الفصل الثامن: خيوط تحت الأقمار
---
استيقظتُ قبل أن يخفت القمر الأخضر تماماً. كان ضوءه البارد يتسلل من نافذتي الصغيرة، يرسم خطوطاً فضية على جدران غرفتي الحجرية. جلستُ على حافة السرير، وأنا أشعر بثقل شيء ما في جيبي. أخرجتُ ورقة صغيرة مطوية، من ورق أصفر عتيق، مكتوب عليها بخط دقيق وجميل. لم أقرأها حين وجدتها في جيبي البارحة، وربما كان ذلك خطأً. فتحتها، وقرأت:
"إلى صائد الكلاب الجديد.
لديك شيء أريد رؤيته. شيء تحمله دون أن تعرف. تعال إلى متجر 'أطلال الماضي' في زيكسل، عند غروب القمر الأخضر. سأخبرك بما لديك، وما يمكن أن تفعله به.
تاجر الآثار القديمة."
وقفتُ، وأنا أشعر بالفضول يختلط بالحذر. كان هذا غريباً. كيف عرف هذا التاجر اسمي؟ وكيف عرف أنني صائد كلاب؟ والأهم: ماذا "لدي" دون أن أعرف؟
وقفتُ أمام المرآة الصغيرة، ونظرتُ إلى انعكاسي. منذ أسبوع فقط، كنت شاباً مراهقاً يعيش في عالم آخر، وحيداً، بلا هدف. والآن، أصبحت أطول بعشرة سنتيمترات، وأقوى، وأمثل منظمة سرية، وأقاتل قتلة، وأخطط لصفقات مع غرباء غامضين. ولكن العظمة التي وجدتها على نافذتي، تلك التي حملت نقش الهلالين، أخذتها إيريس في نهاية تدريبي الأول. لم يعد لدي شيء غامض في جيبي سوى تلك الورقة.
"كيف وصلت إلى هنا؟" همستُ لنفسي.
لم يجب انعكاسي، لكن عيناي الحمراوان كانتا تتألقان بفضول لم أعهده في نفسي من قبل.
---
غادرتُ مقر تير عند الظهيرة، وأنا أرتدي معطفي الأزرق، والمنجل خلف ظهري. لم أخبر أحداً أين سأذهب. لا ليرا، ولا كايل، ولا فاروس. شعرتُ بأن هذا الأمر لي وحدي، على الأقل في البداية.
كانت شوارع زيكسل مزدحمة كعادتها، لكن حين خرجت من المنطقة التي تسيطر عليها تير، بدأت المدينة تتغير. أصبحت المباني أقدم، والناس أقل، والأضواء أكثر خفوتاً. في نهاية شارع ضيق، وجدتُ المتجر.
كان واجهة خشبية قديمة، مكتوباً عليها بخط ذهبي باهت: "أطلال الماضي". النافذة كانت مغبرة، لكن من خلالها، رأيت أشياء غريبة: تماثيل صغيرة، أوانٍ معدنية، كتب جلدية، وعظاماً بيضاء متناثرة على الرفوف. بعضها كان يحمل نقوشاً غامضة تشبه تلك التي رأيتها على العظمة التي كانت معي، لكنها كانت مختلفة في التفاصيل.
فتحتُ الباب، ودخلت.
كان الهواء داخله ثقيلاً برائحة الغبار والورق القديم والعطور الغريبة. أرفف خشبية تمتد من الأرض إلى السقف، محملة بأشياء لا حصر لها. وفي الخلف، خلف طاولة صغيرة، جلس رجل عجوز.
كان نحيفاً، بشعر أبيض كثيف ينسدل على كتفيه، وعينين رماديتين نافذتين كأنهما رأتا كل شيء. كانت عيناه تنظران إلى داخلي، وليس إلى مظهري، كأنه يقرأ شيئاً لا أستطيع رؤيته. كان يرتدي ثوباً أسود طويلاً، ويداه العظميتان تلمسان كأساً صغيراً من الشاي، يخرج منه بخار كثيف برائحة أعشاب غريبة. خلفه، على الحائط، كانت هناك خريطة قديمة لزيكسل، مرسومة بتفاصيل لا توجد في خرائط المدينة الحالية.
"أهلاً بك يا كينج،" قال، وصوته كان هادئاً كالماء الراكد، لكنه حمل ثقلاً غريباً. "كنت أنتظرك."
"كيف عرفت اسمي؟" سألتُ، وأنا أقف على بعد خطوات منه، يدي على المنجل خلف ظهري. كان المنجل بارداً تحت أناملي، يذكرني بأنني لست مجرد زائر عادي.
"عرفت الكثير عنك،" قال، وابتسم ابتسامة غامضة. "لكنني لا أعرف كل شيء. وهذا هو السبب الذي جعلني أدعوك."
"ماذا تريد مني؟"
نظر إليّ الرجل العجوز، وفتح يده. في كفه، كانت هناك عظمة صغيرة، تشبه العظمة التي كانت معي، لكن نقشها كان مختلفاً. بدلاً من هلالين، كانت تحمل نقش نجمة خماسية صغيرة، محفورة بدقة متناهية، وكأنها رسمت بقلم لا يخطئ. كانت العظمة تلمع بضوء خافت، كأنها كانت تنبض بحياة خفية.
"هذه عظمة أخرى،" قال. "مثل التي وجدتها على نافذتك في أول ليلة لك في هذا العالم."
تجمّدتُ. كيف عرف عن العظمة التي وجدتها على نافذتي؟ لم أخبر أحداً بذلك سوى فاروس وليرا. كانت الغرفة تبدو فجأة أضيق، والهواء أثقل. وقفتُ أبحث عن أي حركة مفاجئة منه.
"لا تخف،" قال الرجل العجوز، وكأنه قرأ أفكاري. "لا أعرف من تركها لك، ولا أعرف كيف وصلت إليك. لكنني أعرف أنها كانت معك، والآن ليست معك. وهذا يعني أنك قابلت شخصاً يعرف أكثر مما يجب."
"ماذا تقصد؟"
"أعني أنك قابلت أحد حراس العظام،" قال، وعيناه الرماديتان احتوتا على ضوء خفي. "من أخذها منك يتبع نظاماً قديماً، أقدم من تير، أقدم من أي مملكة تعرفها. لا تسألني عنه، لأنني لا أعرف أكثر من هذا."
تراجعتُ خطوة، وأنا أحاول استيعاب كلامه. كان يعرف عن العظمة التي كانت معي، لكنه لا يعرف من أخذها. كان يعرف أنها ذهبت، وهذا كان كافياً ليحكم بأنني قابلت "حارساً". كانت هذه معلومات ثمينة.
"إذاً،" قلتُ، وأنا أحاول استعادة توازني. "ماذا تريد مني الآن؟"
نظر إليّ الرجل العجوز، وفتح كفه الأخرى. كانت هناك عظمة ثانية، مطابقة للأولى، تحمل نفس نقش النجمة الخماسية. "هذه العظمة تخص ابني،" قال، وعيناه احتوتا على ألم قديم. "اختفى قبل ثلاثة أشهر. خرج من هذا المتجر في ليلة قمرية، ولم يعد. ترك هذه العظمة على طاولته، وكأنه أراد أن أجدها. وكأنه كان يعرف أنه لن يعود."
لم أجب. كنت أنتظر أن يكمل.
"عرفت أنه ليس ميتاً،" قال، "لأن العظمة لم تنطفئ. العظمة تحمل جزءاً من روح صاحبها. لو مات، كانت ستتحول إلى رماد. لكنها ما زالت تلمع، وهذا يعني أنه حي. في مكان ما."
"ولماذا أنا؟ لماذا تطلب مني أنا تحديداً؟"
"لأنك جديد،" قال، وعيناه تتألقان بذكاء خفي. "لأنك لست ملوثاً بعد بعلاقات تير القديمة، ولا بأحلافها السرية. لأنك تحمل شيئاً لا تعرفه، شيء يرتبط بابني وبالعظام وباللغز الأكبر. شيء لا يملكه أي عضو آخر في تير، ولا حتى فاروس نفسه."
"ما هو الشيء الذي أحمله؟"
وقف الرجل العجوز، ومشى إلى أحد الأرفف. أخرج صندوقاً خشبياً صغيراً، منقوشاً برسوم غامضة تشبه تلك التي على العظام. فتحه، وأخرج منه خريطة قديمة. نشرها على الطاولة، وكانت مرسوماً عليها مدينة زيكسل، لكنها لم تكن كما أعرفها. كانت تحوي مناطق لا أعرفها، وممرات تحت الأرض، وعلامات غامضة، ونقوشاً صغيرة تشبه لغة لم أرَها من قبل.
"لديك جزء من هذه الخريطة،" قال، وأشار إلى بقعة فارغة في وسط الخريطة. "ليس جزءاً مادياً، بل جزءاً في ذاكرتك. عندما أتيت إلى هذا العالم، حملت معك شيئاً من عالمك القديم. شيئاً يرتبط بالعظام، وبالتوازن، وباللغز الذي يحاول الجميع فهمه. لا أعرف ما هو، لكنني أعرف أنك تستطيع رؤية ما لا يراه الآخرون. أنت ترى بين الخيوط، وتسمع بين الكلمات."
"ماذا تقصد؟"
"في ليلة وصولك، رأيتَ مستذئباً يأكل جثة. ثم وجدت عظمة على نافذتك. ثم شفيت جرحاً مميتاً في دقائق. كل هذه الأشياء ليست صدفاً. أنت لست مجرد صائد كلاب عادي. أنت مفتاح. ومفتاحي لا ينبغي أن يبقى في جيب شخص لا يعرف كيف يستخدمه."
وقفتُ، وأنا أشعر بثقل كلماته. "مفتاح لماذا؟"
"مفتاح لشيء نسيه الجميع،" قال، وأغلق الخريطة. "مفتاح لتوازن القمرين. لكن هذا ليس وقت الحديث عن هذا. الآن، لدي عرض لك."
"أي عرض؟"
"ابني. عثرتُ على أثره في قصر عائلة فالكون، العائلة النبيلة التي تسيطر على شمال زيكسل. هناك شيء يحدث هناك، شيء يتعلق بعظام أخرى. ادخل إلى القصر، وابحث عن ابني. إذا وجدته، أخبرني. وإذا وجدت أي عظمة أخرى، خذها. سأدفع لك ثمناً جيداً."
"وماذا عن تير؟"
ابتسم الرجل العجوز ابتسامة خبيرة. "تير لا تحتاج إلى معرفة كل شيء. أنت صائد كلاب، ولديك حرية التنقل. فقط كن حذراً. عائلة فالكون ليست كما تبدو، وأبناؤها يلعبون ألعاباً لا يفهمها حتى آباؤهم."
---
عدت إلى مقر تير في المساء، وأنا أفكر في كلمات الرجل العجوز. كان عرضه مثيراً للاهتمام، لكنني شعرتُ بأنه كان يخفي الكثير. لماذا يريد عظاماً أخرى؟ ولماذا يريد دخول قصر عائلة فالكون تحديداً؟ وكيف يعرف عن العظمة التي كانت معي دون أن يعرف من أخذها؟ كان يعرف أشياء كثيرة، لكنه كان يختار كلماته بعناية، كمن يلعب لعبة لا يفهم خيوطها إلا هو.
لكن قبل أن أتمكن من التفكير أكثر، وجدت رسالة على باب غرفتي. كانت من ليرا.
"كينج،
لدينا مهمة غداً. عائلة فالكون تطلب مساعدة تير في العثور على وريثهم المفقود. سترافقني أنت وكاين. سنلتقي عند الفجر.
ليرا."
وقفتُ، والرسالة في يدي، وأنا أشعر بأن الخيوط تتشابك. عائلة فالكون. الوريث المفقود. تماماً ما قاله الرجل العجوز عن ابنه. هل كان ابن التاجر هو نفسه وريث عائلة فالكون؟ أم أن هناك شيئاً آخر يربط بين اختفائهما؟
نظرتُ من نافذتي إلى القمرين. الأخضر كان يخفت، والأحمر يشتد. شعرتُ بأنني واقف على حافة شيء أكبر، شيء لا أفهمه بعد. في جيبي، كانت الخريطة القديمة التي أعطاني إياها الرجل العجوز، محكمة الطي، كأنها تحمل أسراراً لا تريد أن تُكشف دفعة واحدة.
"غداً،" همستُ لنفسي. "غداً سأعرف."
---
استيقظتُ عند الفجر، وارتديتُ معطفي، ووضعت المنجل في حزامي. في جيبي الداخلي، وضعت رسالة الرجل العجوز والخريطة. شعرتُ بأنني أحمل معي أكثر مما ينبغي، لكنني كنت أعرف أنني بحاجة إلى كل شيء. كانت الخريطة دافئة تحت أناملي، وكأنها تستجيب لوجودي.
التقيتُ ليرا وكاين عند بوابة المقر. ليرا كانت ترتدي معطفها البني، وشعرها الأحمر يتطاير في الريح، وعيناها الخضراوان تتألقان بحماس. كاين كان بجانبها، والرمال تدور حول كتفه ككوكب صامت، ترقص على إيقاع تنفسه.
"مستعد؟" سألت ليرا، وابتسمت. كانت ابتسامتها دافئة، لكن عينيها كانتا تحملان فضولاً لم تخفه.
"مستعد،" قلتُ، وابتسمتُ رغم توترّي. كنت أفكر في الرجل العجوز، وفي الخريطة، وفي العظمة التي أخذتها إيريس. كانت الأفكار تتزاحم في رأسي، لكنني أبقيت وجهي هادئاً.
"حسناً،" قالت، ومشت أمامنا. "عائلة فالكون تنتظرنا."
---
كان قصر عائلة فالكون ضخماً، يقع على تلة تطل على شمال زيكسل. جدرانه من الحجر الأبيض، ونوافذه مزينة بزجاج ملون، وحديقته واسعة، مليئة بالأشجار والورود الغريبة التي كانت تتفتح تحت ضوء القمرين الخافت. وقفنا أمام البوابة الحديدية المزخرفة بنقوش تشبه تلك التي على العظام، وفتحها لنا خادم يرتدي زياً أبيض، وجهه خالٍ من التعبير كقناع.
"أهلاً بكم،" قال، وانحنى برفق. "السيد فالكون ينتظركم في الصالة الكبرى."
دخلنا، وسرنا عبر ممرات واسعة، جدرانها مزينة بلوحات زيتية قديمة تصور أسلاف العائلة، وأرضيتها من الرخام الأبيض اللامع الذي يعكس أقدامنا كمرايا. وصلنا إلى صالة كبيرة، ذات سقف مقبب مرسوم عليه مشاهد سماوية، وفي وسطها رجل طويل، شيب الشعر، يرتدي بدلة سوداء أنيقة. كان وجهه محفوراً بخطوط الزمن، وعيناه زرقاوان حادتان كسيفين، تفحصاننا بذكاء لا يخفى.
"سيد فالكون،" قال كاين، وانحنى برفق. "نحن من تير. جئنا لمساعدتك."
"أهلاً بكم،" قال الرجل، وصوته كان عميقاً ومهيباً، كأنه معتاد على إصدار الأوامر. "شكراً لكم على القدوم. ابني، آريوس، اختفى منذ ثلاثة أسابيع. لم نسمع منه شيئاً منذ ذلك الحين."
"هل لديك أي فكرة عما حدث؟" سألت ليرا، وكانت تنظر حولها كمن يبحث عن شيء لا تراه.
"لا،" قال، وعيناه احتوتا على قلق حقيقي، لكنه كان قلقاً محكوماً، كرجل اعتاد على إخفاء مشاعره. "ترك رسالة قصيرة قال فيها إنه سيذهب في رحلة، لكنه لم يحدد أين. منذ ذلك الحين، لا أثر له."
"هل كان لديه أي أعداء؟" سألتُ، وأنا أشعر بأن الخيوط بدأت تتشابك. نظرتُ حولي، وأنا أحاول أن أقرأ الغرفة، أن أرى ما لا يراه الآخرون.
نظر إليّ فالكون، وعيناه تضيقان قليلاً. "أنت الجديد في تير، أليس كذلك؟"
"نعم،" قلتُ، ورفعت ذقني. "أنا كينج."
"سمعتُ عنك،" قال، وابتسم ابتسامة خفيفة. "يقولون إنك مختلف. يقولون إنك أتيت من مكان آخر، وإن عينيك تحملان شيئاً لا يفهمه الآخرون."
"ربما،" قلتُ، ولم أضف شيئاً. شعرتُ بأنه يحاول اختباري، فأبقيتُ تعبيري محايداً.
وقف فالكون، ومشى إلى نافذة كبيرة تطل على الحديقة. "ابني كان مهتماً بالتاريخ، وبالأشياء القديمة. كان يقرأ كثيراً عن العظام، وعن المؤسسين، وعن القمرين. ربما وجد شيئاً جعله يختفي."
"العظام؟" سألتُ، وأنا أشعر بأن قلبي يخفق أسرع. "أي عظام؟"
"العظام القديمة،" قال، والتفت إليّ. "التي تحمل نقوشاً. يقولون إنها تحمل قوة، لكنني لا أفهمها. ابني كان مهتماً بها كثيراً. حتى أنه كان يتواصل مع تاجر آثار قديم في زيكسل."
تاجر الآثار القديمة. كان هذا هو الرابط. ابن التاجر، وريث فالكون، والعظام، كلها كانت متصلة. لكن التاجر لم يذكر أنه يعرف عائلة فالكون، أو أن ابنه هو وريثها. كان يخفي شيئاً، مثلما كان يخفي الكثير.
"هل تعرف اسم هذا التاجر؟" سألتُ، وأنا أحاول أن أبدو غير مبالٍ.
"لا،" قال فالكون. "لكن ابني ترك شيئاً في غرفته. ربما يساعدكم."
---
صعدنا إلى غرفة آريوس. كانت غرفة واسعة، مليئة بالكتب والخرائط والأشياء القديمة. كانت الكتب مكدسة على الأرض، والخرائط معلقة على الجدران كستائر غريبة. على مكتبه، وجدنا دفتراً صغيراً، مكتوباً بخط دقيق ومتأنٍ، كمن كان يكتب وهو يفكر في كل كلمة. فتحتُه، وبدأت أقرأ. كانت الكتابة واضحة، لكنها كانت تحمل بين السطور شيئاً آخر، شيئاً لم يُكتب.
"اليوم الثالث عشر. وجدت تاجراً في زيكسل يعرف عن العظام. قال إن هناك عظمة أخرى في قبو عائلتنا. لم أصدقه في البداية، لكنه أصر. قال إن العظمة تحمل سراً عن المؤسسين، وعن التوازن بين القمرين. قال إنني إذا وجدتها، سأفهم كل شيء. كان صوته هادئاً، لكن عينيه كانتا تحترقان بشيء لم أفهمه."
"اليوم العشرون. وجدت العظمة في القبو. كانت مخبأة تحت أرضية قديمة، بين حجارة لم يمسها أحد منذ قرون. نقشها كان مختلفاً عن العظام الأخرى. بدلاً من هلالين، كانت تحمل نجمة خماسية. شعرتُ بأنني قريب من شيء كبير، شيء كان والدي يخفيه عني طوال حياتي."
"اليوم الثلاثون. التاجر قال إنني يجب أن أذهب إلى مكان معين، حيث تجتمع العظام. لكنه قال إنني يجب أن أذهب وحدي. لم يخبرني لماذا. لكنني وثقت به. كان هناك شيء في صوته، شيء يجعلني أصدقه. سأذهب الليلة. سأجد الحقيقة."
انتهى الدفتر هنا. وقفتُ، وأنا أفكر في ما قرأت. ابن التاجر هو نفسه وريث فالكون. والتاجر أرسله إلى مكان ما، حيث تجتمع العظام. لكن التاجر لم يذكر هذا في حديثه معي. كان يخفي هذه المعلومات عمداً، ربما ليختبرني، أو ربما ليرى إن كنت سأكتشفها بنفسي.
"هذا هو الرابط،" همستُ لنفسي. "التاجر يعرف كل شيء، لكنه لا يقول كل شيء."
"ماذا قلت؟" سألت ليرا، وكانت تنظر إليّ بفضول.
"لا شيء،" قلتُ، وأغلقت الدفتر. "فقط أفكر."
---
في المساء، عدت إلى متجر "أطلال الماضي". كان الرجل العجوز ينتظرني، جالساً خلف طاولته، كأنه كان يعرف أنني سأعود. كان كأس الشاي أمامه، والبخار يتصاعد منه كروح خفيفة.
"وجدت الدفتر،" قلتُ، وأنا أقف أمامه. "أنت أرسلت ابن فالكون إلى مكان ما. أين؟"
نظر إليّ الرجل العجوز، وابتسم ابتسامة غامضة. "أنت ذكي، يا كينج. هذا جيد."
"أجبني،" قلتُ، وصوتي كان أكثر حدة مما توقعت. شعرتُ بأن الغضب يتسلل إليّ، ليس لأنه كذب عليّ، بل لأنه كان يختبرني دون أن يخبرني.
"أرسلته إلى كهف قديم تحت زيكسل،" قال، وفتح يده، فأخرج خريطة أخرى، مطابقة للأولى تقريباً، لكنها كانت تحوي تفاصيل أكثر. "هناك، تجتمع العظام. ليس واحدة، بل عدة. كل عظمة تحمل جزءاً من سر المؤسسين. من يجمعها، يستطيع فهم التوازن الحقيقي بين القمرين."
"ولماذا ترسل ابني؟ لماذا تخاطره؟"
"لأنه كان الوحيد الذي يستطيع،" قال، وعيناه احتوتا على أسى عميق لم أره من قبل. "العظام لا تقبل إلا من يحمل دماً معيناً. ابن فالكون كان مناسباً. لكنني لم أعرف أن الكهف كان محمياً. اختفى هناك، ولم يعد."
وقفتُ، أنظر إليه، وأنا أحاول أن أقرأ ما بين كلماته. كان يخبرني بالحقيقة، لكنني شعرتُ بأن هناك طبقات أخرى لم يكشفها بعد.
"وماذا تريد مني الآن؟"
"أريدك أن تذهب إلى الكهف،" قال، ونظر إليّ بعينين ثاقبتين. "أريدك أن تجد ابني، وتجلب العظام. أنت الوحيد الذي يستطيع، لأنك تحمل شيئاً لا يحمله الآخرون. شيئاً من عالمك القديم، شيئاً يسمح لك برؤية ما لا يراه الآخرون."
"وكيف أعرف أن هذه ليست خدعة أخرى؟"
ابتسم الرجل العجوز، وقال: "لأنك ستعرف عندما ترى. العظام ستتحدث إليك، وستفهم كل شيء. هذا وعدي."
---
عدت إلى مقر تير في وقت متأخر، وأنا أحمل الخريطة الجديدة في جيبي. كان القمر الأحمر في ذروته، والأخضر قد اختفى تقريباً. وقفتُ أمام نافذتي، أنظر إلى السماء، وأفكر في كل ما حدث.
كانت الخيوط تتشابك. التاجر، عائلة فالكون، العظام، الكهف، التوازن بين القمرين. شعرتُ بأنني كنت أقترب من شيء كبير، شيء سيغير كل شيء. لكن التاجر كان يلعب لعبة عميقة، وكان عليّ أن أكون أكثر ذكاءً منه.
في صباح اليوم التالي، قررتُ أن أخبر ليرا. كانت تستحق أن تعرف الحقيقة، على الأقل جزءاً منها.
وجدتها في قاعة التدريب، تتدرب على التحكم بالرياح. كانت دوامات الهواء ترقص حولها كأطفال صغار، تطيع حركات يديها. وقفتُ بجانبها، وانتظرتُ حتى أنهت تمرينها.
"ليرا،" قلتُ، وأنا أشعر بالتوتر. "لدي شيء لأخبركِ به."
نظرت إليّ، ورفعت حاجباً. "ماذا؟"
"هناك كهف تحت زيكسل،" بدأت، وأنا أختار كلماتي بعناية. "فيه عظام قديمة، ترتبط بالمؤسسين وبالتوازن بين القمرين. تاجر آثار طلب مني الذهاب إلى هناك، والعثور على ابنه المفقود، وجلب العظام."
"تاجر آثار؟" سألت، وعيناها تضيقان. "وماذا يريد بها؟"
"لا أعرف،" اعترفتُ. "لكنه قال إنني الوحيد الذي يستطيع الدخول. قال إنني أحمل شيئاً من عالمي القديم، شيئاً يسمح لي برؤية ما لا يراه الآخرون."
صمتت ليرا للحظة، ثم قالت: "وأنت تثق به؟"
"لا،" قلتُ. "لكنني أثق بأن هذه العظام ستخبرني شيئاً عن نفسي. عن سبب وجودي هنا."
نظرت إليّ ليرا، وعيناها الخضراوان كانتا تحملان شيئاً غريباً، مزيجاً من القلق والإعجاب. "سأذهب معك."
"ماذا؟"
"سأذهب معك إلى الكهف،" قالت، ورفعت يدها، فأطلقت دوامة هوائية صغيرة. "إذا كان هناك خطر، ستحتاج إلى مساعدة. ولا تخبرني أنك لا تريدني، لأنني سأذهب سواء أحببت أم لا."
وقفتُ، وأنا أشعر بالامتنان يختلط بالخوف. "شكراً، ليرا."
"لا تشكرني،" قالت، وابتسمت. "فقط كن حذراً."
---
في الليلة التالية، التقيتُ ليرا عند مدخل زيكسل الشرقي. كنا نرتدي ملابسنا الداكنة، ونحمل أسلحتنا. كاين كان معنا أيضاً، بعد أن أقنعته ليرا بأنه سيكون مفيداً، رغم أنه بدا غير مقتنع تماماً.
"إلى أين نحن ذاهبون؟" سأل كاين، والرمال تدور حول كتفه بقلق، كأنها تشعر بتوتره.
"إلى كهف تحت المدينة،" قلتُ، وأخرجت الخريطة. "هناك مدخل في الطرف الشرقي، تحت أنقاض معبد قديم."
مشينا عبر الشوارع المظلمة، ووصلنا إلى الأنقاض. كان المكان مهجوراً، وكأن أحداً لم يزره منذ سنوات. تحت حجر كبير، وجدنا المدخل: درج حجري ينزل إلى الظلام، كحلق يبتلع الضوء.
"هنا،" همستُ. "من هنا ندخل."
نزلنا الدرج، وكنا في ظلام دامس. لكن عينيّ كانتا تتكيفان بسرعة، وكأن القمرين كانا يعطيانني رؤية خاصة. رأيت جدراناً من الحجر القديم، ونقوشاً غامضة، وعظاماً متناثرة على الأرض، بعضها يحمل نقوشاً تشبه تلك التي رأيتها.
"هذا المكان..." همس كاين. "إنه قديم جداً. أقدم من أي شيء رأيته في زيكسل."
"قديم جداً،" كررتُ، وأنا أتقدم بحذر. كانت الخريطة في يدي ترشدني، وكأنها تعرف الطريق أفضل مني.
في نهاية الممر، وجدنا قاعة واسعة. في وسطها، كانت هناك عظام كثيرة، مرتبة في دائرة، وفي وسط الدائرة، كانت هناك عظمة كبيرة، تحمل نقش نجمة خماسية، تشبه التي وصفها آريوس في دفتره، وتلك التي أظهرها لي التاجر.
"هي هنا،" همستُ، واقتربتُ منها.
لكن قبل أن ألمسها، سمعتُ صوتاً خلفي.
"لا تلمسها."
التفتُ، ورأيت رجلاً يقف في ظلام القاعة. كان طويلاً، نحيفاً، يرتدي عباءة سوداء، ووجهه مخفي تحت غطاء الرأس. في يده، كان يحمل سيفاً بنفسجياً، يتوهج بضوء خافت، يعكس وهجه على جدران الكهف كأنه نجم صغير.
"أنت!" قلتُ، وأنا أمسك بالمنجل. "الرجل من المعبد!"
"نعم،" قال، وتقدم خطوة. "وأنا هنا لمنعك من أخذ هذه العظمة."
"لماذا؟" سألت ليرا، وأطلقت دوامة هوائية حولها، تستعد للقتال.
"لأن هذه العظمة ليست لك،" قال الرجل. "هي جزء من شيء أكبر، شيء لا تفهمونه. شيء يهدد توازن هذا العالم."
"فهمنا؟" قلتُ، وأنا أرفع المنجل. "أنت من لا يفهم. أنت من يختبئ في الظلام، ويضرب من الخلف، ويمنع الناس من معرفة الحقيقة."
نظر إليّ الرجل، وابتسم تحت غطاء الرأس. "أنت جريء، يا صائد الكلاب. لكن الجرأة لا تكفي. لقد رأيتُ ما رأيته، وعرفت ما عرفته، وأنا أعرف أنك تحمل شيئاً لا تعرفه حتى أنت."
ثم هجم.
كان سريعاً، أسرع مما توقعنا. سيفه البنفسجي انطلق نحو ليرا، لكنها تفادت بفضل الرياح. كاين أطلق كرات الرمال، لكن الرجل قطعها بسيفه كأنها ورق، والرمال تناثرت كغبار في الهواء. كنت أنتظر الفرصة المناسبة، وعندما اقترب مني، انقضضتُ عليه بالمنجل.
تبادلنا الضربات، والمنجل يصطدم بالسيف البنفسجي، والشرر يتطاير في كل اتجاه، يضيء القاعة للحظات كبرق عابر. كنت أتحرك بسرعة، وكأن جسدي كان يعرف ما يفعله، وكأن المنجل كان يرقص على إيقاع قلبي. لكن الرجل كان أقوى، وأكثر خبرة.
"أنت لست مستعداً،" قال، وضربني بمقبض سيفه على جنبي، فسقطتُ على الأرض. سقط المنجل من يدي، وتدحرج بعيداً في الظلام.
وقف فوقي، وسيفه موجه نحو قلبي. لكن ليرا كانت أسرع. أطلقت عاصفة من الرياح، دفعت الرجل إلى الخلف. وقف كاين، وأطلق كرة رملية ضخمة، حاصرت الرجل في جدار من الغبار.
"الآن!" صرخ كاين.
نهضتُ، وركضتُ نحو العظمة الكبيرة، وأمسكتُ بها. لحظة ملامستها، شعرتُ بشيء غريب: دفء يتسلل من العظمة إلى يدي، كأنها كانت تنبض بالحياة. ثم رأيت رؤى: صوراً لأقمار تتصارع في السماء، لمدن قديمة تغرق في الظلام، لأشخاص يرتدون أردية بيضاء يقفون حول عظام تنبض بالنور، ولعظام تتراقص في الهواء كنجوم ساقطة.
"ما هذا؟" همستُ، والرؤى تتوالى كسيول لا تتوقف.
لكن الرجل كان قد حرر نفسه. وقف أمامي، وعيناه تتألقان بغضب تحت غطاء الرأس. "لقد أخذتها،" قال. "أنت لا تعرف ما فعلت."
"أخبرني،" قلتُ، وأنا أمسك بالعظمة بقوة. كانت دافئة في يدي، كأنها تستجيب لوجودي.
"هذه العظمة هي جزء من لغز التوازن،" قال. "من يجمعها، يستطيع التحكم بالقمرين. لكن الثمن باهظ. من يحاول، يدفع روحه. وأولئك الذين يحرسونها لن يتركوك وشأنك."
"وماذا عن ابن التاجر؟" سألتُ. "أين هو؟"
نظر إليّ الرجل، وصمت للحظة، كأنه يقرر إن كان سيخبرني. ثم قال: "هو هنا. لقد حاول أخذ العظمة، ودفع الثمن."
أشار إلى زاوية القاعة. هناك، على الأرض، كان هناك شاب نائم، وجهه شاحب كالثلج، وجسده هزيل كغصن يابس. كان يرتدي ملابس أنيقة، لكنها كانت ممزقة ومتسخة. كان آريوس.
ركضتُ نحوه، ورأيت أنه لا يزال يتنفس، لكنه كان ضعيفاً جداً، وكأن روحه كانت معلقة بخيط رفيع. "إنه حي،" قلتُ. "لكنه يحتاج إلى مساعدة."
"خذوه،" قال الرجل، وتراجع خطوة. "لكن تذكروا: هذه العظمة ليست هبة. هي لعنة. ومن يلمسها يدفع ثمناً."
ثم اختفى في الظلام، كأنه لم يكن هناك أبداً.
---
عدنا إلى زيكسل، ونحن نحمل آريوس والعظمة. في طريق العودة، كانت ليرا تنظر إليّ بنظرة غامضة.
"أنت تغيرت،" قالت، وصوتها كان هادئاً لكنه حمل فضولاً خفياً.
"كيف؟"
"أصبحت أكثر جرأة،" قالت، وابتسمت. "وأكثر غموضاً. كأن هناك شيئاً في داخلك يستيقظ."
"ربما،" قلتُ، وأنا أنظر إلى العظمة في يدي. كانت لا تزال دافئة، كأنها تهمس لي بشيء لم أفهمه بعد. "ربما هذا ما يفعله هذا العالم."
في مقر تير، استقبلنا فاروس بوجه صارم. نظر إلى العظمة، ثم إليّ، ثم إلى آريوس المحمول بين كاين وكايل.
"أين وجدت هذه؟" سأل، وصوته كان حاداً، كمن يرى شيئاً كان يبحث عنه طويلاً.
"في كهف تحت زيكسل،" قلتُ. "كانت محمية من قبل رجل غامض، يستخدم سيفاً بنفسجياً. نفس الرجل الذي واجهناه في المعبد."
نظر فاروس إليّ، وعيناه تضيقان. "الرجل البنفسجي. سمعتُ عنه. إنه جزء من شيء أكبر، شيء لا نعرفه بعد."
"وماذا عن العظمة؟"
"ستبقى معي،" قال، وأخذها من يدي. "سأدرسها، وسأعرف ما هي. وأنت،" نظر إليّ، "ستخبرني كل ما تعرفه عن التاجر الذي أرسلك إلى هناك."
وقفتُ، وأنا أشعر بأنني بين مطرقة وسندان. كان عليّ أن أختار بين حماية التاجر، أو كشف الحقيقة. لكنني كنت أعرف أن كتم المعلومات قد يكلفني أكثر مما سأربح.
"سأخبرك،" قلتُ. "لكن بشرط."
"ما هو؟"
"أن تشاركني ما تعرفه عن العظام، وعن المؤسسين، وعن التوازن. أنا لا أريد أن أكون أداة في يد أحد."
نظر فاروس إليّ طويلاً، ثم قال: "صفقة."
في الخارج، كان القمر الأحمر يخفت، والأخضر يشتد. ليلة جديدة كانت تبدأ.
وكانت الأسئلة تنتظر.
---
نهاية الفصل الثامن