا."

"أخيراً،" قالت فينرير، وهي تتنفس الصعداء. "لقد طالت الرحلة."

"لم تطل،" قال فيدار، وابتسم. "لقد كانت رحلة تستحق العناء."

"تستحق العناء؟" سألتُ، وأنا أنظر إليه. "لقد فقدنا أصدقاء، وواجهنا وحوشاً، وكدنا نموت. أتعتقد أن هذا يستحق العناء؟"

"نعم،" قال فيدار، ونظر إليّ بعينين عميقتين. "لأننا تعلمنا شيئاً عن أنفسنا. وعن بعضنا. هذا هو ما يجعل الرحلة تستحق العناء."

صمتُّ، وأنا أفكر في كلماته. كان على حق. لقد تعلمت الكثير في هذه الرحلة، عن القوة، عن التحمل، عن الصداقة، عن الخيانة. لكن الأهم، تعلمت شيئاً عن نفسي. عن خلودي، عن عيني، عن من أنا حقاً.

صعدنا التل، وتوقفنا عند القمة. أمامنا، كانت تمتد مملكة فارسا، مدنها وأبراجها وطرقاتها، تحت سماء رمادية بدأت تظهر فيها خيوط من الضوء الذهبي. كانت جميلة، لكنها كانت غريبة، كأنها تنتمي إلى عالم آخر.

"هنا،" قال ثور، وأشار إلى الأسفل. "هنا نهاية رحلتنا، وبداية جديدة."

نظرت إلى الأسفل، وشعرتُ بشيء غريب. كانت مملكة فارسا تنتظرني، بأسرارها، بخطرها، بمستقبلها. لكن قبل أن أتمكن من التفكير أكثر، رأيت شيئاً.

كان هناك شخص يمشي على الطريق المؤدي إلى المدينة. كان وحيداً، يرتدي معطفاً أسود طويلاً، وسيفاً طويلاً على ظهره. كان يمشي ببطء، كأنه كان يتمشى في نزهة عادية.

ثم رأيت وجهه.

"كايل،" همستُ، وعيناي تتسعان. "هذا كايل."

نظر ثور إلى الأسفل، وعيناه تضيقان. "من هو؟"

"أحد أعضاء تير،" قلتُ، وصوتي كان خفيضاً. "كان مدربي في النصل."

"تير؟" قال ثور، وعيناه تضيقان أكثر. "منظمة تير؟"

"نعم،" قلتُ. "كانوا زملائي. كانوا عائلتي."

"كانوا،" كرر ثور، ونظر إليّ بعينين حادتين. "لكنهم ليسوا عائلتك الآن. أنت معنا الآن. أنت واحد من العظماء التسعة."

وقفتُ، وأنا أنظر إلى كايل الذي كان يمشي في الأسفل. كان يبدو هادئاً، غافلاً عن وجودنا. كان يبدو وكأنه كان يبحث عن شيء، أو ربما كان ينتظر شيئاً.

ثم رفع رأسه، ونظر إلينا.

توقف فجأة، وعيناه اتسعتا. نظر إليّ، ثم إلى ثور، ثم إلى فينرير، ثم إلى فيدار. كان وجهه شاحباً، وكأنه رأى شيئاً لم يتوقعه.

"كينج،" قال كايل، وصوته كان مبحوحاً من البعد. "أنت... أنت حي."

لم أجب. فقط وقفتُ، أنظر إليه، وأشعر بشيء غريب في داخلي. شيء لم أشعر به من قبل. شيء كان يشبه الفراغ، لكنه كان أكثر برودة.

"كينج،" قال كايل، وتقدم خطوة. "لقد بحثنا عنك. ليرا كانت قلقة. كنا نظن أنك مت."

"لست ميتاً،" قلتُ، وصوتي كان بارداً. "كما ترى."

"من هم معك؟" سأل كايل، ونظر إلى ثور وفينرير وفيدار. "لم أرَ هؤلاء من قبل."

"هذا ليس وقت الأسئلة،" قال ثور، وتقدم خطوة. "هذا وقت القرارات."

نظر إليّ ثور، وقال: "كينج، اقتله."

توقفتُ، وأنا أنظر إليه بصدمة. "ماذا؟"

"اقتله،" قال ثور، وعيناه كانتا ثابتتين، حادتين. "إذا كنت تريد أن تثبت ولائك، اقتله."

"لكنه... كان صديقي،" قلتُ، وأنا أشعر بالارتباك. "كان مدربي، وكان يعلمني."

"كان،" قال ثور، ونبرته كانت قاسية. "لكنه ليس صديقك الآن. أنت معنا الآن. أنت واحد منا. وإذا كنت تريد البقاء معنا، يجب أن تثبت ذلك."

نظرتُ إلى كايل، الذي كان واقفاً في الأسفل، ينظر إلينا بقلق. كان يبدو ضعيفاً، أعزل، وحيداً. كان يبدو وكأنه كان ينتظر مني شيئاً.

"كينج،" قال كايل، وصوته كان خائفاً. "ماذا يحدث؟ من هم هؤلاء؟"

لم أجب. فقط وقفتُ، وأنا أفكر. كنت أمام خيار صعب: أن أقتل صديقي القديم، أو أن أخون العظماء التسعة. لم يكن هناك خيار ثالث.

ثم تذكرت كل شيء. تذكرت كيف عاملوني في تير، كيف كانوا طيبين معي، كيف كانوا يعتبرونني واحداً منهم. وتذكرت أيضاً كيف كانوا ضعفاء، كيف كانوا يتبعون القواعد، كيف كانوا يعيشون في عالم من الأوهام.

وتذكرت العظماء التسعة. كيف كانوا أقوياء، كيف كانوا يتحكمون بمصائرهم، كيف كانوا لا يخافون من شيء.

"سأفعلها،" قلتُ، وصوتي كان هادئاً.

نظر إليّ ثور، وابتسم ابتسامة باردة. "جيد."

"فيدار،" قلتُ، ونظرتُ إليه. "تعال معي. لتتأكد من أنني سأفعلها."

نظر فيدار إليّ، ثم إلى ثور، الذي أومأ برأسه. ثم قال: "حسناً."

نزلنا من التل، أنا وفيدار، نتجه نحو كايل. كان الثلج يتساقط خفيفاً، والريح كانت باردة، والجو كان مشحوناً بالتوتر.

"كينج،" قال كايل، وهو يرانا نقترب. "ما هذا؟ ماذا تفعل؟"

"آسف، كايل،" قلتُ، وصوتي كان خفيضاً. "لكن هذا هو الطريق الوحيد."

"لا تفعلها،" قال كايل، وعيناه تتسعان. "لست أنت. هذا ليس أنت."

"أنا من يقرر من أنا،" قلتُ، ورفعتُ المنجل.

ثم هجمت على كايل.

كان أسرع منه، أقوى منه، أكثر وحشية. المنجل اخترق صدره قبل أن يرفع يده للدفاع. نظر إليّ بعينين مليئتين بالصدمة والألم والخيانة.

"لماذا؟" همس كايل، وسقط على الأرض.

وقفتُ فوقه، وأنظر إليه، وأنا أشعر بالفراغ يتسع في داخلي. ثم بدأت أضحك.

كانت ضحكة هستيرية، جنونية، كأنها كانت تخرج من أعماق روحي. كنت أضحك، وأنا أنظر إلى جثة كايل، وأنا أشعر بأنني قد تجاوزت شيئاً، بأنني أصبحت شيئاً آخر.

نظر إليّ ثور من أعلى التل، وابتسم ابتسامة باردة. ثم قال: "أهلاً بك في العظماء التسعة، يا كينج."

وقفتُ هناك، في وسط الثلج المتساقط، أضحك، والدماء تتساقط من منجلي كالمطر.

كانت النهاية. أو ربما كانت البداية.

---

نهاية الفصل الخامس والعشرون

2026/07/11 · 0 مشاهدة · 924 كلمة
K1NG
نادي الروايات - 2026