[أمام باب المنزل – الساعة 7:30 مساءً]
وقفتُ أمام الباب الخشبي المألوف، ويدي معلقة في الفراغ البارد قبل أن تجسر على ملامسة المقبض المعدني. كان صدري يعلو ويهبط بإيقاع مضطرب؛ نظرتُ لانعكاسي الباهت في زجاج النافذة الجانبية؛ رأيتُ وجهاً أنهكه الصراع، لكنه كان يحاول استجماع شتات هدوئه. "أنت لست ذاك الكيان الآن." همستُ لنفسي بصرامة، آمراً أعصابي المتشنجة بالاسترخاء الفوري. "أنت راي.. الابن البار، الطالب الهادئ، كانغ تعلم درساً لن ينساه ولن يفعل أي شيء آخر، والحياة ستعود لمجراها الطبيعي الرتيب".
رسمتُ ابتسامة مصطنعة، هادئة ومطمئنة، وأدرتُ المفتاح في القفل. "لقد عدت!"
بمجرد أن انفتح الباب، غمرتني موجة حانية من الدفء المنزلي، ممزوجة برائحة القرفة والليمون التي لطالما كانت مرادفاً للأمان في عقلي. "أخيراً وصل صاحب المعالي!" جاء صوت أبي الجهوري، مفعماً بمرح لم أعهده منذ سنوات، منبعثاً من غرفة المعيشة. دخلتُ لأجده جالساً بزهو، وقد فك ربطة عنقه، ووجهه يفيض بسعادة غامرة. أمي كانت تجلس بجانبه، تقشر التفاح بمهارة، وعيناها تلمعان بفخر أمومي لا يمكن إخفاؤه.
جلستُ بينهما، ولأول مرة منذ أسابيع، شعرتُ بثقل العالم ينزاح عن كاهلي. "تبدون سعداء بشكل يثير الريبة." قلتُ مداعباً وأنا أختلس شريحة تفاح من الطبق. "هل ربحنا اليانصيب أخيراً؟ أم أننا سننتقل للعيش في جزيرة استوائية بعيداً عن ضجيج هذه المدينة؟"
ضحك أبي ضحكة اهتز لها كيانه، وضربني بخفة محببة على ظهري. "أفضل يا بني.. أفضل بكثير! تذكر ذلك المنصب الذي كنت أحرق من أجله زهر شبابي؟ مدير القسم المالي؟" توقف للحظة، ابتسامته تتسع لتكشف عن تجاعيد الفرح حول عينيه. "لقد تمت الموافقة على الترقية اليوم رسمياً! المدير صافحني أمام الجميع وقال إنني الرجل الذي سينقذ الحسابات!"
"حقاً؟!" قفزتُ من مكاني، وفي تلك اللحظة، تبخر كل تعبي، وتلاشى تهديد كانغ، وغاص كل الظلام الذي يسكنني في قاع النسيان. شعرتُ بفرحة حقيقية، نقية، تغسل قلبي من شوائب اليوم. أبي الذي كان يعود كل مساء بكتفين منحنيين من التعب، أبي الذي طحنته التزامات الحياة لأجلنا.. أخيراً نال الاعتراف الذي يستحقه.
"هذا رائع يا أبي! لا أصدق."
"بل صدق!" قاطعتني أمي بحماس طفولي وهي تصفق بيديها. "وهذا يعني أننا سنقيم مأدبة غداً في أفخم مطعم شواء في المدينة! سأرتدي فستاني الأزرق الحريري، وأنتما ستخرجان ببدلاتكما الرسمية. سنحتفل بكرامة عائلتنا كما يجب!"
"لحم مشوي؟" لمعت عيناي بريق طفولي. "أنا موافق وبشدة!"
"بل وسنقيم حفلة شواء منزلية أيضاً في عطلة نهاية الأسبوع،" أضاف أبي وهو ينظر للسقف بعيون حالمة. "سأدعو الأقارب.. سأشتري تلك الشواية الكبيرة ذات الفحم الحجري التي كنت أحلم بها منذ أعوام. يا إلهي، أشعر أن الحياة بدأت تفتح لنا أبوابها أخيراً يا راي".
[تتمة مشهد المنزل]
جلستُ أستمع إليهما وهما ينسجان خيوط المستقبل القريب؛ يتحدثان عن تجديد طلاء الجدران، عن تغيير السيارة القديمة التي تئن مع كل تشغيل، وعن رسوم جامعتي التي لم تعد هماً يؤرقهما. كان حديثاً عادياً جداً، لكنه كان يمثل لي "جوهر الحياة". هذا هو ما قاتلتُ من أجله اليوم، وهذا هو "الحصن" الذي حميته بقبضتي الملطختين بالدماء بعيداً عن أعينهما. نظرتُ لوجه أمي الضاحك، ووجه أبي المستبشر، وأقسمتُ في سري قسماً غليظاً: "سأحمي هذه الابتسامات.. سأكون الدرع الذي يصد عنكما كل سوء، حتى لو اضطررت لتمزيق عظام هذه المدينة الغادرة".
نظرتُ للساعة، وشعرتُ بنشاط مفاجئ. "سأذهب للنادي مع جين،" قلتُ وأنا أنهض بخفة. "يجب أن أحرق بعض الطاقة وأتدرب قليلاً قبل وليمة الغد الدسمة".
"لا تتأخر يا بطل،" قال أبي وهو يمسك بجهاز التحكم عن بعد بيقين المنتصر. "ولا تنس مفتاحك، فقد نستسلم للنوم مبكراً لنحلم بتفاصيل الترقية".
"حاضر.. أحبكم".
[النادي الرياضي – الساعة 9:30 مساءً]
كان التدريب في النادي صاخباً، مفعماً بالحياة والأدرينالين. جين كان في قمة نشاطه المعهود، يقفز ويُركِل كيس الملاكمة الجلدي وكأنه ينتقم من عدو شخصي. "بام! خذ هذه!" صرخ جين وهو يوجه ركلة طائرة استعرض فيها مرونته.
تدربنا لساعتين متواصلتين دون انقطاع. تحدثنا عن تفاهات المدرسة، سخرنا من المدرسين، وتخيلنا شكل "كانغ" غداً وهو يرتدي قناعاً طبياً ليخفي ملامحه المحطمة. كانت ليلة طبيعية تماماً، ليلة مثالية تشعرك أن الأزمات قد انجلت، وأن فصول الأشرار قد أُغلقت للأبد، وأننا مجرد مراهقين نتمتع بعنفوان الشباب. لم يكن هناك أي نذير شؤم يلوح في الأفق؛ لا غربان تنعق، ولا رعود تدوي. فقط.. سلام زائف بللنا بخداع متقن.
[طريق العودة – الساعة 11:45 ليلاً]
خرجنا من النادي، وكان الهواء الليلي بارداً ومنعشاً بشكل مذهل، يداعب أجسادنا المنهكة من التدريب. السماء كانت صافية كمرآة سوداء، والنجوم تتلألأ بوضوح نادر في سماء المدينة. "يا لها من ليلة ساحرة." قال جين وهو يشبك يديه خلف رأسه، ويمشي بخطوات مسترخية. "أشعر أنني أستطيع التحليق فوق هذه المباني. غداً.. غداً سيكون يوماً للتاريخ".
انعطفنا نحو الشارع الطويل المؤدي لحينا الهادئ. فجأة.. تسمرت قدماي عن المشهد. رفعتُ رأسي ببطء واستنشقت الهواء بحدة. "راي؟ ما بك؟" سأل جين باستغراب.
"هل تشم هذا؟" سألتُ، وقد عقدتُ حاجبي بتوجس. استنشقتُ مرة أخرى، وبدأ قلبي يقرع طبول الحذر. كانت هناك رائحة.. غريبة، دخيلة على سكون الليل. لم تكن رائحة عوادم، ولا رائحة القمامة المعتادة. كانت رائحة خشب يحترق بعنف.. رائحة دخان كثيف، ثقيل، يمتزج ببرودة الليل ليخلق جواً خانقاً.
"آه،" شم جين هو الآخر، وتغيرت ملامحه. "نعم.. رائحة نفاذة. ربما أحد الجيران استبق الأحداث وأقام حفلة شواء متأخرة؟ أو ربما يحرقون بعض المخلفات الورقية؟"
"حفلة شواء في منتصف الليل؟" تمتمتُ بشك نهش قلبي، لكنني حاولت طرد الوساوس. "ربما".
أكملنا المسير، لكن مع كل خطوة، كانت الرائحة تزداد قوة وشراسة. تحولت من رائحة خشب محترق.. إلى رائحة أكثر تعقيداً وسوداوية. رائحة بلاستيك يذوب، رائحة أثاث قديم تلتهمه النيران، رائحة دمار شامل يزحف نحونا.
بدأنا نرى شيئاً في الأفق البعيد. عند نهاية الشارع المظلم، حيث تقع بيوتنا المتراصفة.. كان هناك وهج. ضوء برتقالي غريب، قوي، متراقص، ينعكس على جدران المباني المجاورة وعلى زجاج السيارات المتوقفة، محولاً ليل الحي الهادئ إلى نهار دموي قبيح.
"راي.." توقف جين فجأة، وصوته فقد كل مرحه ليصبح همساً مرتجفاً. "ذلك الضوء.. إنه.. إنه ساطع جداً ليكون مجرد نار صغيرة".
تسارعت دقات قلبي لدرجة أنني شعرت بها في حنجرتي. انتشرت برودة معدنية في معدتي، وكأن "النظام" بداخلي بدأ يستشعر الكارثة قبل عقلي. "لنسرع." قلتُ بصوت مخنوق.
بدأنا نهرول، وسرعان ما تحولت الهرولة إلى ركض مجنون. كلما اقتربنا، زاد الدخان كثافة، سحب سوداء عملاقة كانت تتصاعد لتعانق السماء، تحجب النجوم وتطمس معالم القمر. أصوات صراخ بعيدة، مبحوحة، بدأت تصل لمسامعنا، تتداخل مع صفارات إنذار تقترب من بعيد بعويلها المشؤوم. "يا إلهي." لهث جين وهو يلهث خلفي. "يا إلهي، أرجوك.. لا".
وصلنا للزاوية الأخيرة التي تفصلنا عن منزلي. تجاوزنا المبنى الأخير الذي كان يحجب الرؤية. وانكشف الستار عن أبشع مشهد يمكن أن تراه عين بشر.
توقفت أقدامي عن الحركة، ليس بإرادتي، بل لأن الأرض قد تحولت إلى مغناطيس جمدني في مكاني. سقطت حقيبتي الرياضية من يدي، وارتطمت بالأرض بصوت مكتوم لم أسمعه وسط الضجيج المرعب.
لم يكن حفل شواء. ولم يكن جاراً يحرق الأوراق.
منزلي.. الحصن الذي تركتُ فيه قبل ساعات ضحكات أبي المجلجلة، وفستان أمي الأزرق الحريري، وأحلام الترقية والبيت الجديد.. كان الآن عبارة عن كتلة عملاقة من الجحيم المستعر.
النيران كانت تندلع من كل نافذة، تخرج بألسنتها البرتقالية الطويلة كأنها وحش جائع يلعق الجدران الخارجية بتلذذ متوحش. السقف كان ينهار ببطء تحت وطأة الحرارة، محدثاً أصوات تكسر تصم الآذان. الحرارة كانت تلفح وجهي بقسوة حتى من هذه المسافة، لكني كنت أشعر ببرد الموت ينخر في نخاع عظامي.
رأيتُ نافذة غرفة المعيشة.. البقعة التي كانا يجلسان فيها يخططان لمستقبلي.. كانت الآن عبارة عن فوهة بركانية تصرخ نيراناً صامتة.
تلاشت الدنيا من حولي. اختفى جين الذي كان يصرخ باسمي. اختفت صفارات الإنذار. اختفى الشارع والجيران المذعورون. لم يبق في هذا الكون إلا أنا.. وهذا الوحش الناري الذي يلتهم ماضي وحاضري ومستقبلي في آن واحد.
ركبتاي خانتاني. سقطتُ عليهما ببطء مهين، وعيني مثبتة بذهول تام على الباب الأمامي الذي تفحم وسقط محطماً، لي كشف عن جحيم داخلي لا يرحم. حاولتُ الصراخ، شعرتُ بحنجرتي تتمزق، لكن صوتي كان قد فارقني. خرجت مني فقط همسة واحدة.. مكسورة.. ضائعة وسط ضجيج الانهيار، همسة تحمل كل يأس البشرية :
"أمي...؟"
في تلك اللحظة، ومضت الشاشة الزرقاء في وعي، لكنني لم أقرأها. لم أهتم بالأرقام ولا بالبروتوكولات. كنتُ مجرد طفل يشاهد عالمه وهو يتحول إلى رماد.