[ثانوية هانغوك – ممرات الصباح]

لم يكن الهواء في ردهات ثانوية "هانغوك" يحمل برودة الشتاء المعتادة فحسب، بل كان مشبعاً بتوتر كهربائي يمكن لمسه بالأصابع. في العادة، كان دخول "كانغ" من البوابة الرئيسية يشبه مرور إعصار صامت؛ ينشقُ بحر الطلاب تلقائياً، تلتصق الأجساد بالجدران، وتنحني الرؤوس تجنباً لالتقاء الأعين الذي قد يكلف صاحبه كدمةً أو إهانة علنية. كان صوت خطواته الثقيلة فوق البلاط المصقول يمثل "إيقاع الخوف" الذي يحكم المدرسة.

لكن اليوم، انكسر الإيقاع.

عندما عبر كانغ البوابة، لم يسد الصمت المعتاد. الضمادة البيضاء الكبيرة التي كانت تتوسط وجهه، تخفي وراءها أنفه المحطم وتغطي جزءاً من وجنته، كانت "إعلاناً رسمياً" عن سقوط الحاكمة المزيفة. لم يكن هناك خوف، بل كان هناك ضجيج خفي.. همش مسموع تعمد أصحابه ألا يخفوه، ونظرات جانبية ووقحة تلاحقه كالنبال.

«هل رأيتم؟» همس طالب سنة أولى لزميله وهو يتظاهر بالبحث في خزانته، لكن صوته كان حاداً بما يكفي ليخترق الممر. «يقولون إنه توسل ليرحموه ليلة أمس! ملك المدرسة سقط بضربة واحدة من كرة طائرة!»

«انظر للضمادة..» رد الآخر بضحكة خبيثة لم يحاول كتمانها. «يبدو وكأنه مومياء خرجت لتوها من القبر. أين ذهبت عضلاته الآن؟»

كان كانغ يمشي وظهره مشدود بتصلبٍ تشنجي، قبضتاه مغلقتان بقوة جعلت مفاصله تبيضُّ تحت الجلد. كل همسة كانت تضرب أذنيه كلسعة سوط، وكل ضحكة مكتومة كانت تمزق قطعة من كبريائه المتضخم. عيناه كانت محتقنتين بالدم، يحيطهما سواد ناتج عن ليلة قضاها في مواجهة سقف غرفته، يعيد شريط الإهانة مراراً.

توقف فجأة عند سماع ضحكة عالية من مجموعة فتيات في زاوية الممر. «اصمتوا!» صرخ بصوت مبحوح ينبُ عن جرح داخلي أعمق من كسر الأنف، وضرب بيده السليمة على أقرب خزانة حديدية. دوت الصدمة في أرجاء الممر، وساد صمت مفاجئ، لكنه لم يكن صمت الخوف الذي اعتاده؛ كانت نظرات الطلاب مشبعة بـ "الشماتة". كانت العيون تقول بوضوح: أنت لم تعد مخيفاً.. لقد رأينا دماءك تسيل، والوحش الذي يفقد هيبته في الغابة، لا يستعيدها بالصراخ.

بعده بدقائق، دخلتُ أنا. كان "جين" يسير بجانبي، ولم يكن يتصرف كصديق فحسب، بل كأنه "مدير أعمال" لمقاتل محترف أحرز لتوه لقب الوزن الثقيل. كان يمشي بصدر منفوخ، يوزع الابتسامات والتحيات يميناً ويساراً.

«لا توقيعات الآن يا شباب، رجاءً.. البطل يحتاج لبعض الهدوء قبل الحصة!» قال جين بمرحه المعتاد لمجموعة من الطلاب الذين كانوا يراقبوننا بفضول ممتزج بالاحترام.

بمجرد دخولي الفصل، شعرتُ بالثقل الحسي للنظرات. كان الفصل بأكمله قد تحول إلى جمهور ينتظر ظهور البطل. "هل هذا هو راي الهادئ؟" "كيف استطاع كسر أنف كانغ بتلك الدقة؟ هل كان يخفي قوته طوال هذا الوقت؟". مشيتُ نحو مقعدي بجوار النافذة، المكان الذي لطالما كان حصني من الضجيج. أخرجتُ كتابي، وضعتُ السماعات حول عنقي، محاولاً الغرق في عالمي الخاص، لكني لم أستطع تجاهل "تلك" النظرة.

[وقت الغداء – الكافيتيريا]

في الزاوية المظلمة، كان كانغ يجلس وحيداً. حاشيته، أولئك الذين كانوا يقتاتون على فتات قوته، تخلوا عنه وجلسوا في طاولات بعيدة، يراقبون الموقف بحذر. كان يحدق بي بنظرة لم تكن وعيداً عادياً؛ كان حقداً صافياً ومقطراً، حقداً يشبه المادة الحمضية التي تأكل كل ما تلمسه. كانت يده تتحسس الضمادة بحركة لا إرادية، وعقله بلا شك يعيد شريط "الهزيمة": كيف تحركتُ بتلك السرعة؟ كيف قرأتُ مسار الكرة؟

تلاقت أعيننا لثانية واحدة. في تلك اللحظة، رأيتُ في عمق عينيه شيئاً لم يلحظه غيري.. الخوف. كانغ لا يكرهني فقط، هو "يخاف" مني لأنه أدرك أنني لست الفريسة السهلة التي كان يظنها. تمتم بكلمات لم أسمعها، لكن "النظام" بداخلي حلل حركة شفتيه البطيئة والمضطربة: «مجرد.. حظ.. سأمزقك إرباً.»

كانت الكافيتيريا تعجُّ بالضجيج المعتاد، رائحة الكاري والأرز المطهو بالبخار تملأ الأجواء. جلسنا في طاولتنا المعتادة قرب النافذة الكبيرة التي تطل على الساحة الخلفية. المربع الذهبي: أنا، جين، لينا، وسارة التي انضمت إلينا لتوها. كان جين في قمة تجليه، يعيد سرد أحداث الأمس للمرة العاشرة، وفي كل مرة يضيف تفاصيل ملحمية تجعل المشاجرة تبدو وكأنها معركة من أساطير الإغريق.

«ثم نظرتُ في عيني كانغ..» قال جين وهو يلوح بملعقة الأرز وكأنها نصل مقدس، «وقلت له بصوت جهوري: (إياك أن تلمس صديقي!)، وبحركة واحدة من يدي اليسرى، دفعتُ تابعه الضخم، فطار في الهواء لثلاثة أمتار!»

«جين..» قاطعته لينا وهي تغطي فمها لتكتم ضحكتها. «أنا كنتُ هناك. أنت لم تدفعه بيدك اليسرى، بل تعلقت برقبته كالقرد الصغير وسقطتما معاً وتدحرجتما على الأرض ككرة من القماش!»

«تفاصيل.. تفاصيل تقنية لا تهم!» لوح جين بيده بلامبالاة درامية. «المهم هو النتيجة النهائية؛ لقد هزمنا الطاغية وانتهى عهد الظلم! نحن الآن (منتقمو هانغوك)!»

ضحكت سارة وخطفت قطعة دجاج من طبق جين الذي كان مشغولاً بالتمثيل. «على الأقل (المنتقمون) لا يصرخون بتلك النبرة الحادة عندما يلمحون أرنباً برياً في الغابة يا جين.»

احمر وجه جين فجأة، وبدأ يتمتم بأعذار واهية عن "عنصر المفاجأة". كنتُ أراقبهم وأنا أبتسم بهدوء، آكل طعامي بصمت كان يبدو غريباً وسط صخبهم. هذا الدفء البشري.. هذه الضحكات الصافية التي لا تشوبها مصلحة.. لينا التي كانت تمسح دموع الضحك عن عينيها برقة.. وجين الذي يحاول استعادة كرامته المهدورة بمزيد من النكات.. كان مشهداً مثالياً. مشهداً شعرتُ بمسؤولية ثقيلة تتراكم في صدري لحمايته من أي كدر.

«راي؟» نظرت إليّ لينا، ولاحظت شرودي المعتاد. وضعت يدها برقة فوق يدي التي كانت تقبض على الملعقة. «أنت هادئ بشكل مقلق اليوم. هل تشعر بألم؟ هل عادت تلك الصداعات؟»

نظرتُ لعينينها القلقتين، وشعرتُ برغبة عارمة في إخبارها بكل شيء، عن "النظام" الذي يسكنني، عن الرموز التي تظهر أمام عيني، وعن الوحش الذي يستيقظ في أعماقي. لكني اكتفيتُ بهز رأسي. «لا.. أنا بخير. فقط.. مستمتع بعرض جين الكوميدي.»

ابتسمت لينا بدفء لامس شغاف قلبي. «أنت بطلنا الحقيقي يا راي. شكراً لأنك كنت شجاعاً من أجلنا جميعاً.»

فجأة، تغير الجو في الكافيتيريا. لم يكن تغيراً ملموساً، بل كان شعوراً ببرودة مفاجئة تسللت من الباب الرئيسي. رفعتُ رأسي ببطء. على الجانب الآخر من القاعة، كان "كانغ" يغادر. لم يلمس طعامه. علبة العصير في يده كانت محطمة تماماً، وقد تسرب السائل الأحمر منها ليصبغ كفه كأنه دمٌ طازج. كان يسير بخطى ثقيلة ومنتظمة، وعيناه مثبتتان على الأرض بهوس.

توقف كانغ عند المخرج. التفت ببطء مريب، ونظر نحوي مباشرة. لم تكن هناك إيماءة تهديد، ولا صراخ. فقط ابتسم.. ابتسم بطريقة ملتوية جعلت جلدي يقشعر. أخرج هاتفاً من جيبه، وضغط على الشاشة بقوة، ثم نطق جملة قصيرة لأتباعه الذين كانوا ينتظرونه في الخارج.

بفضل حواسي التي بدت وكأنها "تتجاوز" حدود البشر، قرأتُ حركة شفتيه بوضوح صاعق: «الليلة.. عند المنعطف المعزول خلف الغابة. أحضروا (الأدوات). لا أريد مجرد ضرب، أريد (تفكيكاً).»

تجمدت الدماء في عروقي. المنعطف المعزول.. هو ذاك الطريق المظلم الذي نسلكه أنا وجين يومياً للعودة، حيث تغيب كاميرات المراقبة ويخبو صوت المدينة. وكلمة "الأدوات".. لم تكن تعني قبضات اليد. كان يقصد الأنابيب الحديدية، أو ربما شيئاً أكثر حدة.

«راي؟» لوح جين بيده أمام وجهي مرة أخرى. «أين ذهبت؟ هل رأيت شبحاً أم أنك بدأت تفكر في معادلات فيزياء الكم الآن؟»

التفتُ إليهم بسرعة، محاولاً رسم ابتسامة طبيعية قدر الإمكان. «لا شيء.. فقط تذكرت واجباً لم أكمله.» نظرتُ للساعة المعلقة فوق مدخل الكافيتيريا. ساعتان فقط قبل انتهاء الدوام. «جين.. سارة.. لينا.. هل أنتم بخير حقاً؟» سألتُ فجأة بنبرة جادة جعلت جين يتوقف عن الضحك.

«بخير طبعاً!» رد جين باستغراب. «ماذا بك يا رجل؟ لقد كسرنا هيبته وانتهى الأمر! الوحوش لا تعود بعد أن تُهزم علناً.»

ابتسمتُ له، لكن قبضتي تحت الطاولة كانت مشدودة لدرجة أن مفاصلي ابيضت وبرزت عروق يدي. جين كان يعيش في عالم وردي حيث تنتهي القصص بانتصار الخير. لكني كنتُ أعلم الحقيقة المريرة: كانغ لم ينسحب، هو فقط غيّر قواعد اللعبة من "تنمر مدرسي" إلى "تصفية حسابات دموية".

فجأة، شعرتُ بنبضة حارقة في عيني اليسرى. لم يكن ألماً مادياً، بل كان "إشعاراً" داخلياً. وصوت النظام، الذي كان صامتاً ومنزوياً في ركن مظلم من وعيي منذ الصباح، همس بجملة جعلت القشعريرة تسري في نخاعي الشوكي:

[تنبيه: تم رصد نية قتل مؤكدة في المحيط القريب.] [معدل التهديد: خطورة عالية.]

نظرتُ من النافذة نحو الأفق، حيث كانت الشمس تبدأ رحلة هبوطها. العالم في الخارج بدا جميلاً، لكني كنتُ أعلم أن خلف هذا الجمال تكمن مخالب تستعد للتمزيق. لم أكن خائفاً على نفسي؛ كنتُ خائفاً مما سأفعله بهم.

«استعد للصيد..» رددتُ الجملة في سري، وشعرتُ ببرودة معدنية تتسلل إلى قلبي. العرش الزجاجي قد تهشم فعلاً، والشظايا المتناثرة كانت حادة بما يكفي لتذبح الجميع.

2026/01/11 · 17 مشاهدة · 1278 كلمة
quart
نادي الروايات - 2026