[ النادي الرياضي – الساعة 8:15 مساءً ]

كانت الصالة الرياضية المغلقة تعج بضجيج الحياة. صوت صرير الأحذية الرياضية وهي تحتك بالأرضية الخشبية المصقولة كان يشبه سيمفونية الفوضى، ورائحة الورنيش القديم المختلطة برائحة العرق ومشروبات الطاقة تملأ الرئة. كنا نلعب مباراة كرة طائرة ودية، أنا وجين ضد فريق آخر من شباب الحي. الجو كان حماسياً بشكل بريء. جين يقفز في الهواء كقرد نشيط، ويصرخ مع كل نقطة نحرزها: "مررها لي يا راي! سأريهم ضربة الإعصار المدمرة!"

كنت أضحك، والعرق المالح يغطي وجهي ويحرق عيني قليلاً. للحظة.. مجرد لحظة عابرة.. نسيت الأرقام الخضراء التي تومض خلف جفوني، ونسيت البحر الدموي، والكيان الأسود المبتسم. كنت مجرد مراهق يلعب الكرة.

لكن.. الهدوء في عالمي هو دائماً نذير للعاصفة.

"بااااانج!" فُتح باب الصالة المزدوج بقوة ارتطمت بالجدار، وكأن فرقة مداهمة قد اقتحمت المكان. حل الصمت فوراً. توقفت الكرات في الهواء. دخل "كانغ". ومعه ثلاثة من أتباعه المخلصين (الذين يشبهون خزائن ملابس تمشي على قدمين). كانوا يرتدون ملابس رياضية باهظة الثمن ونظيفة جداً لدرجة تستفزك، ويمضغون العلكة باستهتار مقزز.

مشى كانغ إلى وسط الملعب ببطء، مستمتعاً بأنظار الجميع الموجهة إليه. توقف أمام الكرة التي تدحرجت نحوه، وركلها بقوة لتطير وتصطدم بالسقف. "يا لها من لعبة مملة." قال بصوت عالٍ تردد صداه في الصالة الصامتة. "هل تسمون هذا رياضة؟ أم رقصاً؟" تجولت عيناه في المكان حتى استقرت عليّ. اتسعت ابتسامته الخبيثة، تلك الابتسامة التي تعد بالألم. "راي.. وجين.. ثنائي الفشل. ما رأيكم أن نضيف بعض الإثارة الحقيقية لهذه اللعبة الميتة؟" أشار بإبهامه لنفسه ولأتباعه. "أنا وأصدقائي.. ضدكم. مباراة واحدة." اقترب خطوة، وانخفض صوته ليصبح فحيحاً مسموعاً: "والخاسر.. يركع ويمسح أرضية الصالة بلسانه أمام الجميع"

حاول المدرب العجوز التدخل، متجهاً نحوهم بخطوات مترددة: "يا شباب، لا مشاكل هنا، القاعة محجو..." قاطعه كانغ بنظرة حادة وباردة، وأشار لأحد أتباعه الضخام الذي وقف في طريق المدرب كالجدار. "لا تتدخل أيها العجوز.. نحن نلعب فقط. مجرد رياضة"

التفت جين إليّ، وجهه محتقن بالغضب، ويداه ترتجفان. "راي.. هل سنسمح لهم؟ إنهم يريدون إهانتنا فقط" نظرتُ لـ كانغ. رأيت الثقة العمياء في عينيه. إنه يعتقد أنني فريسة. يعتقد أنني لا أزال "راي" الذي يغطي وجهه ويبكي. انحنيت ببطء، وشددت رباط حذائي بقوة حتى كدت أقطع الدم عن قدمي. وقفتُ، ونظرتُ في عينيه مباشرة. "لعب فقط؟ حسناً." مشيتُ نحو الشبكة. "لنلعب"

بدأت المباراة. لم تكن مباراة كرة طائرة. كانت حرب استنزاف. كانغ وفريقه لم يلتزموا بقانون واحد. كانوا يلعبون بقذارة لا توصف. عندما أقفز للصد، يدفعونني في الهواء لأفقد توازني وأسقط على ظهري. بدلاً من ضرب الكرة للملعب، كانوا يصوبونها نحو وجوهنا وأجسادنا كقذائف مدفعية. "ما بك يا راي؟" ضحك كانغ وهو يسجل نقطة أخرى بعد أن ركل جين "بالخطأ" تحت الشبكة. "هل أنت خائف من الكرة؟ أم أنك تريد البكاء لأمك؟"

"15 – 4" النتيجة كانت مذلة. جين كان يلهث، ركبته تنزف من السقوط المتكرر. "راي.. إنهم يغشون.. الحكم لا يفعل شيئاً." نظرتُ للوحة النتائج. ثم نظرتُ لكانغ الذي كان يتبادل الضحكات مع أتباعه، غير آبهين بنا. شعرتُ بالحرارة. ليس حرارة اللعب.. بل حرارة سائلة، لزجة، وثقيلة تتصاعد في صدري. الغضب. ولكنه ليس غضباً عادياً. إنه غضب بارد. الصوت في رأسي، الذي كان صامتاً طوال اليوم، عاد الآن. ليس هامساً، بل آمراً: (انظر إليه.. إنه يضحك.. إنه يعتقد أنه الصياد.. حطمه.. دمر كبرياءه..)

جاء دوري في الإرسال. أمسكتُ الكرة. ملمس الجلد القاسي والمحبب تحت أصابعي كان واضحاً بشكل غريب. مشيتُ لخط الإرسال. نظرتُ إلى الشبكة. كانغ واقف في الجهة المقابلة، ظهره لي، يضحك مع صديقه، واثقاً تماماً من أنني مجرد نكرة لا تشكل تهديداً.

(الهدف: الوجه. الزاوية: 45 درجة. القوة المطلوبة: 100%)

رميتُ الكرة في الهواء. ارتفعت الكرة وتجاوزت أضواء السقف. ركضتُ.. خطوة.. خطوتين.. قفزتُ. في تلك اللحظة.. بينما كنتُ معلقاً في الهواء.. توقف الزمن. رأيتُ الغبار العالق في الجو يتوقف عن الحركة. رأيتُ "كانغ" يلتفت ببطء شديد نحوي، وعيناه تتسعان ببطء مضحك وهو يدرك ما سيحدث. شعرتُ بطاقة غريبة، سوداء وكهروستاتيكية، تتدفق من كتفي، تمر عبر عضلات ذراعي، وتتجمع في راحة يدي اليمنى. عضلاتي تضخمت.. لا، بل "تجاوزت حدودها".

"بوووووووم!"

ضربتُ الكرة. لم يكن صوت ضربة يد عادية. كان صوت انفجار إطار شاحنة. انطلقت الكرة بسرعة لا يمكن للعين البشرية متابعتها. تحولت لخط أبيض مشوش يمزق الهواء، مخلفةً وراءها دوامة هوائية صغيرة. تجاوزت الشبكة في أقل من رمشة عين.

"طــــاخ!"

ارتطمت الكرة مباشرة، وبدقة جراحية، بمنتصف وجه كانغ. لم يلحق حتى أن يرفع يده ليحمي نفسه. قوة الضربة كانت هائلة لدرجة أنها رفعت جسد كانغ الضخم عن الأرض، ورمته للخلف مترين كاملين، ليسقط على ظهره بصوت ارتطام مكتوم ومؤلم.

ساد صمت مطبق في الصالة. حتى المدرب تجمد في مكانه. تدحرجت الكرة بعيداً، وعليها بقعة دم صغيرة حمراء. استلقى كانغ على الأرض لثانية، وكأنه ميت. ثم بدأ يتحرك. نهض ببطء، يده تغطي أنفه وفمه. عندما أبعد يده.. شهق الجميع. الدم كان ينفجر من أنفه كالصبور المكسور، يغطي ذقنه وقميصه الرياضي الأبيض. عيناه كانت تدمعان بغزارة من شدة الألم والصدمة. نظر للدم في يده.. ثم نظر إليّ. تحول وجهه من الألم إلى الغضب الجنوني. "أنت..." صرخ بصوت مخنوق بالدماء. "كسرت أنفي!! أيها الحثالة!!"

نسي اللعبة. نسي الناس. نسي القوانين. اندفع نحوي كالثور الهائج الذي أصيب بطلق ناري. عيناه حمراوان، قبضته مرفوعة، نيته واضحة: تحطيم جمجمتي كما حطمتُ كبرياءه.

تراجع الطلاب للخلف بذعر. جين صرخ من الجهة الأخرى: "راي! اهرب! إنه مجنون!"

وقفتُ مكاني. لم أتحرك إنشاً واحداً. كان يقترب. أستطيع سماع أنفاسه الهائجة. أستطيع رؤية الجنون في عينيه. قبضته اليمنى تتجه لوجهي في لكمة كاسحة. توقعتُ أن أخاف. توقعتُ أن أغمض عيني وأحمي وجهي بيدي. لكن.. حدث العكس.

[بزززت!] صوت كهربائي حاد في أذني. العالم تباطأ مرة أخرى. رأيتُ كانغ يركض بحركة بطيئة جداً. رأيتُ قطرات الدم والعرق تتطاير من وجهه وتسبح في الهواء ببطء. رأيتُ عضلات كتفه تنقبض بوضوح لتوجيه اللكمة.

وفجأة.. ظهر خط أحمر مشع في الهواء أمامي، خط رفيع، هندسي، يرسم المسار الدقيق الذي ستسلكه قبضته قبل أن تصل إليّ بثانية كاملة. (مسار الهجوم: واضح. التفادي: يسار. الثغرة: الكبد.)

لم أفكر. لم أقرر. جسدي تحرك كآلة تتبع التعليمات. أملتُ رأسي لليسار بخفة لا تذكر. "فوووووش!" مرت قبضة كانغ الضخمة بجوار أذني تماماً، تضرب الهواء الفارغ بقوة جعلت توازنه يختل ويندفع للأمام. أصبح صدره وبطنه مكشوفين تماماً أمامي. رأيتُ نقطة حمراء صغيرة تتوهج وتنبض على الجانب الأيمن من بطنه (الكبد). (اضرب هنا. دمره.)

شددتُ قبضتي اليسرى، وبحركة غريزية، سريعة، ووحشية.. وجهتُ لكمة صاعدة نحو النقطة المتوهجة.

"بــــوك!"

غاست قبضتي في لحمه الرخو. توقفت حركة كانغ فوراً. جحظت عيناه حتى كادت تخرج من محجريها. انقطع صوت صراخه فجأة واستُبدل بصوت "قح..!" مكتوم، حيث خرج كل الهواء من رئتيه دفعة واحدة. ارتفع جسده عن الأرض بضع سنتيمترات من قوة اللكمة، ثم.. تهاوى. سقط على ركبتيه أولاً، ثم تكور على وجهه، يمسك بطنه بكلتا يديه، فمه مفتوح في محاولة يائسة لشفط الهواء، لكنه غير قادر حتى على الأنين.

"أيها الوغد!" صرخ صديق كانغ الضخم، واندفع نحوي لينتقم لزعيمه الساقط. كنتُ لا أزال أنظر ليدي بصدمة، غير مستوعب للقوة التي خرجت مني. لكن قبل أن يصل إليّ.. قفز "جين" كالنمر واعترضه في منتصف الطريق. "لن تلمسه!" صرخ جين بشجاعة لم أعهدها فيه، ودفع الضخم بكل قوته. اشتبك جين مع صديق كانغ، يتبادلان اللكمات الفوضوية ويسقطان على الأرض يتدحرجان.

تحولت الصالة إلى فوضى عارمة. المدرب يصفر بجنون. الطلاب يصرخون. وأنا واقف في المنتصف.. وحيداً في هالة من الصمت. أنظر لـ "كانغ" الذي يزحف عند قدمي كالديدان.. ولـ "جين" الذي يقاتل بشراسة لأجلي.. وليدي التي لا تزال تنبض بتلك القوة الغريبة والمدمرة. "ماذا.. فعلت؟" همستُ لنفسي. لم أكن أعلم.. أن هذه اللكمة.. لم تكسر ضلعاً فقط. لقد كسرت الحاجز الأخير بيني وبين العالم السفلي.

2026/01/09 · 17 مشاهدة · 1187 كلمة
quart
نادي الروايات - 2026