[الليل – قلب المخيم]

عدنا من حافة الهاوية، والليل قد أسدل ستائره الثقيلة على جبال الصنوبر. لكن الظلام لم يكن موحشاً هنا، فقد بددته ألسنة اللهب البرتقالية المتراقصة التي كانت ترتفع من وسط المخيم. رائحة الشواء الشهية -مزيج من الفحم المحترق، دهن اللحم، والتوابل- كانت تملأ الوادي بأكمله، وتدغدغ أنوفنا المجمدة.

"يا إلهي.." أنَّ جين وهو يضع يده على معدته. "رائحة هذا الطعام أجمل من رائحة النجاح. أنا جائع لدرجة أنني قد آكل خيمتي إذا لم يعطوني لحماً الآن!"

ركضنا نحو طاولات الطعام الخشبية الطويلة. جلسنا معاً كالعادة: المربع الذهبي. أنا، لينا، جين، وسارة. كان العشاء بسيطاً بمقاييس المدينة: نقانق مشوية بآثار تفحم خفيفة، بطاطس مغلفة بالقصدير ومدفونة في الجمر، وشرائح خبز محمص. لكن الطعم.. وسط البرد القارس الذي يلفح وجوهنا، والدفء المنبعث من الطعام، وضحكات الأصدقاء.. كان هذا العشاء يفوق في لذته أفخم ولائم فنادق الخمس نجوم. كنت أقضم النقانق الساخنة، وأشعر بالحرارة تسري في جسدي وتذيب الجليد الذي تركه مشهد "البحر الدموي" في ذاكرتي.

بعد الأكل، ومع انخفاض درجة الحرارة أكثر، تجمع الطلاب والمشرفون حول "النار الكبرى" في وسط الساحة. الجميع جلسوا على جذوع الأشجار أو الصخور، ملتصقين ببعضهم طلباً للدفء. البطانيات الملونة وزعت على الجميع، وتحولنا إلى كتل صوفية صغيرة تلتف حول النور. شرارات الخشب كانت تتطاير مع كل فرقعة للحطب، تصعد نحو السماء المظلمة وتتلاشى، وكأنها تحاول منافسة النجوم المتلألئة التي كانت تملأ القبة السماوية بوضوح لا نراه أبداً في المدينة الملوثة.

"حان وقت القصص!" صاح أحد الطلاب من السنة الثالثة، وساد صمت الترقب.

وقف "جين". هذه هي لحظته. جين يعشق الأضواء، والدراما، وصوت صراخ الفتيات الخائفات. أخرج كشافه اليدوي الضخم، ووجهه نحو وجهه من الأسفل، مما جعل ملامحه تبدو مشوهة بظلال طويلة ومرعبة، وعيناه غارقتين في السواد.

"اسمعوا جيداً.." بدأ جين بصوت عميق ومبحوح، مصطنعاً نبرة عجوز حكيم. "أنتم تظنون أننا وحدنا هنا.. أليس كذلك؟ تظنون أن هذه الجبال ملك للدببة والغزلان فقط؟" خفض صوته ليصبح همساً مسموعاً بالكاد، مما أجبر الجميع على الانحناء للأمام لسماعه. "هذه قصة حقيقية.. حدثت في هذا الوادي بالتحديد قبل عشرين سنة. قصة يهمس بها السكان المحليون ولا يجرؤون على كتابتها"

انخفضت أصوات الهمسات الجانبية. الفتيات تمسكن بأذرع بعضهن. الهواء بدأ وكأنه أصبح أبرد فجأة.

تابع جين، وعيناه تتجولان بين الوجوه المضاءة بالنار: "يُحكى أن هناك متسلقاً شاباً ضاع في الغابة أثناء عاصفة ثلجية. بحثوا عنه لأيام، وعندما وجدوه أخيراً.. كان جالساً عند حافة النهر، يدير ظهره لفريق الإنقاذ" توقف جين للحظة، مستمتعاً بالتوتر. "نادوه باسمه. استدار الشاب نحوهم. كان يملك نفس الملابس.. نفس الشعر.. ونفس الصوت عندما قال: (أنا بخير)" اقترب جين خطوة نحو سارة التي كانت تغطي فمها. "لكن القائد لاحظ شيئاً مرعباً.. عندما سلطوا الضوء عليه.. لم يكن له ظل!"

شهقت سارة، وارتجف عدد من الطلاب. "يقولون إن (سيد الجبل) لا يقتل ضحاياه.. بل يسرق وجوههم. يسلخ هويتهم ويرتديها كقناع، ليعود مع البشر للمدينة، ويعيش بينهم، يقلد ضحكاتهم، ويأكل طعامهم.. بينما الضحية الحقيقية لا تزال محبوسة في المرآة، تصرخ بصمت"

"بووووو!" صرخ جين فجأة بأعلى صوته. "آآآآه!" صرخت الفتيات وقفزن من أماكنهن. انفجر جين ضاحكاً وهو يطفئ الكشاف. "ههههه! وجوهكم لا تقدر بثمن! إنه مجرد خيال يا جبناء!"

سارة، التي كانت تجلس بجانبه، لكمته بخفة على كتفه، ووجهها شاحب قليلاً. "أنت أحمق يا جين! لقد خفتُ للحظة.. قصتك كانت مقنعة بشكل مزعج" عدل جين ياقته بغرور. "هذا يعني أنني ممثل بارع يستحق الأوسكار"

بينما كان الجميع يضحكون ويشتمون جين مازحين.. كنت أنا الوحيد الذي لم يضحك. كنت أحدق في النار المتراقصة، وشعرت ببرودة غريبة تسري في عمودي الفقري. قصة "سرقة الوجوه".. لسبب ما، لم تبدُ لي كقصة خيالية. تذكرت انعكاسي في زجاج السيارة. ذلك الوجه الذي ابتسم بينما كنت أنا عابساً. تذكرت الظل الأسود الذي رأيته عند البحر.. والذي كان يملك ابتسامة تشبه ابتسامتي. يسرق الوجوه.. ويعيش بينهم.. هل هذا ما يحدث لي؟ هل هناك "سيد" آخر يحاول سرقة وجهي وحياتي؟

شعرت بيد ناعمة تلمس ذراعي. التفت بفزع. كانت "لينا". كانت تبتسم بدفء، وضوء النار ينعكس في عينيها. "راي؟ هل أنت بخير؟ جين بالغ قليلاً في الدراما، أليس كذلك؟" نظرت إليها. إلى براءتها. وإلى الواقع الملموس حولنا. "نعم." زفرت الهواء ببطء، طارداً الأشباح من رأسي. "مجرد دراما رخيصة. أنا بخير" هذه الليلة للمتعة فقط. لن أسمح للظلال بإفسادها.

استمر السهر لساعات. ضحكنا حتى آلمتنا بطوننا. غنينا أغاني مدرسية سخيفة بصوت نشاز. شربنا الشوكولاتة الساخنة التي أعدها المشرفون. كانت ليلة مثالية. نوع الليالي التي تود لو تستطيع تعبئتها في زجاجة، وتخبئها لتفتحها في أيامك الحزينة.

خمدت النار تدريجياً، وتحولت إلى جمر أحمر متوهج يلفظ أنفاسه الأخيرة. بدأ الطلاب بالانسحاب لخيامهم، والنعاس يداعب جفونهم. "تصبحون على خير يا شباب!" قالت لينا وهي تلوح لنا، وسحبت سارة معها لخيمتهما.

دخلت أنا وجين خيمتنا الصغيرة. رمى جين نفسه في كيس النوم دون أن يخلع حتى سترته، وتنهد تنهيدة طويلة مليئة بالرضا. "يا لها من رحلة يا راي.. يا لها من ليلة. يجب أن نكررها كل عام. نأتي هنا، ونحكي قصص رعب، ونأكل النقانق"

"بالتأكيد" أجبت بصوت خافت، وأنا أستلقي في كيس نومي، وأضع يدي تحت رأسي. "كل عام يا جين. وعد"

أغمضت عيني. صوت الرياح وهي تداعب أوراق الصنوبر في الخارج كان كالتنهيدة. وصوت أنفاس جين التي انتظمت بسرعة في نوم عميق كان مريحاً. لأول مرة منذ أسبوع.. لم أفكر في الأرقام. لم أفكر في البحر الدموي. لم أسمع صوت النظام. نمت نوماً عميقاً، حالماً، أسوداً ومريحاً، خالياً من الكوابيس. وكأن الغابة قد احتضنتني وحمتني من وحوش عقلي لليلة واحدة أخيرة.

لم أكن أعلم.. وأنا أغرق في النوم.. أنني عدت من "جبال الصنوبر".. لأدخل بقدمي في "جبال الجحيم".

استيقظنا على صوت زقزقة العصافير المزعجة والمحببة في آن واحد، ونور الشمس البارد الذي يخترق قماش الخيمة البرتقالي. كان الصباح نشيطاً ومليئاً بالحركة. فككنا الخيام، جمعنا القمامة لنترك المكان أنظف مما كان، ورتبنا الحقائب في الحافلات.

"آخ.." تذمر جين وهو يحمل حقيبته بظهر محني. "أشعر بألم في ظهري كأنني في الثمانين. الأرض كانت قاسية جداً" "أنت عجوز قبل أوانك يا جين،" ضحكت سارة وهي تمر بجانبه برشاقة. "تحتاج لليوغا"

ركبنا الحافلات. طريق العودة كان أهدأ بكثير من الذهاب. الطاقة الصاخبة استُبدلت بنعاس مريح ورضا هادئ. أسندت رأسي على زجاج النافذة البارد، وشاهدت المناظر الطبيعية تتغير ببطء، كفيلم يتم إرجاعه للوراء. أشجار الصنوبر الكثيفة بدأت تقل.. الجبال الخضراء تبتعد وتصغر.. وبدأت تظهر المباني الإسمنتية الرمادية. المصانع التي تنفث الدخان. الجسور المعلقة. زحام السيارات. عدنا للمدينة. عدنا للقفص.

نظرت إلى هاتفي الذي عاد للعمل بعد انقطاع الشبكة في الجبل. لا رسائل غريبة. لا مكالمات فائتة من أرقام مجهولة. "كل شيء طبيعي،" فكرت بارتياح كبير. "لم يحدث شيء سيء. كانت مجرد هلاوس وانتهت"

وصلت الحافلة لساحة المدرسة عند الظهيرة. نزلنا، وودعنا بعضنا بعناق سريع ووعود باللقاء غداً. "راي!" ناداني جين قبل أن يركب سيارة والده. "أراك في النادي الرياضي الليلة؟ لا تتأخر، المدرب قال إنه يريدنا للتدريب على التشكيلة الجديدة" "سأكون هناك،" لوحت له بابتسامة. "لن أتأخر"

مشت لينا بجانبي قليلاً قبل أن ينعطف طريقها نحو منزلها. وقفت للحظة، ونظرت لي بعينيها الواسعتين. "شكراً على الرحلة يا راي،" قالت بابتسامة ناعمة وصادقة. "كانت.. مميزة حقاً. استمتعت بالجلوس معك" "وأنا أيضاً،" قلتُ، وشعرت بقلبي يخفق. "أراك غداً في المدرسة"

مشيت نحو منزلي وحقيبتي على ظهري. الشوارع المألوفة، البقال، الجار الذي يسقي حديقته، صوت التلفاز من النوافذ المفتوحة. رائحة المدينة المعتادة. كل شيء كان يبدو آمناً، ثابتاً، وراسخاً.

وضعت المفتاح في باب المنزل. "كليك". فتحته. "لقد عدت!" استقبلتني أمي بعناق قوي ورائحة طعام غداء، وأبي بابتسامة عريضة وهو يشاهد الأخبار. "كيف كانت الرحلة يا بطل؟ هل صارعت الدببة كما وعدت؟" مازحني أبي. "لا.. فقط صارعت بعوضة وحكايات جين المرعبة،" ضحكتُ وأنا أخلع حذائي.

صعدت لغرفتي. رميت الحقيبة في الزاوية. الغرفة كانت كما تركتها؛ هادئة، آمنة، ومليئة بأشيائي الشخصية. استلقيت على سريري، وشعرت براحة المنزل تغمرني. الجدران الأربعة بدت كحصن منيع ضد كل مخاوفي السابقة. "انتهت الرحلة بسلام." تمتمت لنفسي وأنا أغلق عيني لأخذ قيلولة قصيرة قبل موعد النادي الرياضي. "كل شيء عاد لطبيعته"

لم أكن أعلم.. وأنا أغرق في النوم.. أنني عدت من "جبال الصنوبر".. لأدخل بقدمي في "جبال الجحيم".

2026/01/09 · 22 مشاهدة · 1252 كلمة
quart
نادي الروايات - 2026