[العصر – منطقة التخييم]

بعد وجبة الغداء الصاخبة، بدأ المخيم يهدأ قليلاً. الشمس الخريفية كانت ترسل أشعتها الذهبية عبر أغصان الصنوبر، خالقة جواً من الكسل اللذيذ. الطلاب توزعوا في مجموعات صغيرة؛ البعض يلعبون الورق، والبعض الآخر يستريحون داخل الخيام المفتوحة.

كان مشهداً مثالياً للسلام.. لكن السلام في هذا العالم هش جداً، خاصة بوجود "الطفيليات".

من مكاني حيث كنت أجلس مع "جين" و"لينا"، رأيتهم. "كانغ" وحاشيته المكونة من ثلاثة طلاب ضخام البنية وعقولهم فارغة. كانوا يتجولون بين الخيام مثل قطيع من الضباع الشبعانة التي تبحث عن تسلية. لم يكتفوا بإزعاجي سابقاً، بل قرروا الآن توسيع دائرة نفوذهم القذرة. رأيت كانغ يمر بجانب مجموعة من طلاب السنة الأولى الخائفين، وبحركة "عفوية" متعمدة، ركل موقد النار الصغير الذي تعبوا في إشعاله، لتتطاير الشرارات والرماد على وجوههم وملابسهم.

"أوبس." قهقه كانغ بصوت عالٍ ومستفز. "النار في الطريق.. انتبهوا يا صغار" ثم انحنى أحد أتباعه وسرق كيس "مارشميلو" من يد طالبة ترتدي نظارة سميكة، ومشى وهو يمضغ الحلوى بفم مفتوح ومقزز.

"يا لهم من حثالة." همس جين بجانبي، وصوته يرتجف من الغضب المكبوت. كان يضغط على علبة العصير في يده حتى انبعجت. "لماذا لا يوقفهم أحد؟ المشرفون يشربون القهوة في الجهة الأخرى ولا يرون شيئاً!" همّ جين بالوقوف، وعروق رقبته بارزة. "سأذهب وألقنهم درساً في الأخلاق"

مددت يدي بسرعة، وأمسكت بكتفه، مثبتاً إياه في مكانه بقوة هادئة. "لا تفعل، يا جين" التفت إليّ وعيناه تشتعلان: "راي! ألا ترى ما يفعلونه؟"

"أرى." قلت بصوت منخفض، وعيني مثبتة على "كانغ" الذي كان يضحك الآن. "أرى بوضوح شديد" وفي الحقيقة، كنت أرى أكثر مما ينبغي، بينما كنت أنظر لرقبة كانغ المكشوفة وهو يضحك، عاد ذلك الصوت البارد ليهمس في مؤخرة جمجمتي، يحلل المشهد كطبيب تشريح سادي:

(الهدف مكشوف. المسافة: 20 متراً. نسبة النجاح في كسر عظم الفخذ بركلة جانبية: 98%. صراخه سيجذب انتباه الجميع خلال 3 ثوانٍ.)

شعرت بنبضة خفيفة وحارقة في عروق ساعدي. رغبة مكبوتة، سوداء ولزجة، تدعوني للنهوض. ليس للدفاع عن الطلاب، بل فقط.. للاستمتاع بصوت تحطم شيء ما. ابتلعت ريقي، وأجبرت الصوت على الصمت. "المشرفون قريبون،" قلت لـ جين، محاولاً إقناع نفسي قبل إقناعه. "إذا تدخلنا الآن ستفسد الرحلة للجميع، وسيتم طردنا. دعهم.. الحثالة دائماً يسقطون في شر أعمالهم. لا تلوث يدك بقذارتهم"

زفر جين الهواء بغضب، وجلس مجدداً. "أتمنى أن يتعثر ويسقط في وادٍ" "ربما." تمتمت وأنا أشيح بنظري عنهم. "ربما يحدث ما هو أسوأ"

[الغروب – حافة الجبل]

قررنا الهروب من جو المخيم المسموم بوجود كانغ. تركنا الخيام خلفنا، وصعدنا عبر مسار ترابي ضيق يتلوى بين الأشجار الكثيفة، متجهين نحو "تلة المشرف" التي تطل على الوادي. الصعود كان شاقاً قليلاً، لكن المكافأة كانت تستحق كل قطرة عرق.

عندما وصلنا للحافة الصخرية، كان المنظر يخطف الأنفاس لدرجة الألم. الشمس كانت تغرق ببطء في الأفق الغربي، كتلة من الذهب المصهور تصبغ السماء بلوحة سريالية من الألوان: البرتقالي المحروق، البنفسجي العميق، وخيوط من القرمزي الدموي. تحتنا، كانت الغابات تمتد كسجادة خضراء داكنة لا نهاية لها، تتخللها أنهار فضية تلمع بضوء الغروب الأخير.

جلسنا على الحافة الصخرية، أرجلنا تتدلى نحو الفراغ. أنا، لينا، جين، وسارة. الهواء هنا كان بارداً، نقياً، ويحمل رائحة الصنوبر والحرية.

"واو." أغمضت "لينا" عينيها، وأخذت نفساً عميقاً، وكأنها تحاول تخزين هذا الهواء في ذاكرتها للأبد. "تخيلوا لو كان لدينا بيت خشبي صغير هنا،" قالت بصوت حالم، وهي تشير لبقعة خضراء بعيدة. "نستيقظ كل يوم على هذا المنظر. بعيداً عن ضجيج المدينة، وعن الامتحانات، وعن الواجبات المدرسية"

ضحكت سارة وهي تعدل خصلة شعر طارت مع الريح. "أنت رومانسية جداً يا لينا. بيت في الغابة يعني حشرات، لا كهرباء، ولا إنترنت. أنا فتاة مدينة.. أحتاج للواي-فاي لأعيش" "أنت تقتلين اللحظة!" تذمرت لينا بمرح.

جين، الذي كان يحاول طوال الرحلة أن يبدو "عميقاً" ومثقفاً أمام سارة، رأى فرصته الذهبية. وقف على صخرة مرتفعة قليلاً، وضع يده على صدره، ونظر للأفق بنظرة درامية مصطنعة: "أنت مخطئة يا سارة.. التكنولوجيا تلوث الروح. الطبيعة هي المرآة الحقيقية التي نرى فيها أنفسنا.. أليس كذلك؟"

نظرت سارة إليه بصمت لثانية، ثم رفعت حاجبها الأيسر. "جين.. هناك بعوضة ضخمة تقف على أرنبة أنفك" "هاه؟" صفق جين وجهه بقوة وبذعر لقتل البعوضة، فتعثر وكاد يسقط عن الصخرة. انفجرنا جميعاً في نوبة ضحك هيستيرية، حتى أن لينا دمعت عيناها. "مرآة الروح، هاه؟" لكزته سارة وهي تضحك.

كانت لحظات ذهبية. لحظات نادرة من الصفاء، تجعلك تنسى أن العالم مكان قاسٍ، وأن هناك ظلالاً تنتظر في الزوايا. تمنيت لو يتوقف الزمن هنا.

[الليل – استكشاف الغابة]

حل الظلام الدامس بسرعة، كما يحدث دائماً في الجبال. الغابة التي كانت خضراء ومرحة قبل ساعة، تحولت الآن لكتلة سوداء من الظلال والأشكال الغامضة.

"هيا!" همس جين بحماس، وهو يشغل كشافه اليدوي الضخم الذي بدا وكأنه كشاف طائرة هليكوبتر. الشعاع الأبيض القوي قطع ظلام الغابة. "لنستكشف المسار الجانبي. سمعت من طلاب السنة الثالثة أن هناك ضريحاً قديماً مهجوراً في العمق"

"أليست فكرة سيئة؟" سألت لينا وهي تتمسك بكم معطفي بخوف. "الظلام دامس، وقد نضيع" "لا تكوني جبانة!" نفخ جين صدره وتقدم القافلة. "أنا معكم! ومعي هذا الكشاف الخارق. سأحميكم من الأشباح والدببة!"

دخلنا بين الأشجار الكثيفة. صوت تكسر الأغصان الجافة تحت أقدامنا كان يبدو عالياً جداً في الصمت الليلي. ظلال الأغصان الطويلة كانت ترقص مع حركة الكشاف، وتبدو كأيادي طويلة ونحيلة تحاول الإمساك بنا. جين كان يمشي في الأمام، يتظاهر بالشجاعة، لكني لاحظت أنه يلتفت بفزع لكل صوت صغير يصدر عن البوم أو الرياح.

خشخشة.. فجأة، سمعنا صوت حركة سريعة بين الشجيرات الكثيفة على يميننا. تجمد جين. "م.. م.. من هناك؟" صرخ بصوت مرتعش، ووجه الكشاف بسرعة نحو مصدر الصوت، ويده ترتجف. انشقت الشجيرات.. وقفز أرنب بري صغير، عيناه تلمعان باللون الأحمر بسبب الضوء، وركض هارباً.

"واااااآآآه!" أطلق جين صرخة أنثوية لا تليق برجل يدعي الشجاعة، وقفز للخلف في الهواء.. ولسوء حظه (أو لحسنه)، هبط مباشرة في حضن "سارة" التي كانت تقف خلفه. أمسكته سارة بتفاجئ، ومنعته من السقوط.

ساد صمت محرج للحظة. سارة تحمل جين بين ذراعيها (وضعية الأميرة)، والكشاف يضيء وجه جين المرعوب. "أحم." قالت سارة بابتسامة ساخرة وجافة. "هل حميتنا من الأرنب المتوحش يا بطلي المقدام؟"

نزل جين بسرعة البرق، ووجهه يشتعل في الظلام لدرجة أننا كدنا نراه يتوهج. "ك.. ك.. كنت أختبر ردة فعلك فقط! استراتيجية عسكرية!" ضحكت لينا حتى اضطرت للاستناد عليّ، وأنا لم أتمالك نفسي من الضحك.

بعد دقائق من المشي والضحك على "الأرنب القاتل"، انقطع الطريق فجأة. توقفنا جميعاً، وتلاشت ضحكاتنا تدريجياً.

أمامنا.. لم يكن هناك غابة. لم يكن هناك أرض. كانت هناك هاوية. جرف صخري حاد وعمودي يسقط لمئات الأمتار نحو الأسفل. وفي القاع.. كان البحر. بحر مظلم، واسع، يمتد حتى يبتلع الأفق ويذوب في السماء السوداء. ضوء القمر الخافت كان ينعكس على سطح الماء كتموجات فضية باردة. صوت الأمواج وهي تضرب الصخور في الأسفل كان يصلنا كهدير وحش نائم يتنفس ببطء.

"واو." همست سارة، وهي تقترب بحذر من الحافة. "المكان مخيف.. لكنه جميل بشكل مرعب"

وقفنا على الحافة بحذر، والرياح هنا كانت قوية، تعبث بشعرنا وملابسنا، وتحمل رائحة الملح والرطوبة البحرية. "الجو أصبح بارداً جداً،" قال جين وهو يفرك ذراعيه ويرتجف (ربما من البرد، وربما من ذكرى الأرنب). "لنعد للمخيم، المشرفون قد يلاحظون غيابنا"

استداروا للمغادرة. "هيا راي،" نادت لينا.

لكني.. بقيت واقفاً. لم أستطع التحرك. كنت أحدق في البحر الأسود في الأسفل. في ذلك السواد اللامتناهي الذي يبدو وكأنه يناديني. شيء ما في إيقاع الأمواج كان يجذبني. تشششش... طراخ... تشششش... طراخ...

"راي؟ هل أنت قادم؟" نادت لينا مرة أخرى، وصوتها بدا بعيداً جداً، وكأني أسمعه من تحت الماء.

لم أجب. فجأة.. تغير صوت الأمواج. لم يعد صوت ماء يضرب صخراً. الصوت أصبح جافاً. مقرمشاً. كراك... طق... كراااك... إنه صوت تكسر عظام. ملايين العظام تتحطم في آن واحد.

رمشت بعيني. وفي اللحظة التي فتحتها فيها، تغير العالم. البحر الأسود في الأسفل.. لم يعد ماءً. تحول إلى لون أحمر قانٍ ولزج. بحر من الدماء يغلي وتتصاعد منه أبخرة صفراء خانقة. والصخور المسننة في الأسفل؟ لم تكن صخوراً. كانت تلالاً من الجثث البشرية. جبال من الأجساد الملتوية، المكدسة فوق بعضها، وجوهها كلها متجهة نحوي، أفواهها مفتوحة في صرخة صامتة أبدية.

رفعت بصري للسماء. النجوم اختفت. القمر اختفى. السماء تمزقت. تحولت لنسيج من اللحم الفاسد والرماد المتطاير، تتخللها شقوق نارية تمطر دماً.

وفي وسط هذا الجحيم.. هناك، فوق سطح بحر الدماء، بعيداً في الأفق، لكني أراه بوضوح مرعب. كان هناك شخص واقف. لم يكن بشراً. كان ظلاً أسود طويلاً، بلا ملامح، وكأنه ثقب في نسيج الواقع. كان يرفع يديه الطويلتين نحو السماء الممزقة، وكأنه قائد أوركسترا يعزف سيمفونية الدمار. ورغم أنه بلا وجه.. إلا أنني رأيته يبتسم. شق أبيض عريض انفتح في وجهه المظلم، ابتسامة مليئة بأسنان حادة وكثيرة جداً. ولم يكن يبتسم للعالم.. كان يبتسم لي أنا.

شعرت بالرعب يشل أطرافي. قلبي توقف عن النبض. رائحة الدم الفاسد والكبريت زكمت أنفي حتى كدت أتقيأ. الصوت في أذني أصبح صاخباً.. صراخ الملايين، وتكسر العظام.. (أهلاً بك.. في الحقيقة.)

"راي!!"

يد قوية أمسكت كتفي وهزتني بعنف. "راي! بحق الجحيم!"

رمشت. اختفى الدم. اختفت الجثث. تلاشى الظل المبتسم. عاد البحر أسود. عادت السماء صافية ومرصعة بالنجوم. عاد صوت الأمواج طبيعياً. التفت بفزع، وأنا ألهث وكأني كنت أغرق. كان "جين" يمسكني بكلتا يديه، ووجهه قريب جداً من وجهي، وعيناه مليئتان بالذعر الحقيقي. "ما بك يا رجل؟! ناديتك عشر مرات! كنت تترنح! لماذا تطالع في البحر وكأنك رأيت شبحاً؟ كنت على وشك السقوط من الحافة!"

نظرت لـ جين. وجهه الحي.. القلق. نظرت لـ لينا وسارة اللتين كانتا تقفان بعيداً قليلاً، واضعتين أيديهما على أفواههما بخوف. تحسست وجهي.. كان بارداً كالثلج، ومغطى بعرق غزير.

"أنا.." حاولت الكلام، لكن حلقي كان جافاً، وطعم الدم (الوهمي) لا يزال في فمي. حاولت طرد صورة الشخص الأسود المبتسم من عقلي، لكنها طُبعت هناك كالوشم. "أنا بخير." كذبت بصوت مرتجف. "فقط.. دوار المرتفعات. شعرت بالدوخة فجأة"

"دوار؟" ضحك جين ضحكة عصبية متوترة، وهو يسحبني بقوة بعيداً عن الحافة، وكأنه يخشى أن يقفز البحر ويمسك بي. "أنت غريب جداً اليوم. أخفتنا حتى الموت. هيا، لنعد.. العشاء ينتظر"

مشينا عائدين عبر الغابة المظلمة. سارة ولينا وجين كانوا يحاولون الضحك وتخفيف الجو، يتحدثون بصوت عالٍ لطرد الخوف. وأنا.. كنت أمشي بصمت في الخلف. لم أعد أسمع ضحكاتهم. كنت أسمع فقط.. صوت الأمواج التي تشبه تكسر العظام. وهسيس صوت خافت وساخر في مؤخرة جمجمتي يقول بوضوح:

(لقد رآك. إنه قادم.)

2026/01/09 · 16 مشاهدة · 1592 كلمة
quart
نادي الروايات - 2026