[ساحة المعركة – صمتُ الحطام]
انقطع القتالُ فجأة، لا بفعل إرادتنا، بل بفعل التدخل العنيف للمدرب وبقية الطلاب الذين انقضّوا علينا ككتلة واحدة لفضّ هذا النزاع الذي تجاوز حدود المشاجرات المدرسية ليقترب من محاولة تصفية جسدية. وقفتُ في وسط الصالة الرياضية، محاطاً بدائرة من الأعين التي تفيضُ بالذهول والرعب. أنفاسي كانت تخرجُ بحدة، كأنها بخارٌ منبثق من محرك مجهدٍ كاد أن ينفجر. كان عقلي في تلك اللحظة عاجزاً عن استيعاب ما حدث؛ المشهدُ كان يبدو سريالياً، مهتزاً، وكأنني أنظرُ إليه من وراء زجاج مشوه.
على الأرض، كان "كانغ" لا يزال يتقيأ عصارةً صفراء مُرة، جسده الضخم يرتجفُ بضعفٍ مثير للشفقة. كان الدمُ يغطي وجهه، والدموع واللعاب يمتزجان بالتراب العالق على بلاط الصالة. أصدقاؤه، الذين كانوا قبل دقائق يتنمرون بغرور الأسياد، كانوا يحملونه الآن بأيدٍ مرتعشة، يرمقونني بنظراتٍ لم تكن كراهية فحسب، بل كانت رعباً خالصاً.. نظرة بشرٍ رأوا للتو وحشاً يمزقُ قفصه الحديدي ويخرجُ للنور.
شعرُ "جين" كان أشعث، وقميصه ممزق عند الكتف بطريقة توحي بشراسة العراك، وعلى خده كدمة أرجوانية بدأت تتشكلُ بوضوح، لكنه كان يبتسمُ بانتصارية مجنونة. "يا رجل! هل رأيت ذلك؟! لقد سحقته!" صاح جين بحماس، لكن صوته فجأة هبط ليصبح همساً مذعوراً. وضع يده على كتفي، وشعرتُ برجفته تنتقلُ إلى جسدي. "راي.." قال وعيناه تتفحصان ملامحي بدقة متناهية، وكأنه يرى شخصاً غريباً يسكنُ ملامح صديقه. "أنت.. أنت تنزف."
أشار بإصبعه المرتجف نحو وجهي. رفعتُ يدي ببطء شديد، وكأن ذراعي أصبحت تزنُ أطناناً، ولمستُ المنطقة بين أنفي وفمي. نظرتُ إلى أصابعي؛ كانت مغطاة بسائل أحمر قاني، دافئ، ولزج.. سائل ينسابُ بانتظام مخيف. لم أشعر بأي ضربة على أنفي طوال القتال. هذا لم يكن دم إصابة خارجية ناتجة عن لكمة أو ارتطام. هذا كان "دم الضغط".. دم انفجار داخلي.
شعرتُ فجأة بدوار صاعق يضرب قاعدة جمجمتي، وطنين حاد ومستمر في أذني يشبه صوت تذبذب سلك كهربائي عار تحت ضغط هائل. العالم بدأ يميلُ من حولي. "سأذهب للحمام." تمتمتُ بسرعة، محاولاً إخفاء ارتعاش صوتي، وهربتُ نحو الممر المظلم، تاركاً جين ينادي خلفي في الفراغ.
دفعتُ باب دورة المياه بقوة، ودخلتُ. كان المكان خالياً تماماً، يلفه صمتٌ مرعب يتناقضُ بحدة مع ضجيج الصالة الرياضية الذي لا يزال يترددُ في خلفية وعيي. ضوء النيون الأبيض الطويل فوق المرايا كان يصدرُ طنيناً مزعجاً، ويلقي بظلال شاحبة ومريضة على البلاط السيراميكي الأبيض، مما جعل المكان يبدو كمشرحة حديثة.
هرعتُ نحو المغسلة، وفتحتُ الصنبور على آخره. اندفع الماء البارد بقوة، صوته كان الشيء الوحيد الذي يكسرُ صمت القاعة. حفنتُ الماء بيدي المرتعشة وغسلتُ وجهي بعنف، مرة، مرتين، عشر مرات. كنتُ أحاول غسل الدم الذي لم يتوقف في الحقيقة، لكن كنتُ أحاول غسل ذلك الشعور "بالنشوة" المقزز الذي لا يزال يسكنُ عروقي.
لحظة سماع صوت تحطم عظام كانغ.. لماذا شعرتُ بتلك اللذة الحيوانية؟ لماذا أحسستُ بأنني "أعيش" لأول مرة في تلك اللحظة تحديداً؟ أنا لست هكذا. أنا الفتى الذي يكره العنف، أنا الذي يهربُ من النزاعات. فكيف استطاع هذا الوحشُ المختبئ في ظلي أن يسرق يدي ليفعل بها ما فعل؟
اختلط الدمُ الأحمر بالماء الصافي، ودار في دوامة وردية داخل الحوض الأبيض قبل أن يختفي في ظلام الصرف الصحي. أغلقتُ الصنبور. تنفستُ بعمق، والماء البارد يقطرُ من ذقني وأرنبة أنفي، صوتُ لهاثي المتهدج كان يرتدُ عن الجدران الباردة ليؤكد لي أنني وحدي.. أو هكذا كنتُ أظن.
رفعتُ رأسي ببطء شديد.. شعرتُ وكأن رقبتي تتحرك فوق تروس صدئة. نظرتُ في المرآة.
تجمدت الدماءُ في عروقي، وشعرتُ ببرودة معدنية تجتاح معدتي. الشخص الذي كان ينظرُ لي من خلف زجاج المرآة.. لم يكن "راي". لم يكن ذاك المراهق المذعور، المرتبك، والشاحب الذي أعرفه جيداً.
كان يملك نفس تفاصيل وجهي.. نفس خصلات الشعر الأسود المبلل، نفس حدة الأنف. لكن "الروح" التي تسكنُ تلك الملامح كانت كائناً مختلفاً تماماً. كان يقفُ بظهر مستقيم لدرجة مرعبة، بينما كنتُ أنا منحنياً فوق الحوض بضعف.
عينا الانعكاس.. لم تكن بنية. كانت تتوهجُ بلون أحمر قاني، مشع، وكأن هناك جمرة مستعرة خلف حدقتيه تلتهمُ بقايا بشريتي. والأرعب من ذلك كله.. كان يبتسم. لم تكن ابتسامة عادية، بل كانت ابتسامة عريضة، هادئة، وشيطانية. ابتسامة رضا مطلق.. كابتسامة صياد ظفر بأثمن طرائده.
تذكرتُ وجهه في زجاج السيارة قبل أيام.. حينها كان غاضباً، محتقناً، يصرخُ فيّ بائساً لأنني رفضتُ القتال. أما الآن.. فقد تغير الحال. كان ينظر إليّ بنظرة فخرٍ أبوية ملتوية، نظرة تقول بوضوح لا يقبل الشك: «أحسنت.. أخيراً فعلتها. أخيراً تذوقت الطعم الذي ولدتَ من أجله.»
تراجعتُ للخلف خطوة، واصطدم ظهري بباب المرحاض الخشبي. "من.. من أنت؟" همستُ بصوت محطم، صوته لم يخرج من حنجرتي بل بدا كأنه يأتي من قاع بئر مهجور. "لماذا تبتسم؟ توقف عن الابتسام!"
لم ينبس الانعكاس ببنت شفة. لم يتلاشَ ولم يهتز. بل على العكس، وسع ابتسامته قليلاً، لتكشف عن أسنان بدت لي أكثر حدة ونقاء من المعتاد، وكأنه يَعِدُني بمزيد من الصراخ.. بمزيد من الدم.. وبمزيد من المتعة التي لا توصف.
"لا.." صرختُ داخلياً، وأغمضتُ عيني بكل ما أملك من قوة. فركتهما بيدي المبللة بعنف حتى آلمتني مقلتاي. "اختفِ.. أنت محض خيال.. أنت غير موجود!" استمررتُ في تكرار هذه الكلمات كتميمة سحرية ضد الجنون.
فتحتُ عيني مجدداً بسرعة صاعقة.
عاد الانعكاس طبيعياً. رأيتُ عيوناً بنية واسعة مليئة بالخوف الإنساني الخالص، وجهاً مبللاً وشاحباً كالموت، وارتجافاً في الشفة السفلية لا يمكن إخفاؤه. لا لون أحمر. لا ابتسامة شيطانية. فقط أنا.. بقايا "راي" المهشمة.
[العودة من الهاوية – قناع الزيف]
أخذتُ منديلاً ورقياً وجففتُ وجهي وأنا أرتجف، وتأكدتُ للمرة الألف أن النزيف قد توقف تماماً. رميتُ المنديل الملطخ بالدم في سلة المهملات، ودفنته تحت بقايا المناديل الأخرى، وكأنني أتخلص من دليل جريمة لم أرتكبها بجسدي، بل بروح أخرى تسكنني.
"مجرد هلوسة." قلتُ لنفسي بصوت مسموع لكي أصدق الكذبة. "الضربة على الرأس.. نقص الأكسجين بسبب المجهود.. تداخل الأضواء.. نعم، هذا هو التفسير الوحيد المنطقي."
خرجتُ من الحمام، وساقاي تشعران بوهن غريب، وكأن العظام بداخلهما قد تحولت إلى شمع. كان جين ينتظرني عند الباب، يحمل حقيبتي وحقيبته، وقد استعاد مرحه الذي لا ينضب، ووجهه يلمع بالعرق والنشوة.
"هل أنت بخير يا بطل؟" سألني وهو يناولني الحقيبة، يربت على ظهري بقوة جعلتني أترنح. "لقد تأخرت في الداخل، ظننتك أغمي عليك من هول النصر!"
"بخير." أخذتُ الحقيبة جزئياً وحاولت تجنب النظر في عينيه، خشية أن يرى ذاك البريق الأحمر الذي لا يزال يسكن ذاكرتي. "أين اختفى كانغ؟ وبقية القردة التي كانت معه؟"
انفجر جين ضاحكاً بصوت عالٍ تردد صداه في الممر، وضرب فخذه بيده من شدة المرح. "آه، يا للخسارة! لو رأيت منظرهم يا راي! ذاك المتنمر الذي كان يهددنا قبل دقائق؟ نهض وهو يمسك بطنه ويبكي.. نعم، يبكي كطفل زُرق بخيبة أمل! صرخ بصوت مخنوق: (سأجعلكم تندمون!).. ثم ولى هارباً هو وأصدقاؤه العمالقة، وكأنهم رأوا شيطاناً خارجاً من الجحيم، لا مجرد مراهق في نادٍ رياضي!"
لفّ جين ذراعه حول عنقي ونحن نمشي خارج النادي. "المدرسة كلها ستتحدث عن هذا غداً! نظرتك الباردة! أسلوبك في القتال.. بدوت وكأنك جندي محترف لا يعرف معنى الرحمة!"
ابتسمتُ بضعف مرير. "نعم.. لقد انتهى الأمر."
[تحت سماء المدينة – بداية النهاية]
مشينا خارج النادي، تحت أضواء الشوارع البرتقالية الخافتة التي كانت ترسم ظلالنا الطويلة فوق الرصيف الرمادي. جين كان لا يتوقف عن الحديث، يسردُ تفاصيل "المعركة" ويضيفُ إليها من مخيلته ليزيدها بطولة. وأنا.. كنتُ أمشي بصمت مطبق.
كنتُ أفكرُ في تلك الابتسامة التي رأيتها في المرآة. كانغ هرب وهو يتوعد، وهذا أمرٌ معتاد. لكن الوحش الذي يسكنُ أعماقي.. ذاك الذي كان يبتسمُ بلذة.. هو الذي يُرعبني. كان يعلم الحقيقة التي أحاول جاهدة إنكارها خلف قناع "الطالب العادي".
هذه لم تكن مجرد مشاجرة عابرة في نادٍ رياضي. هذه كانت "شهقة الوحش" الأولى. كانت إعلاناً رسمياً بأن القيود قد بدأت تتآكل. الحرب الحقيقية لم تكن مع كانغ أو مع العالم الخارجي.. الحرب كانت مع الكيان الذي ينمو داخل خلاياي، والذي بدأ الآن، ولأول مرة، يشعرُ بالجوع.
نظرتُ للسماء المظلمة، وشعرتُ بأن النجوم تراقبني بصمت بارد، وكأنها تنتظرُ اللحظة التي سأتحولُ فيها تماماً.. اللحظة التي سيتوقف فيها "راي" عن الوجود، ليحل محله "أصل الخطيئة".