15 - رماد ووصايا الدم

[أمام المنزل المحترق – حافة الانهيار]

"أمي!! أبي!!" لم يكن هذا صوتاً خرج من حنجرتي، بل كان انفجاراً لروح كانت تحلم قبل دقائق بمستقبل وردي. الصرخة تمزقت في حلقي، لتخرج كعواء ذئب جريح نُزع جلده حياً؛ صوت لا ينتمي للبشر ولا للأحياء. لم تكن هناك مساحة للتفكير، ولا ثانية للتردد. اندفعتُ بجسدي المشتعل بالأدرينالين نحو الباب الأمامي الذي كان يلفظ أنفاس الجحيم، ألسنة اللهب كانت تتراقص كأفاعٍ عملاقة تلتهم كل ذكرياتي.

"راي! لا!! توقف!!" صرخ جين من خلفي، صوته كان يرتعش بذعر لم أعهده فيه. شعرتُ بيديه القويتين تطبقان على معطفي، تحاولان جاهدتين سحبي بعيداً عن فوهة البركان. "لا تدخل! السقف يتآكل.. سينهار في أي لحظة! إنهم.. إنهم بالداخل، راي.. فات الأوان! لا يمكنك فعل شيء!!"

"ابتعد عني!" استدرتُ ونفضتُ ذراعي بقوة وحشية لم أقصدها، بل كانت نتاجاً لتلك الطاقة السوداء التي بدأت تغلي في عروقي. طارت قبضة جين عن معطفي وكأن قوة مغناطيسية طردته، واندفع جسده للخلف لعدة أمتار ليسقط فوق العشب بقوة، وعيناه تتسعان بصدمة تذبح القلب. لم أنظر إليه، ولم يكن في عقلي متسع للاعتذار أو الندم. كان هناك هدف واحد: قلب البيت.

اندفعتُ نحو الباب. النار كانت أمامي كجدار صلب من النور القاتل. الحرارة لفحت وجهي لدرجة أنني شممتُ رائحة احتراق شعري وحواجبي. رفعتُ قدمي اليمنى وبكل ما أوتيتُ من يأس.. "طرااااااخ!" ركلتُ الباب المتفحم. لم ينفتح بسلاسة، بل تحطم إلى آلاف الشظايا المشتعلة التي تطايرت في الداخل، فاتحة لي طريقاً ضيقاً إلى قعر الجحيم.

[داخل الجحيم – رقصة التجدد]

خطوتُ إلى الداخل. لم يكن الهواء هناك هواءً، بل كان سماً أسوداً ساخناً يغلي، يحرق الحويصلات الهوائية في رئتي مع كل شهيق مجهد. الدخان الكثيف كان ستارة تعمي الأبصار، والنار كانت تنتهك كل ما هو مقدس؛ الستائر التي اختارتها أمي بعناية، الصور التي تؤرخ لضحكاتنا، وحتى تلك السجادة التي استقبلت خطواتي المتعبة لسنوات.

"أمي!" صرختُ، لكن الدخان اقتحم فمي وخنق نداءي. مشيتُ وسط النيران. ألسنة اللهب كانت تلامس جلدي، تلعق ثيابي، وتترك علامات حروق سوداء على ذراعي. لكنني.. لم أتوقف. كنتُ أشعر بالخلايا وهي تتمزق، ثم أسمع طنيناً معدنياً في أذني يعقبه برودة مفاجئة؛ نظام التجدد كان يعمل بجنون، يعيد بناء الأنسجة في اللحظة التي تتفحم فيها. كنتُ أمشي كشبح مصلوب بين الموت والحياة، جسدي يحترق وروحي تأبى السقوط.

وصلتُ إلى غرفة المعيشة.. قلب المنزل الميت. الطاولة الخشبية التي شهدت خططنا للغد.. تلاشت. التلفاز الذي كان أبي يبتسم أمامه قبل ساعات.. ذاب كالشمع الأسود.

نظرتُ نحو الأريكة.. وهنا، توقف الزمن تماماً. تجمد الدم في عروقي، وتوقفت رئتاي عن محاولة التنفس.

رأيتهما. لم يكونا أمي وأبي اللذين ودعتهما بابتسامة. كانا.. كتلتين من الرماد البشري. جثتان هامرتان، فقدتا الملامح، وفقدتا الحياة. لكن الشيء الوحيد الذي صمد أمام جبروت النار.. هو "الوصية الأخيرة". يد أبي المتفحمة كانت لا تزال تطبق بقوة ويأس على يد أمي. حتى في اللحظة التي كانت فيها النيران تمزق صدورهم، وحتى في لحظة الألم الذي لا يُطاق.. كانا يحاولان حماية بعضهما. كانا يواجهان العدم معاً.

الترقية.. العشاء الفاخر.. الفستان الأزرق.. الوعود التي ملأت الغرفة قبل رحيلي.. كلها تحولت إلى هذا الصمت الأسود القاتل.

"لا.." همستُ، وصوتي انكسر ليصبح حطاماً. ركبتاي خذلتاني، سقطتُ فوق الأرض الساخنة والرماد يتطاير حولي كثلج أسود. زحفتُ نحوهما بحركة ميتة. مددتُ يدي المرتجفة لألمس ما تبقى منهما.. لكنني توقفت. خفتُ أن يتبخر الحب تحت لمستي، خفتُ أن يتفتتا ويختفيا للأبد.

في تلك اللحظة، لم أذرف دمعة واحدة؛ فالدموع تبخرت من جفوني قبل أن تولد. شعرتُ بشيء بارد، ثقيل، ومظلم يستقر في قاع معدتي، كأن ثقباً أسوداً قد انفتح في صدري وابتلع كل ما هو بشري فيّ. راي الحالم.. راي الطالب.. راي الذي كان يحب الحياة.. ماتوا جميعاً تحت هذا السقف المنهار.

[التحول – ولادة المفترس]

"راي!" صوت سعال عنيف مزق الصمت من جهة المدخل. كان جين، يغطي وجهه بكم قميصه المحترق، ووجهه مغطى بدموع الرعب والعجز. كان يخاطر بحياته لإنقاذ ما تبقى مني. "راي! يجب أن نخرج! السقف سيهبط فوق رؤوسنا! ابتعد..."

توقفت كلمات جين في حلقه عندما سقطت نظراته على الأريكة. رأى ما رأيته. "يا إلهي.." همس، وسقطت يده بجانبه بضعف. "يا إلهي.. لا.. مستحيل."

موقع مركز الروايات هو صاحب حقوق الترجمة، نرجو عدم دعم المواقع السارقة. markazriwayat.com

وقفتُ ببطء. لم تكن حركة بشرية، بل كانت حركة ميكانيكية، صلبة، وخالية من الروح. استدرتُ نحو جين. تراجع جين خطوة للخلف لا إرادياً، واصطدم بالجدار الذي كانت النار تنهشه، وعيناه متسعتان برعب لم يسبق له مثيل. لم يكن خائفاً من النار التي تحيط به، ولا من الجثث المتفحمة.. كان خائفاً من الشخص الذي يقف أمامه.

"راي..؟" همس بصوت مرتجف، وكأنه يخاطب غريباً أو وحشاً تنكر في زي صديقه. "عيناك.. ما الذي حدث لعينيك؟"

لم أكن بحاجة لمرآة لأعرف. كنتُ أشعر بالحرارة المنبعثة منهما، حرارة لا تأتي من النار الخارجية، بل من جحيم خاص بدأ يتشكل في حمضي النووي. لم تعد عيناي بنيتين، ولا حتى حمراء عادية؛ كانت حمراء داكنة.. بلون الدم الفاسد الذي تجمد تحت وطأة الكراهية. العالم في نظري لم يعد حطاماً ودخاناً، بل تحول إلى "بيانات": مسارات، نقاط ضعف، وأهداف للموت.

تجاوزتُ جين ببرود صاعق، وكأنه هواء لا يُرى. مشيتُ خارجاً من المنزل المشتعل بخطى ثابتة. الغريب أن النار كانت تبتعد عن طريقي، وتتراجع ألسنتها للخلف، وكأن الطبيعة نفسها أدركت أن شيئاً أكثر شراً منها قد وُلد الآن.

[الشارع – المطاردة الملعونة]

خرجتُ إلى الشارع البارد. الهواء النقي دخل رئتي، لكنه لم يطفئ الحريق الذي يلتهم إنسانيتي. سيارات الإطفاء كانت تطلق صفاراتها من بعيد، والجيران يهرعون خارج بيوتهم بملابس النوم، وجوههم تفيض بالذهول.

لكن عيني "الحمراء" لم تكن ترى الناس. التقطت شيئاً آخر على بعد مائتي متر، عند نهاية الشارع المظلم حيث يخبو الضوء. سيارة سوداء مظللة، تنطلق بعيداً بسرعة مريبة، لكن نوافذها الخلفية كانت مواربة. وبفضل بصري الذي اخترق حواجز المسافة.. رأيتهم.

رأيتُ وجوه ثلاثة أشخاص في المقعد الخلفي. لم يكونوا خائفين. كانوا ينظرون للحريق.. ويضحكون. أحدهم كان يمسك بعلبة وقود فارغة، يلوح بها بانتصار مقزز كأنه يحتفل بنهاية عرض مسرحي.

"هم..." لم أفكر. لم أحلل العواقب. انفجر البركان الكامن في خلاياي.

"بوووووم!" انطلقتُ. الأرض الأسفلتية تحت قدمي انفجرت من قوة الدفع، مخلفة وراءها حفرة صغيرة وتشققات عميقة. لم أكن أركض كطالب ثانوية عادي؛ كنتُ أركض كصاروخ موجه نحو هدفه. كنتُ وحشاً أُطلق من قيود الجاذبية.

الريح كانت تصفع وجهي بقوة إعصار، والمباني من حولي تحولت إلى خطوط باهتة ومشوشة. رئتاي تضخان الهواء بقوة محرك نفاث، وقلبي يضخ دماً أسوداً حاراً يمنحني طاقة لا نهائية. لم أشعر بتعب، ولم أشعر بضيق تنفس.. شعرتُ فقط بـ "جوع" لتمزيق اللحم.

في وسط هذه المطاردة الجنونية، وبينما كانت أنفاسي تصدر صفيراً معدنياً، سمعتُ الصوت. لم يكن صوتي الداخلي المعتاد. كان صوتاً أجش، عميقاً، وقديماً قدم أول خطيئة ارتكبها البشر.. صوت يتردد في تجاويف جمجمتي، يملأ كل خلية في جسدي بسيمفونية الخراب:

(حطّم...) (اقتل...) (دمّر...) (عذّب...)

ارتسمت على وجهي ابتسامة وحشية، كشفت عن أسناني التي بدت كل ملمح للبراءة. كنتُ أرى السيارة تقترب، وأرى الرعب يبدأ في التسلل لملامح القتلة عندما لاحظوا الظل الأحمر الذي يطاردهم بسرعة تفوق الخيال.

أجبتُ الصوت في سري، وروحي تحترق بنار أشد فتكاً من نار منزلي:

"سمعاً.. وطاعة"

2026/01/11 · 12 مشاهدة · 1100 كلمة
quart
نادي الروايات - 2026